معهد ليفانت للدراسات

بارزاني : خرائط سايكس – بيكو مصطنعة والحدود الجديدة تُرسم بالدم

فبراير 07
21:34 2015

رئيس إقليم كردستان هو أيضاً القائد العام للبيشمركة. ولأنه يعتبر الحرب مع تنظيم «داعش» معركة وجود، يُمضي مسعود بارزاني معظم وقته على خط الجبهة مجتمعاً بقادة المحاور ومفاجئاً المراكز المتقدمة بزيارات.

في غرفة عمليات قرب الحدود الطويلة مع «داعش» استقبل بارزاني «الحياة». طلبنا منه أن يروي قصة هذه الحرب التي يعترف أنها أقسى من المواجهة السابقة مع جيش صدام حسين. وهنا نص الحلقة الأولى:

> في 13 حزيران (يونيو) الماضي قطعتَ رحلة في الخارج وعُدتَ إلى أربيل. كيف وجدت إقليم كردستان بعد ثلاثة أيام من دخول تنظيم «داعش» إلى الموصل؟

– وجدت إقليم كردستان في وضع جديد وحساس. صار للإقليم حدود تمتد على 1050 كيلومتراً مع جار جديد هو «داعش». للأسف، حين دخل «داعش» الموصل انهار جيش (رئيس الوزراء السابق نوري) المالكي. خلال 24 ساعة وصل «داعش» إلى مشارف بغداد وتوجه شرقاً إلى مقربة من الحدود الإيرانية. إنه وضع جديد وخطر.

حين استهدف «داعش» إقليم كردستان مستفيداً من الترسانة التي غنمها من الجيشين العراقي والسوري، حقّق بعض الاختراقات والتقدم. اعتمدنا استراتيجية ذات مرحلتين: الأولى، التصدي لهجوم «داعش» والثانية الانتقال إلى الهجوم ضده. تمكنّا خلال أقل من أسبوعين من احتواء هجوم «داعش» ووقفه. ثم انتقلنا إلى مرحلة الهجوم، وكان أول ما قمنا به هو استرداد سد الموصل الذي يشكل هدفاً إستراتيجياً. ثم توالت المعارك والانتصارات إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. أستطيع القول إن قوات البيشمركة استطاعت كسر شوكة «داعش» وحققت انتصارات كبيرة.

> كم هو عدد الضحايا في صفوف البيشمركة؟

– نحو 800 شهيد بينهم 300 من الضباط وضباط الصف، إضافة الى أربعة آلاف جريح.

> عدد القادة الذين استشهدوا كبير؟

– قادتنا يتقدمون قواتهم. استشهد ضابطان برتبة لواء وعشرة برتبة عميد، إضافة الى عقداء ومقدّمين ونقباء وآخرين.

> بماذا تشعر حين تبلغك الأخبار عن مقتل لواء أو عميد أو ملازم؟

– هؤلاء من أعزّ الناس على قلبي. حدث مرّات أنِ التقيت أحدهم صباحاً وجاءني في المساء خبر استشهاده. أعرف عدداً كبيراً منهم. بينهم من هو ابن شهيد أو حفيد شهيد. كل قطرة دم مؤلمة.

> ما هي أهم المعارك التي خاضتها البيشمركة حتى الآن؟

– معركة استعادة سد الموصل، ومعركة مخمور، ومعركة معبر ربيعة الحدودي، ومعركة تحرير زمار، ومعركة تحرير جبل سنجار، ومعركة جنوب سد الموصل، ومعركة مفرق الكسك بين الموصل وتلعفر، ومعركة تحرير جلولاء والسعدية، ومعركة تل الورد جنوب غربي كركوك. كانت المعارك شديدة.

> هل حاربت البيشمركة منفردة؟

– نعم، ولكن بدعم وإسناد جوي من قوات التحالف. وكانت الضربات الجوية فاعلة ومحددة بدقة.

> كم كانت هذه الحرب مكلفة مالياً؟

– الحرب مكلفة جداً وأكبر من طاقة حكومة الإقليم. لكن الشعب الكردي قام بواجبه وتحمّل الجريمة التي ارتكبها نوري المالكي بقطع موازنة الإقليم. تحمّل هذه المؤامرة الخبيثة، وبادر الأثرياء والفقراء إلى تقديم الدعم كلٌّ وفق قدرته. بعض الأثرياء أخذ على عاتقه تموين محاور عسكرية من حسابه الخاص.

> كم عدد عناصر البيشمركة المنخرطين في مواجهة داعش؟

– طول الحدود مع «داعش» من سنجار إلى خانقين 1050 كيلومتراً. القوات المشاركة في القتال من جانبنا هي بحدود 70 ألفاً. الحدود طويلة، لهذا تحدث أحياناً عمليات مباغتة، خصوصاً مع غياب إمكانات سريعة ومتطوّرة لنقل القوات.

> مَنْ قدّم أسلحة كان لها أثر في سير المعارك؟

– لا بد أن أشكر كل الدول التي قدّمت المساعدة. الحقيقة أن الدعم الجوي الأميركي كان كبيراً. الرئيس فرنسوا هولاند اتصل فوراً وعبّر عن استعداد فرنسا. المستشارة الألمانية اتصلت. رئيس وزراء بريطانيا. ووزراء خارجية عدد كبير من الدول.

يجب أن أشير إلى وجود دعم جوي فرنسي وبريطاني وكندي وهولندي وبلجيكي. الفرنسيون قدّموا مدافع رشاشة ممتازة جداً. الألمان قدّموا صواريخ «ميلان» ونوعاً آخر أقل مضاداً للدروع. الأسلحة الألمانية ساهمت في إبطال هجمات عدة بالسيارات المفخخة. صواريخ «ميلان» أثبتت فاعليتها في شكل كبير. وحصلنا على مساعدات في مجال الذخيرة التي صنعت في دول أوروبا الشرقية. دول عدة ساعدتنا مثل كندا وهنغاريا والتشيك وبلغاريا وكرواتيا وألبانيا. الحقيقة كان هناك دعم، والأبرز فيه المدافع الرشاشة الفرنسية والصواريخ الألمانية وصواريخ أخرى أقل تطوراً.

> لم تحصل على أسلحة ثقيلة.

– الأسلحة الثقيلة التي تمكننا من حسم كامل للمعركة لم نحصل عليها بعد. قوات البيشمركة واثقة، ولو حصلت على السلاح الذي تحتاجه للحسم لما ترددت. «داعش» لم يصمد أمام أي هجوم واسع للبيشمركة لكنه كان يلجأ إلى عمليات المباغتة والالتفاف بالسيارات المفخخة والانتحاريين. 70 في المئة من خسائرنا كانت نتيجة السيارات المفخّخة والعبوات الناسفة.

> هل لدى «داعش» براعة في هذا المجال؟

– نعم.

> من أين هذه الخبرة؟

– لديهم خبراء من مختلف بلدان العالم. استقطبوا ضباطاً متقاعدين من الجيش السوفياتي السابق من أوزبكستان وكازاخستان والتتار والشيشان. ولديهم عناصر من باكستان وعدد كبير من ضباط الجيش العراقي. هناك ضباط من جيوش عربية التحقوا بهم. لديهم خبراء في استخدام بنادق القنص أيضاً.

> ما هي نقطة القوة لدى «داعش»؟

– السيارات المفخخة التي يقودها انتحاريون والعبوات الناسفة وبنادق القنص، ودقة في استخدام المدفعية بسبب وجود ضباط محترفين معهم.

> واندفاع المتشوقين إلى الجنة؟

– هكذا يفكّرون ويتصرّفون. لدى «داعش» ما يسمى «جيش الخلافة» أو المهاجرين وهم من الأجانب الذين يقاتلون بشراسة. أعتقد أن أكثريتهم من الشيشان ومن دول أخرى. الجثث التي يتركونها أظهرت وجود جنسيات متعددة وأنا شاهدت جثث أفارقة أيضاً. عناصرهم من آسيا وأوروبا وإفريقيا. لديهم جسم آخر مقاتل يتشكل ممن كانوا في صفوف «القاعدة»، وبعد سيطرتهم على مناطق انضم إليهم من يريد أن يحمي نفسه من شرورهم أو لمداراتهم.

 

جيش «داعش» 50 ألفاً

> كم تقدّر عدد المحاربين تحت علم «داعش»؟

– نحو 50 ألفاً في العراق وسورية معاً.

> هذا جيش كبير؟

– طبعاً.

> وترسانتهم العسكرية؟

– غنموا أسلحة من الجيشين العراقي والسوري. استولوا على المخازن الإستراتيجية في بيجي والتي ربما يحتاجون إلى سنتين لاستكمال نقل محتوياتها. حصلوا أيضاً على أسلحة من الجيش السوري في الرقة وغيرها. غنم «داعش» نحو 1700 سيارة «هامر» أميركية مدرّعة لا يخترقها رصاص الكلاشنيكوف أو الـ «بي كي سي» سيارة مدرّعة تحمي راكبيها. لكنني أستطيع القول الآن إنهم في حال تراجع.

> هل كان إقليم كردستان العراق مهدداً في وجوده؟

– بالتأكيد وكان التهديد بالغ الخطورة.

> كانت إيران أول من أرسل لكم الذخائر. مَنِ التقيتَ من الإيرانيين؟

– استقبلتُ وزير الخارجية ووفداً من البرلمان الإيراني.

> كان قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» أول منِ استقبلتَه؟

– أكد استعداد إيران تقديم الدعم ووصل الدعم في طائرتين إلى أربيل.

> هل يواصلون إرسال الذخائر؟

– بين فترة وأخرى.

> مَنِ الطرف الآخر الذي بادر إلى دعمكم، أميركا؟

– نعم، اتصل بي نائب الرئيس جو بايدن ووزير الخارجية جون كيري وقائد القيادة المركزية الجنرال أوستن. أبدوا استعداد الولايات المتحدة لتقديم دعم جوي وهو ما فعلوه وكان له تأثير كبير.

> هل وفّر الدعم الجوي عليكم خسائر بشرية كبيرة أم جنّبكم خسارة المعركة؟

– لا شك في أنه من دون الدعم الجوي كانت المعركة ستكون أقسى وأصعب والخسائر فيها أكثر.

> إذا توقفت قوات البيشمركة في مواقعها الحالية هل تعتبرون أنكم كسبتم الحرب؟

– نحن لا نضع أمامنا حدوداً لضرب «داعش». لو نستطيع ضربهم في أي مكان لضربناهم. مجرمون وحوش ارتكبوا جرائم لا تغتفر. قواتنا وصلت الآن إلى حدود إقليم كردستان. الخطوات المقبلة تتوقف على استعداد الجيش العراقي وأبناء المناطق للتعاون معنا ونحن على استعداد. تقدُّم قواتنا من مواقعها الحالية يحتاج إلى دراسة وتفكير.

> هل قدّمت روسيا لكم أي مساعدة؟

– أظن أنها أرسلت فقط طائرة مساعدات إنسانية. استقبلت بوغدانوف قبل نحو أسبوع وأبدى تعاطفاً واستعداداً للتعاون لكن لم يطرح شيئاً عملياً.

> هناك حديث عن تعقيدات في صفقة الأسلحة الروسية لبغداد؟

– نعم بسبب العقوبات الغربية على روسيا.

> لو سألتكَ ما هو «داعش» بماذا تجيب؟

– «داعش» تنظيم متطرف اجتمع فيه التعصب الديني والتعصب القومي. إنه لقاء بين الفكر الجهادي التكفيري وشوفينية بعض العرب. لقاء الاثنين أنتج هذا التنظيم بأفكاره المتخلفة والعنيفة والخطرة وبممارساته الفظة والسيئة. هذا عن جوهر «داعش». أما اختراق التنظيم أو توظيف ممارساته أو التأثير فيه فهي مسائل أخرى.

> هل يمكن أن يتعايش الإقليم مع وجود دائم لـ «داعش» على حدوده؟

– هذا صعب جداً، بل مستحيل. لا أحد يستطيع التعايش مع هؤلاء الذين يمكن إدراجهم في خانة الوحوش، فضلاً عن أنهم لا يؤمنون أصلاً بأي تعايش مع الآخر.

> ما هو دور البعثيين في عملية «داعش»؟

– في البداية التقى مع «داعش» من وقفوا ضد العملية السياسية في العراق بعد سقوط صدام حسين. الآن أعتقد أن «داعش» سيطر في المناطق السنّية وانحسر دور البعث وأشباهه.

> هل عدد الضباط العراقيين السابقين المنضوين في تنظيم «داعش» كبير؟

– نعم كبير جداً. إنهم يتولّون حالياً قيادة وحدات عسكرية من «داعش».

> هل يفسّر ذلك قدرة «داعش» على خوض معارك متزامنة في مناطق تفصل بينها مئات الكيلومترات؟

– تنظيم «داعش» قوي وخطر. لديه تعصّب وخبرات ومال وعنف بلا حدود. لديه أيضاً عدد من الناس المستعدين للانتحار. شرف كبير للأكراد أن يكون «داعش» انكسر ميدانياً على أيديهم.

> هل تستطيع القول إنه انكسر؟

– أكاد أستطيع القول نعم أو إنه على وشك الانكسار.

> ما هو مستوى التنسيق بينكم وبين الجيش العراقي؟

– الآن بعدما تولّى الأخ الدكتور حيدر العبادي رئاسة الوزراء فتح المجال أكثر للتنسيق وهو قائم حالياً.

> هل يدعم الطيران الحربي العراقي البيشمركة؟

– الحقيقة أنه لا يزال ضعيفاً، ولكن، هناك تنسيق بيننا. نعرف أوضاع الجيش العراقي، وإذا تحسّنت ستكون للتنسيق نتائج جيدة. نحن على استعداد للتعاون.

> هناك من يتحدث عن أن الحرب على «داعش» ستستغرق سنوات؟

– من الصعب التكهّن. ثم إن مواجهة «داعش» لا تقتصر على الشق العسكري. المواجهة يجب أن تكون على جبهات عدة، عسكرية واقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية. ثم إن «داعش» ليس موجوداً في العراق وحده، إنه موجود أيضاً في سورية ومصر وليبيا ولبنان. لقد حل «داعش» تقريباً مكان «القاعدة».

> لماذا يجتذب تنظيم «داعش» شاباً من الموصل مثلاً؟

– أعتقد أن هناك عوامل عدة. يغرّرون بالشاب ويعدونه بالجنة والحوريّات. ثم هناك آثار النزاع المذهبي والذي يدفع بعض الشبان إلى اعتبار «داعش» مصدر قوة ومنقذاً. هناك كثير من الشوفينيين استقووا بـ «داعش» ضد الأكراد وتوهّموا أن التنظيم سيطر على الأكراد ويرغمهم على العودة إلى الجبال، وبذلك تنتهي قصة المادة 140 التي تتحدّث عن آليّة حلّ «المناطق المتنازع عليها» وفق التسمية الرائجة. ربما في سورية ومصر وليبيا هناك عوامل أخرى تتعلّق بالوضع السياسي وتركيبة البلدان.

> لديكم أسرى من «داعش»؟

– نعم.

> هل حصلتم منهم على معلومات عن التنظيم؟

– طبعاً. هناك من يتعاون وهناك من لا ينطق بكلمة؟

> هناك من يتعاون؟

– نعم بعضهم يدلي بمعلومات جيدة.

> هل اكتشفتم خلايا نائمة في كردستان؟

– لا أستطيع القول إن «داعش» غير موجود على الإطلاق، لكن الأكيد هو أن الخلايا قليلة ومحدودة. إقامة قواعد ثابتة ودائمة أمر صعب جداً. ربما تحدث عمليات تسلل لكنها ازدادت صعوبة مع ارتسام الجبهات. هناك بالتأكيد خلايا نائمة في كركوك التي كانت شهدت عمليات تعريب قسرية. للأسف هناك من ابتهجوا بانتصارات «داعش» في البداية وتناسَوا أنهم حلوا ضيوفاً في إقليم كردستان وينعمون بالأمن والخدمات.

> هل تستندون إلى إجماع كردي في محاربة «داعش»؟

– نعم هناك إجماع في هذا الأمر. هناك وحدة وطنية لا سابق لها. الأكراد موحدون أمام هذا الخطر.

> هل القتال ضد «داعش» أصعب من القتال ضد قوات صدام حسين؟

– نعم أصعب. نحن الآن قوة نظامية تواجه مجموعات غير نظامية. ثم إن المعركة مختلفة بأساليبها. أجرينا دورات لشبان متخصصين في الهندسة للتمكّن من مواجهة عمليات التفخيخ والألغام. سجلنا تقدماً واضحاً في هذا السياق. أعود وأكرّر. «داعش» ليس أسطورة لا تقهر. البيشمركة ضربت صورة الأسطورة التي كانت رائجة.

 

ما بعد سايكس – بيكو

> نسمع كثيراً أن حدود سايكس – بيكو هرمت، ما هو رأيك؟

– الحقيقة أن حدود سايكس – بيكو حدود مصطنعة أصلاً.

> البعثيون كانوا يقولون ذلك أيضاً؟

– كل طرف يتحدث من منطلقه وحساباته. لكنها فعلاً حدود مصطنعة وليست طبيعية. كل تقسيم قسري لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية. الحدود الجديدة هي حدود رُسمت بالدم في المنطقة بدلاً من حدود سايكس – بيكو.

> تقصد أنه لا يمكن العودة إلى العراق السابق؟

– لا بد من صياغة عراق جديد. العراق السابق فشل. لقد تحوّلت كردستان إلى ملاذ آمن لأبناء المكوّنات الأخرى من مسيحيين وتركمان وعرب رافضين سياسة «داعش» وأخواته. لو حصل استفتاء ربما طلب بعض المقيمين خارج الإقليم أن يكونوا جزءاً منه. الإقليم يحتضن اليوم مليوناً ونصف المليون نازح من العراقيين. هذا إضافة إلى 250 ألف نازح من سورية.

> كيف تصف العلاقات بين الشيعة والسنّة في العراق؟

– للأسف الشديد، نتمنى أن تكون جيدة ولو كان باستطاعتنا المساهمة في تحسينها لما ترددنا. إذا شئت الحقيقة أقول إن العلاقات بين المكوّنين الشيعي والسنّي سيئة.

> ماذا تريد أميركا حالياً من العراق؟

– أتمنى لو كان لديّ جواب عن هذا السؤال وليتني أعثر على من يملك الإجابة.

> ماذا تريد إيران؟

– إيران تريد أن يكون لها النفوذ الأكبر في العراق وأعتقد أن هذا الذي يحصل الآن.

> ماذا تريد تركيا؟

– تركيا أيضاً تريد أن يكون لها نفوذ في العراق. لكن إيران تصرفت بدقّة أكبر وبسرعة أكبر.

> هل هناك دول عربية قدّمت لكم مساعدات؟

– نعم هناك دول عربية. أشكر هذه الدول. أعتذر عن الخوض في الأسماء إذ ربما أنها لا ترغب في ذلك.

> هل كان ما حصل في الموصل مفاجئاً فعلاً؟

– قبل فترة من دخول «داعش» المدينة وردتنا معلومات أن المتطرفين يقيمون قواعد في منطقة الحضر جنوب غربي الموصل قرب الحدود السورية. بعثت برسائل إلى المالكي عن طريق السيد عمار الحكيم وعن طريق الدكتور روج شاويش (نائب رئيس الوزراء حالياً) وعن طريق السفير الأميركي آنذاك ستيف بيكروفت (الموجود حالياً في القاهرة)، قلت لهم أبلغوه أنه منشغل بالأنبار وغير مهتم بالموصل التي أصبحت ساحة مفتوحة. واقترحت أن نقوم بعملية مشتركة لمنع سيطرة المتطرفين على الموصل ومحيطها.

> هذا كان متى؟

– في كانون الأول (ديسمبر) 2013، أي قبل سبعة أشهر من سقوط الموصل في يد «داعش». لم يهتم المالكي. اتصلت به هاتفياً، أعتقد في بداية 2014. قلت له: أخي أبو إسراء الوضع خطر في الموصل، فلنقمْ بعملية مشتركة، أنا لا يجوز أن أرسل البيشمركة وحدها. الموضوع يثير حساسيات بين الأكراد والعرب. ثم إن قوات الحكومة موجودة في المنطقة. هناك الفرقة الثانية من الجيش العراقي. وهناك فرقة من الشرطة الاتحادية وقطعات أخرى. نحن على استعداد لتحمل العبء الأكبر. لكن فلتكن العملية مشتركة. أجابني: أخي أبو مسرور أنت دير بالك على الإقليم ولا تقلق خارجه فالوضع تحت السيطرة.

سمعت أن المالكي أنكر هذه الاتصالات. الأشخاص أحياء ويمكن سؤالهم.

> وماذا بعد ذلك؟

– راح تنظيم «داعش» يتمدّد. الحقيقة أن التنظيم لم يكن يحلم بالسيطرة على الموصل ولم يتوقّع. معلوماتنا تفيد بأنه كان لديه اتصالات مع حراس سجن بادوش (أشار إلى موقع في الخريطة غرب الموصل مسافة عشرة كيلومترات). كان يريد تحرير سجنائه الموجودين هناك ومشاغلة معسكر الجيش لتنفيذ هذه المهمة. في السابق كانت تحدث مناوشات… أرسل المالكي قائد القوات البرية ونائب رئيس الأركان للعمليات باعتبارهما ضابطين هائلين.

أطلق «داعش» قذائف في اتجاه معسكر الغزلاني لتغطية عملية تهريب السجناء وإذ بالضابطين اللذين أرسلهما المالكي يفرّان فالتحق بهما قائد الفرقة. انتشرت حالة الانكسار هذه كالنار في الهشيم فتبدّد العسكر. كان هناك في الموصل شبه تحالف بين القوى المعارضة للعملية السياسية والناقمة على سياسة المالكي إضافة إلى خلايا نائمة وبقايا من البعث. تفكّك الجيش فهبّت المدينة بأسرها وامتدت العملية.

> هل تجزم أن «داعش» لم يكن يتوقع سقوط الموصل في يده؟

– لم يتخيل. هذه مسألة كبيرة وفظيعة. الجيش لم يقاوم. كبار الضباط لجأوا إلى حاجز للبيشمركة. أنقذناهم وأرسلناهم إلى بغداد بناء على طلبهم. هناك مناطق قمنا بحمايتها كما في جنوب كركوك ومناطق قريبة من سد الموصل. كان هناك من يعاتبنا لأن قواتنا دخلت هذه المناطق. أمر غريب. هل كانوا يفضلون تركها لـ «داعش».

ثمة أمر غريب هنا. بعد سقوط الموصل بدأ المالكي ومن حوله يتحدثون عن ضلوعنا في مؤامرة لإسقاط الموصل، ووصلوا في الافتراءات إلى حد الترويج لوجود غرفة عمليات مشتركة بين البيشمركة و «داعش». تصوّر هذا البحر من الافتراءات والأكاذيب لتغطية الفضيحة. بعد سقوط المدينة قالوا أرسِلوا قواتكم إلى المدينة، فقلنا تأخرتم، أنا لا يمكن أن أتسبّب في إثارة قتال عربي- كردي. لو أن المالكي استمع إلينا في الوقت المناسب لما وقع كل هذا الذي تراه الآن.

أمام ما حصل اجتمعت الأحزاب الكردية. قلنا نراقب الوضع وندافع عن حدودنا في حال التعرض لنا. الحمد لله تغيرت الأوضاع لاحقاً وجاءت حكومة جديدة وصار هناك فرصة للتنسيق.

> لماذا فعل «داعش» ما فعل؟

– في اعتقادي أنه مدفوع وهو نفّذ أجندتين: الأولى أنه دفع من أجل تحجيم القضية الكردية بعد وصولها إلى مرحلة متقدمة جداً في موضوع الاستفتاء والاستقلال. وأنا أقول أن لا «داعش» ولا من هو أكبر منه يستطيع كسر إرادة الشعب الكردي وخياراته. العملية مستمرة. الأجندة الثانية هي أجندة شوفينيين عرب قاموا بالاستقواء بـ «داعش» ودعمه على أساس أنه سيحسم مصير ما يسمى «المناطق المتنازع عليها». لكنهم أخطأوا في الحسابات. لم يتوقعوا أن يكون الدعم الأميركي والأوروبي بهذه السرعة. ولم يقدّروا جيداً قدرة البيشمركة والشعب الكردي على الصمود.

> حين قالت الأحزاب الكردية ندافع عن مناطقنا، هل يشمل ذلك «المناطق المتنازع عليها»؟

– لم نسمح لـ «داعش» بالسيطرة على بعض المناطق مثل كركوك وطوز خرماتو وزمار وسنجار في حينه.

> ما هو حجم المناطق التي تدافع عنها البيشمركة اليوم؟

– أكثر من 60 ألف كيلومتر مربع.

> منطقة كبيرة؟

– وغنية أيضاً (يضحك).

> هل ظهر دور لعزة الدوري (نائب صدام حسين سابقاً) في هذه الحرب؟

– في البداية تعاون البعثيون مع «داعش» أسوة بتنظيمات سنّية معادية للعملية السياسية. الآن يسيطر «داعش» في شكل كامل على المناطق التي يحتلها، ولا أعتقد أن الآخرين يلعبون أي دور فـ «داعش» لا يؤمن لا بالحلفاء ولا بالشركاء. «داعش» يريد المبايعة.

