معهد ليفانت للدراسات

بلاط الأردن والإخوان .. افتراق المصالح

بلاط الأردن والإخوان .. افتراق المصالح
يونيو 15
01:01 2016

لم يكن إغلاق مكاتب جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وختمها بالشمع الأحمر، مجرّد قرار وتحرّك قانوني، لا يحمل خلفيات سياسية، إن لم نقل أنه كان سياسياً بالمطلق بذرائع قانونية، فالخلاف وأسباب الطلاق بين البلاط والجماعة أعمق من أن يقال عنها خلاف قانوني.
 

منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي انتفت الحاجة لاستمرار التحالف بين الأنظمة المناهضة للشيوعية وحلفائها من جهة والجماعات الراديكالية أمثال الإخوان من جهة أخرى، وفي المملكة الأردنية لم يحدث بعد سقوط جدار برلين أن التقى الطرفان – الإخوان والبلاط الهاشمي – في المواقف حول القضايا المحلية والإقليمية والدولية، وفقد التحالف تباعاً قيمته الاستراتيجية.
 

تخوّف حكام المملكة من الإخوان، سبق أحداث "الربيع العربي"، مع الفوز الكاسح لحركة حماس الإخوانية في فلسطين في انتخابات 2006 التشريعية، وفرض حكومتهم المستقلة في قطاع غزة، أعطى ذلك إخوان الأردن جرعة تفاؤل لفعل شيء مماثل في الوقت المناسب، ولاحقاً وصل أشقاء الإخوان في مصر وتونس وقبلهم في تركيا إلى الحكم، فيما بدا أن الأمور تتجه نحو سيطرة الإخوان على حكم الكثير من الدول العربية خاصة في المحيط الأردني، وفي سورية كان يُنتظر نفس المشهد، وعليه ظهر أن فرصة الإخوان في الأردن بعد انتظار دام عقود، قد تتحول إلى تهديد حقيقي للبلاط الملكي، الذي قرع جرس الإنذار.
 

ورغم أن الجماعة في الأردن على العكس من شقيقاتها في المنطقة لم تسعى بشكل صريح لتغيير النظام الأردني أو إسقاطه، وادعت في جميع تحركاتها أنها تحت سقف النظام القائم، إلا أن سلوك أخواتها في المحيط أثار الريبة منها في الداخل الأردني، وعليه فإن الأزمة اليوم بين النظام الحاكم والجماعة ليست معزولة في أسبابها الداخلية عن السياق الإقليمي المتفجر، وكان من الخطأ توقع أنها ستكون بمنأى عن الانتكاسات الأخيرة للإخوان في مصر وتونس، وبمنأى عن القرار السعودي الذي تم تبنيه عربياً ودولياً باعتبار تنظيم الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً.
 

في الوقت الذي تدور فيه حرب على الإرهاب في المنطقة والعالم، وبغض النظر عن مدى مصداقية الدول الغربية وأمريكا وحلفاءهم في المنطقة بالتحرك في هذا الاتجاه، وإقحام السعودية التنظيم الإخواني في قلب الحركات الإرهابية، ورغم أن أحداً في الأردن لم يعلن أو يجرؤ على إعلان إخوان المملكة إرهابيين، لكن للجماعة مواقفها الملتبسة من الإرهاب، وهي في طبيعتها مارست وتمارس العنف في بعض الدول العربية للوصول إلى أهدافها، وبالتالي يمكن اعتبار موقفها الرمادي والمراوغ من الإرهاب وتعاطفها مع جماعات مصنفة دولياً إرهابية كجبهة النصرة، هو أحد أهم أسباب التوجس من الجماعة ونشاطها، والقلق الأردني الذي اتخذ القرار بإغلاق مكاتبهم مبرر في هذا الاتجاه، وهنا لا يمكن تجاهل أن يكون القرار بضغط سعودي، حيث لحكام الرياض كلمتهم المسموعة في عمّان ولا يمكن للبلاط الهاشمي تجاهلهم.
 

وعلى توقيت عمّان لا تبعث قرارات إغلاق مكاتب الإخوان برسائل إيجابية أبداً، والأردن يقف على عتبة استحقاق انتخابي، في ظل قانون جديد للانتخاب، له ما له وعليه ما عليه، وفي هذا السياق يشتكي أيضاً نشطاء وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني من حالة التضييق على الحريات والتراجع عن مكتسبات السنوات الفائتة، ومراوحة مسار الإصلاح السياسي وفق أكثر التوصيفات دبلوماسيةً وتفاؤلاً ..

الأمر الذي يلقي بمناخات ثقيلة، على الاستحقاق، ويبدو أن سياسة الإقصاء والاستثناء التي يمارسها الحكم في الأردن اليوم غالبة على سياسية الاحتواء التي كانت سائدة في الفترة السابقة، وفيما يخص الإخوان لا يبدو أن سياسة الحرد ستمنح الجماعة أية نتيجة يرجونها، والأصح أن على إخوان الأردن مراجعة خطاباتهم وسياساتهم والتفكير بالمصلحة الوطنية للملكة بعيداً عن الرهان على ما يحصل  خارج الحدود، والاستفادة من تجربة السنوات الخمس السابقة، وما أصاب خلالها الإخوان في المنطقة من صعود مفاجئ وهبوط صادم، والبناء على الأخطاء المرتكبة من قبل إخوتهم في المحيط العربي، وتصحيح سياساتهم وخطابهم، واتخاذ مواقف محسوبة لصالح الداخل الأردني، وعدم تقديم أوراق اعتماد لصالح جهات خارجية، والفصل بين النشاط الدعوي والسياسية، فتشدد الجماعة ومواقفها الرمادية يعطي كل المبررات لأنظمة المنطقة لقمعهم واستئصالهم.
 

أما السبب المباشر والقانوني لإغلاق مكاتب الإخوان المسلمين فهو  لاعتبار السلطات الأردنية جماعة الإخوان غير قانونية؛ لعدم حصولها على ترخيص جديد بموجب قانون الأحزاب والجمعيات الذي أقر عام 2014، وتعد "جمعية جماعة الإخوان" التي أسسها عبد المجيد الذنيبات هي المرخصة رسمياً، وذلك بعد فصل ذنيبات من الجماعة (غير المرخصة حالياً وفق القانون)، وتسعى الجمعية المرخصة حديثاً إلى أن تكون الوريث القانوني للجماعة من خلال إحالة ملكية المقرات لها، إلا أن السلطات القضائية الأردنية ردت الطلب الذي تقدمت به الجمعية، التي تم ترخيصها مؤخراً برئاسة عبد المجيد الذنيبات، والذي كان يهدف إلى الإساءة لجماعة الإخوان المسلمين وإخلائها من مركزها العام.
 

بهذا التحرك عن طريق القانون استطاعت السلطات الأردنية إيجاد شرخ داخل الجماعة، وقسمتهم إلى تيارين متعاديين، وأظهرت أنها في جانب أحدهم دون الآخر، لكن التحرك القانوني يكشف عما يخبئ خلفه من نوايا سياسية لتفكيك الجماعة وصولاً إلى استئصالها أو محاولة ذلك، فهل ينجح البلاط الملكي في سياسته هذه ؟ أم الإخوان أقوى من محاولة ضربهم في العمق وسيعيدون تجميع قوتهم ؟ وهل يملكون حقاً أوراق قوة في الداخل الأردني ؟ أم سيلجؤون إلى تقديم الطاعة مجدداً للحاكم ؟ .. هذا ما سيجيب عنه المستقبل القريب.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة