معهد ليفانت للدراسات

بلاد الشام.. كيري وعتبة التحول السياسي

بلاد الشام.. كيري وعتبة التحول السياسي
مارس 18
20:25 2015

جاءت  تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حول التفاوض مع دمشق لتعدل من المشهد السياسي، فهي سبقت اللقاء مع وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، ومهدت لإعادة البحث في المسار السياسي للأزمة السورية، ورغم التأكيدات الأمريكية التي ظهرت لاحقاً عن عدم تغيير المواقف تجاه الرئيس السوري، لكن عمق ما قاله كيري يرتبط بطبيعة العلاقات الإقليمية القادمة، فهو لا يعبر عن تحول سياسي بل عن انجاح للمفاوضات الإيرانية، وتقديم مؤشرات لحزمة حلول ربما تترافق مع أي اتفاق منتظر مع الجانب الإيراني، فتوجيه النظر نحو دمشق يدخل من باب "الدور الإيراني" المقبل في الأزمة السورية، أكثر من كونه تبدلاً في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الحدث السوري.

قاعدة سياسية مرنة

تواجه الإدراة الأمريكية صعوبات واضعة في التوصل لاتفاق ناجح مع إيران، فالجمهوريون يمارسون ضغطاً كبيراً بهذا الخصوص، وهو ما يدفع واشنطن لتأسيس أي اتفاق قادم على قاعدة علاقات إقليمية جديدة، فالمسألة ليست التوصل إلى "اتفاق سيء" حسب تعبير بعض الصحف الأمريكية، بل ما هو الدور الإيراني القادم في ظل استعادة طهران علاقاتها مع الغرب عموماً، ويبدو أن الإدارة الأمريكية تتعامل في هذا الإطار مع ثلاث مسارات:

  • الأول تحديد مسار العلاقات الإيرانية إقليمياً، فهي بالتأكيد لا تسعى لمنح طهران قوة تؤدي لاحقاً للتأثير على "إسرائيل"، إضافة لحرص واشنطن على إقامة توازن على ضفتي الخليج الفارسي (أو العربي).

ويبدو مسار العلاقات الإيرانية اليوم متجهاً نحو تثبيت تحالفات قوية في إطار محاربة الإرهاب، سواء في العراق أو سورية، كما أن الأزمة السورية تحدد إلى حد كبير طبيعة الحالف بين البلدين، ودون إيجاد إطار مختلف للتعامل مع هذه الأزمة  فإن التحكم بقوة الدور الإيراني تبدو صعبة، وهذا ما دفع كيري لطرح الموضوع السوري بزاوية جديدة، فمسألة التفاوض تظهر كعامل في خلق توازن مختلف سيؤثر بشكل مباشر على الدور الإيراني عموماً، فواشنطن تعرف تماماً أن البحث عن حل للحرب الدائرة في سورية سيحتاج في النهاية لإعادة النظر بالأدوار الإقليمية في هذا الصراع المعقد.

  • الثاني تحديد "الجبهة العربية" من جديد، فدول المشرق العربي عموماً مثقلة بالأزمات، وإذا كانت حكومات الخليج العربي هي الأوفر حظاً لكنها تبدو الأكثر قلقاً من أي تحولات على مستوى الشرق الأوسط، فهي ليست متورطة فقط بالصراع الدائر في سورية، بل متأثرة أيضاً بأي تداعيات لظاهرة الإرهاب إذا لم يتم إيجاد حلول سياسية لها.

وإذا كانت الولايات المتحدة تدرك عدم الارتياح الخليجي من أي اتفاق أمريكي – إيراني، فإنها تسعى لزج تلك الدول ضمن إطار دور جديد يتجه نحو مصر، وهذا ما كان واضحاً في المؤتمر الاقتصادي الأخير في القاهرة، بحيث تظهر جبهة عربية مختلفة بأهدافها عن التوجهات السابقة التي كانت محصورة بـ"إسرائيل"، فهي اليوم تلوح بقوة مشتركة تصفها التحليلات الغربية بـ"القوة السنية"، وهي من المفترض أن تحد من اتساع الدور الإيراني مستقبلاً، وأن تقدم نموذجاً بديلاً لدول ما بعد الربيع العربي.

  • المسار الثالث يتجه نحو "إسرائيل" التي كانت قوة "اتزان" بالنسبة للولايات المتحدة، لكنها اليوم تبدو جزء من الأزمة بعد أن أصبحت جبهة الصراع على امتداد العراق وسورية، والرهان الأمريكي اليوم هو على ما سينتجه أي اتفاق مع طهران من تحولات باتجاه "القوى المعتدلة" في إيران، فالاتفاق سيقلل احتمالات الصدام الإيراني – الإسرائيلي، المباشر وغير المباشر، ولكن هذا الأمر تراه "إسرائيل" بشكل مغاير، لأنه يمنح أعداءها التقليديين (إيران وسوريا وحزب الله) هامش تحرك أوسع.

ما تريده الولايات المتحدة هو إعادة رسم العلاقات الإقليمية بشكل مختلف، وستكون البوابة السورية بداية منطقية لهذا الأمر، فالاعتراف بالدور الإيراني بسورية سيقابله تفاهمات على تقاسم النفوذ في الخليج الفارسي، إضافة لرسم حدود واضحة تجاه "إسرائيل"، وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية تبحث مجدداً عن حلول سياسية لكل القضايا المطروحة، ولدفع الموضوع السوري إلى الواجهة من جديد، فأي اتفاق بخصوص إيران لن يكون فاعلاً تجاه المصالح الأمريكية دون ربطه بالمشهد في الشرق الأوسط عموماً.

تصريحات كيري أغضبت الأوروبيين إلا أنها لم تخرج عن آليات التعامل الغربي مع الأزمة السورية، لأنها تأتي كعنوان لمرحلة سياسية دون أن تحمل تحولات حادة في المواقف السياسية، فالتفاوض لا يعني رفع العقوبات أو حتى العودة إلى العلاقات الطبيعية، بل هو بحث للممكنات من أجل إنجاح الاتفاق مع طهران وفي نفس الوقت تخفيف التصعيد للبدء بالبحث عن حلول سياسية، فالتوازن في العلاقات الإقليمية التي تريده واشنطن هو مسار متفاوضي وليس استراتيجية تجاه سورية، وهو يحمل معه احتمالات الإخفاق أو النجاح، لكنه يتيح هامشاً جديداً في مسار الصراع على سورية.  

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

 

تقارير ذات صلة