معهد ليفانت للدراسات

بين الأرياف والمدن السوريّة .. هوّة قديمة كرّسها النزاع

بين الأرياف والمدن السوريّة .. هوّة قديمة كرّسها النزاع
مايو 25
20:59 2016

شكّل النزاع المستمر في سورية منذ 5 سنوات استمراراً للمشاكل الاجتماعية والسياسيّة والاقتصادية والثقافيّة التي يعاني منها المجتمع السوري بل وكان في كثير من اجزاءه نتيجة طبيعية للتناقضات التي تحكم العلاقات المجتمعية في البلد الذي نال استقلاله عام 1946 .
 

في أربعينيّات القرن الماضي بدأ التأسيس لدولة وطنية مع ارهاصات سبقت ذلك بسنوات , شكّلت البرجوازيّة المدينيّة البنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة , اقطاعيات منتشرة في الأرياف , برجوازيّة في المدن حاولت السيطرة على الحكومات والمجالس البلدية ومجلس الشعب , وتخلّت هذه النخبة طوعاً عن الدخول في سلك الجيش والقوات المسلّحة لاعتبارها أنّ ما يميّز هذه الشريحة هو التجارة وليس القتال والخدمة العسكرية ليست في حال من الأحوال من مهامها وهي مرتبة دنيا من الخدمة العامّة لايجب ارسال الأبناء إليها .

 

انتمى أبناء الأقليات والطوايف المختلفة إلى الجيوش التي كانت تشكلها سلطة الانتداب بدوافع الفقر والبحث عن هويّة جامعة والأوضاع الاجتماعيّة السيئة التي عانوا منها , وبعد الاستقلال كانوا النواة الأساسيّة لتشكيل الجيش الوطني الذي جعل من البلاد ساحة لانقلاباته وصارت التبدّلات السياسيّة انعكاساً لاختلال ميزان القوّى وتوزعها في الجيش ورتبه , والانقلابات السياسية كانت هي ذاتها الانقلابات العسكرية التي استمرّت عدّة سنوات مخلخلة الواقع السياسي للبلاد ومعيقةً لتطوّر المؤسسات العامة وأخذ دورها الطبيعي نتيجة الاصطفافات السياسيّة والالغائيّة المستمرّة .

 

في توسع البلاد وزيادة وظائف الخدمة العامّة زاد النفوذ الريفي في الوزارات والمديريات وتعززت الفكرة البرجوازيّة التي بدأت تهتم أكثر بالصناعة الوطنية والتصدير للمنتجات المختلفة , ذهبت البرجوازيّة المدينيّة لشراء الأراضي حول المدن واستصلاحها استمراراً للنهج الاقطاعي لكن بأموال وطريقة ادارة التجار المدينيين .

شيئاً فشيئاً صار الانتاج الريفي يتسرّب للمدينة وصار الثقل الانتاجي والأموال خارج الريف بسبب رؤوس الاموال المدينيّة الموظفة في الأرياف مع تراجع دور النخب الاقطاعية التقليدية في الارياف .

ومع مجيء حزب البعث للسلطة منذعام 1963 عمل على مدّ الكهرباء والخدمات الضرورية للأرياف في كلّ المناطق , بنيت المراكز الثقافيّة القليلة والمدارس لكنّ عُهد بادارتها إلى ذوي الشأن في تلك الأرياف وبالتالي صار التغيير الحقيقي في المجال المجتميعي متعذّراً , فكل المؤسسات كرّست الأفكار السائدة ولم تعمل على الغاءها وانما في أحسن الأحوال تجميلها ظاهريّاً .

حافظ الأسدُ الأب على علاقات قويّة ومتينة مع النخبة البرجوازيّة , بل كانت هذه النخبة الداعم الأبرز الاقتصادي والاجتماعي لحكم البعث الذي أمّن لها استقراراً سياسياً واجتماعيّاً إلى حدّ معين , كما استفادت من التسهيلات التي قدّمتها الحكومة لهم وبالتالي صارت النخبة البرجوازّية جزءاً من السلطة بل ورافعة لها .
 

في الأرياف كان سياق آخر مستمر بشكل مغاير , لم تحظ هذه الأرياف بحصصها العادلة من التنمية بل بقيت هذه الارياف تمجّد المكتسبات الأساسيّة والضروريّة أصلاً في حالة انفصال عن المدينة وانقطاع للتواصل إلا بعض المبادلين والتجّار والطلاب الذين درسوا في الكليات الوطنية وابتعثتهم الحكومة للخارج .
 

بنيت المدارس في معظم القرى , لكن بقيت مدرسة القرية مختلفة عن مدرسة المدينة وبقي أساتذتها يتمتعون بمستويات تعليمية وثقافيّة أدنى من نظرياتها في المدن , أيضاً المراكز الثقافية المعدودة لم تكن حقيقة تعمل على أيّ تغيير ايجابي بل كانت مرآة للواقع الفلاحي والريفي وصورة له في أحسن الأحوال .
 

كانت اليد العليا في الأرياف هي المساجد والأئمّة باسم السلطة الدينية التي لايمكنُ مناقشتها وأوامرها ذات مصدر الهي , لهذا أنشأ الاخوان المسلمون قواعدهم في هذه الأرياف واستخدموها وقوداً في معاركهم مع نظام الحكم آنذاك .

 

مع مجيء الأسد الابن في العام 2000 حافظ على العلاقات المتينة مع النخبة البرجوازيّة , كما عمل على التقرّب من رجال الدين واعطائهم فرص أكبر ومساهمة أكبر في الحياة العامّة وبقيت الأرياف تنتظر الخطط الخمسيّة المتعذرة , عدا بعض المشاريع التنموية التي حاولت الوصول لهذه الأرياف ونفذت برامج مثمرة فيها , ساعد على التوجه نحو هذه الارياف اهتمام أسماء الأسد عقيلة رئيس الجمهورية بذلك من خلال المشاريع المختلفة المنضمّة فيما بعد للأمانة السورية للتنمية .

 

ومع بدء الأزمة في سورية كانت ثمّة هوّة بدأت بالظهور علناً بعد تسليط الضوء بشكل أكبر على الارياف والضواحي حيث اشتعل الحراك الحقيقي , المتظاهرون الذين أحرقوا سريعاً ما استطاعوا الوصول إليه من مؤسسات الدولة كانوا انعكاساً للعلاقة المختلّة مع الحكومة ومؤسساتها المختلفة وأظهر عجزاً حكوميّاً قبل كلّ شيء في السيطرة على الشرائح والقطاعات المختلفة من المتظاهرين رغم انتشار المنظمات الشعبية والخلايا الحزبية والمؤسساتيّة في أبعد قرية في سورية .

 

ومع تطوّر وتصعّد الأحداث لجأ إلى القرى والارياف المنشقون والمتمردون والمسلحون الذين بدأوا بتشكيل فصائل وتكتلات عسكرية بأسماء مختلفة تحمل بعداً دينيّاً جميعها لمواجهة الحكومة وقوات الأمن والجيش الذي بدأ بالتدخل بشكل فعلي لضبط المناطق .

 

وفيما تستمرُّ المعارك في أطراف المدن والأرياف , تعاني هذه المناطق من انقطاع أبنائها عن التعليم والفرص والخدمات , تحاول الحكومة تأمين كل المستلزمات للمناطق التي تسيطر عليها بالحدود الدنيا , بينما تعيش المناطق الخارجة عن السيطرة صراعات سلطويّة بين التشكبلات المعارضة الاسلاميّة التي تتنازع على الحكم في هذه المناطق والتي تعيش أجزاء منها أجواؤ الحرب والحصار منذ شهور .
 

الهوّة بين الأرياف والمدن في سورية ليست وليدة اليوم بل هي حقيقة تمتدّ قديماً وجاء النزاع ليكرّس الهوّة ويوسعها ابتداءاً من المطالب والتطلعات المختلفة التي نادى بها المتظاهرون في الأرياف واختلافها عن دوافع النشطاء بالمدن الذين طالبوا بالتغيير والحريات .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة