معهد ليفانت للدراسات

بلاد الشام و التغير التاريخي

بلاد الشام و التغير التاريخي
أغسطس 04
08:03 2014

… مؤشرات الشمال الشرقي لسورية لاتنفصل معطيات أحداث بلاد الشام عموما، فالأزمة السورية تعبر في كثير من جوانبها عن عوامل مشتركة ومتداخلة بين الدول الإقليمية في شرقي المتوسط، كما ان الصراعات المحتدمة على طول الشرق والشمال الشرقي لسورية تحمل تأثيرات متبادلة؛ يمكن أن تتجاوز المساحة الجغرافية، طالما أنها تتداخل سكانيا (قبائليا وأثنيا) مع باقي دول المنطقة، إضافة للتكوين الجغرافية، فالصراع مع داعش يتخذ شكلا معقدا داخل الجغرافية – السياسية للمنطقة، وربما يحمل أشكالا من التحول في البنية الأساسية للدول القائمة، فالأزمة المركبة في منطقة "الجزيرة السورية" ستتخذ عاجلا أو آجلا شكلا مركبا داخل العلاقات السياسية ما بين مكونات المجتمع، أو حتى على صعيد الدول أيضا.

علاقات داخل الهوية الاجتماعية

على الصعيد الاجتماعي فإن ثلاث سنوات من الأزمة في سورية كانت كفيلة بإعادة فرز المكون الاجتماعي، وهو فرز على مستوى الحراك الاجتماعي وليس وفق "الهوية المحلية"، فاليوم عندما تظهر داعش أو تعلن "الخلافة" فإنها واجهت أربع تحديات أساسية: – الأول هو تواجد السلطة الرسمية، حتى ولو كان التواجد دون القدرة على حسم المعركة بشكل نهائي، لكنه يمثل مناطق قوة وفاعلية داخل بعض المدن أو في محيطها، ويرعى مصالح أساسية مثل المطارات، فقتال داعش مع السلطة الرسمية ظهر بشكل متسارع عندما بدأت قوات داعش بمحاولة "توحيد جغرافيتها".

ولملاحظة الأساسية هنا أن خرائط التوزع للمسلحين باتت نادرة منذ عام 2012، كما أن الدراسات أو التقارير الخاصة بالقوة المسلحة خفت، إن لم نقل توقفت نهائيا في نفس العام وذلك بسبب عدم القدرة على تمييز الكتلة المسلحة للمعارضة، وذلك مقارنة بكتلة الجيش الذي انتهت عمليات الترويج لعمليات الانشقاق فيه أو داخل السلطة السياسية مع نهاية عام 2012، مما يؤشر على الأقل على التوازن في توزيع القوة بالنسبة للجيش فوق الجغرافية السورية في مقابل اختلاط في خرائط المسلحين تترافق مع انشقاقات داخلها أو اقتتال أضى إلى انحسار واضح للعديد منها.

– الثاني هو الحليف القريب، ويضم مجمل "المعارضة المسلحة" بما فيهم جبهة النصرة، وهذه الكتلة أثبتت من جديد أنها "مرنة" وقابلة لتحريك ولائها وفق مقتضى الحال، فبضعة معارك ما بين البوكمال ودير الزور في الشرق السوري أنهت التواجد لهذه القوى التي اعلن معظمها "البيعة" لـ"داعش". 

فالخرائط القديمة التي نشرتها جهات محسوبة على المعارضة السورية تبين توزعا للقوى مختلفا تماما عما هو سائد بعد أقل من عامين على الاقتتال رسم توضيحي 1صورة نشرتها جريدة الشرق الأوسط عن مصادر معارضة لتوزع القوى هام 2012 وتوضح الخريطة السابقة مدى التحولات التي حدثت، فما أطلق عليه "الجيش السوري الحر".

لم يغب فقط عن الإعلام في الوقت الحاضر، بل سقط تماما من الدراسات الأمريكية المتعلقة بالأزمة السورية، وتبين خريطة أخرى نشرت أوائل عام 2014 من قبل وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) ان المكون المسلح للمعارضة بات دون هوية واضحة، حيث لا نميز سوى "داعش" أما باقي المناطق فيطلق عليها "المعارضة" بشكل مطلق لعدم القدرة على خلق تمييز واضح، علما أن تلك الخريطة تبدلت أيضا في منتصف عام 2014 وعلى الأخص في مناطق القلمون التي انحسر منها تنظيم النصرة والجبهة الأسلامية باتجاه الحدود اللبنانية، بينما تطور وجود داعش في معظم المناطق الشرقية. –

– الثالث هو المكون العشائري الممتد على طول بادية شام وباتجاه الجزيرة، ورغم أن العديد من فصائل المعارضة المسلحة حاولت خلق تحالفات مع العشائر، إلا أن داعش واجهت حالة غير مسبوقة كونها أرادت خلق "مرجعية" مطلقة، فتحالفات العشائر معها هددت البنية السكانية في بادية الشام التي تمتعت بشرعية خصوصيتها في ظل الدولة السورية منذ الاستقلال وحتى بداية الأزمة.

عمليا فإن اللعب على المكون العشائري في سورية يختلف جذريا عما هو في العراق، فخبرة بعض قيادات داعش التي خدمت سابقا في الجيش العراقي في عهد صدام حسين؛ لم تخدم طبيعة الصراع القائم في سورية، بل ربما على العكس لأنها تملك احتمالية انتقال تمرد العشائر باتجاه العراق، فخصوصية العشائر في سورية لم تكن تعني على سبيل المثال احتكاكا مباشرا مع باقي المكونات سواء في الجزيرة أو في البادية، وعلى الأخص الأكراد، ومن هذه الزاوية انقلبت بعض العشائر على داعش عندما وجدت نفسها أمام مشروع مختلف تماما عن بنيتها، وهذا الأمر حدث سابقا في مدينة حلب وحتى في مدينة حمص.

– التحدي الرابع كان المكون الكردي الذي اصطدم باكرا مع "داعش"، فالأكراد يملكون مبررات قوية في الصراع تمثلت في التناقض الواضح بين "مشروع داعش" الذي يملك على الأقل شعارا دينيا، والمشروع القومي الذي يتطلع إليه الأكراد. عمليا فإن داعش لم تكن حريصة على بناء بيئة حاضنة، فهي اعتبرت أن مناطق التوتر بذاتها بيئة حاضنة، لكن الاستمرار على نفس الجغرافية والسيطرة على المناطق وإدارتها، فهناك مكون معقد في كافة المناطق التي تتواجد فيها داعش، وهي عندما تقوم بعمليات تهجير واسعة لـ"مكون ما" فإنها تصطدم بحقيقة إفراغ المدن كما حصل في دير الزور أو البوكمال، ثم تصطدم لاحقا مع الأرياف حيث يصبح التوزع القبلي أقوى، وعصبيات المكونات أكثر وضوحا، وهذا ينطبق على الأكراد أيضا في مناطق الشمال، فداعش لم تستطع التفاذ إلى الهوية الاجتماعية، وهو ما أدى لصراعها المبكر في منطقة الجزيرة الفراتية. التصورات القادمة بعد ما حدث في مدينة الرقة منذ عام 2013 بدا واضحا أن منطقة الجزيرة السورية تشكل نقاط التحول في الزمة السورية، فالرهان على مدينه حلب فشل في اعطاء المعارضة قاعدة جغرافية للانطلاق، بينما أصبح الشمال السوري رهانا في عملية التحولات داخل الشرق الأوسط،

ومنذ نهاية عام 2012 برزت القوى الكردية ثم العشائرية في الحفاظ على مناطقها من تمدد القوى المتطرفة التي كانت داعش نتيجتها النهائية، وعادت الجزيرة السورية إلى موقع تاريخي في مسألة الصراع على المنطقة، فرغم عدم جواز المقارنة الكاملة لما يحدث اليوم بوقائع تاريخية سابقة، إلا أن المهم أن هذه الجغرافية بقيت منطقة احتكاك حضاري عنيف في معظم الأحيان، وكانت تقرر على امتداد التاريخ شكل الصراعات في منطقة شرقي المتوسط إجمالا وبلاد الشام على وجه الخصوص. في الأزمة السورية اليوم رهان واضح على إحداث تبدل ديمغرافي عميق في منطقة الجزيرة السورية،ليس فقط عبر تهجير المسيحيين، بل أيضا عبر فرز سكاني للمكونات من داخل المدن، وهي بالمناسبة تملك سمات حضارية عميقة، وبالتالي إعادة التوزيع السكاني بشكل يضمن الضغط على العمق السوري، وإذا كان من الصعب اليوم التنبؤ بخارطة سكانية على الأقل، إلا أننا من التجربة التاريخية قادرون على قراءة ما حدث في مناطق الحدود الشمالية، وبالتحديد المناطق التركية التي فقدت هويتها الاجتماعية،

فاللعب بالديمغرافية كان أوائل القرت العشرين بداية لعمليات رسم الخرائط السياسية وتعديلها، ونحن اليوم نتحدث عن كتل سكانية أكبر بكثير من تلك التي كانت أوائل القرن الماضي، فهل هناك احتمالات ممكنة في ضوء ما يحدث. الصراع اليوم يقدم مؤشرات على رفض داعش وبالتالي على إمكانية رسم تماسك للكتلة السكانية بمختلف مكوناتها، لكن داعش ليست دولة بالمعنى الكلاسيكي، فهي بنية متحركة باستمرار، وإنهاؤها لا يتطلب فقط تماسكا اجتماعيا بل رؤية أيضا للعلاقة ما بين المكون الاجتماعية والدولة القادمة، وهو اليوم المنفذ الوحيد لرسم آفاق جديدة للشمال الشرقي لسورية عموما.

تقارير ذات صلة