> هل يعني هذا أن هدف ضرب الأكراد جزء أساسي من برنامج تحرك «داعش»؟

– نعم، الهجوم الذي استهدف الأكراد كبير وخطير.

> أوليس غريباً أنك لم تلتقِ بعد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي؟

– الحقيقة أنني منشغل جداً بالوضع في كردستان والحرب والجبهات. لم تحدث فرصة لي لزيارة بغداد وهو أيضاً منشغل. كنت أرغب في أن يكون هناك لقاء سواء في بغداد أو أربيل. آمل بأن يحدث ذلك في المستقبل.

> كيف استقبلت ما حلّ بالإيزيديين وهل تخيّلت مصيراً مشابهاً للأكراد ككل؟

– استقبلت المشاهد بالأسى والغضب والتصميم. الإيزيديون أكراد أصلاً. ديانتهم تختلف. لم أكن أستبعد إقدام «داعش» على قتل أكراد. لكن لم يخطر ببالي أن يقدم أي فريق، مهما بلغ من الوحشية والإجرام، على سبي النساء. هذا لم أتوقعه، وقد أحدث شرخاً لن يندمل إلى الأبد بين مرتكبي هذه الجرائم من جهة وبين الأكراد من جهة أخرى. لن نسامحهم ولن نسكت عن جرائمهم.

> هل كانت الارتكابات على يد المسلحين الوافدين من الخارج؟

– كانت من صنع المسلحين الوافدين ومسلحين محليين ممن لعبوا على الأقل دور الأدلاء. فرّ هؤلاء من مسرح الجريمة لكننا نعرفهم. لن نقوم بأي انتقام عشوائي. سيمثل المتهمون أمام محاكم تتوافر فيها كل شروط العدالة. مستحيل أن نسامح أحداً شارك في سبي النساء وعمليات الاغتصاب.

> هل كانت حوادث الاغتصاب حقيقية؟

– إنها حقيقية وأكثر من حقيقية.

> وسبي النساء؟

– نعم. تصوّر في هذا العصر يجتاح مسلحون قرية ويقتلون الرجال ثم يأخذون النساء ويغتصبونهن ثم يعلنون عن سبي النساء. هذا فظيع. في الحرب تَقتُل وتُقتَل. تَعتقِل وتُعتَقَل. دعني أقل ْصراحة، تعرّضنا سابقاً لحملات الأنفال والأسلحة الكيماوية والمقابر الجماعية، كل تلك الارتكابات كان وقعها أقل من مسألة سبي النساء واغتصابهن.

> بماذا شعرت حين بلغتك هذه الأنباء؟

– كاد قلبي أن ينفجر.

> ماذا قرّرت؟

– قرّرت الذهاب في الحرب على «داعش» إلى الآخر وبلا هوادة. والدليل أنني استقبلك اليوم على خطوط الجبهة وليس في أربيل. إنها معركة مصير، كانوا يريدون القضاء على الأكراد.

> هل هناك خبراء إيرانيون في كردستان؟

– لا. لدينا عدد من الخبراء والمدربين الغربيين وضباط تنسيق مع القوات الجوية.

> ما هي أهم معركة خاضتها قوات البيشمركة؟

– من الناحية المعنوية معركة جبل سنجار. من الناحية العسكرية معركة الكسك.

> هل كانت معركة الكسك قاسية؟

– جداً. أظهرت «داعش» مقاومة شرسة هناك في المنطقة التي تقع في منتصف الطريق بين الموصل وتلعفر. استعادت البيشمركة هذه المنطقة بعد معارك طاحنة على ثلاثة محاور. محور غرب نهر دجلة ومحور شرق دجلة ومحور حسن جلاد. انتهت المعركة بقطع الطريق بين الموصل وتلعفر وتحرير جنوب سد الموصل إلى نهر دجلة. استخدمت «داعش» بكثافة السيارات المفخّخة والانتحاريين.

> كم تقدّر مساحة المناطق التي حرّرتها البيشمركة خلال هذه الحرب؟

– لا أستطيع أن أعطيك رقماً بالغ الدقة لكنها بحدود 17 ألف كيلومتر مربع.

> كيف يمكن الخروج من هذه الحرب؟

– بقصم ظهر «داعش» في حرب عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية وفكرية. أنظر إلى أفغانستان. جيوش كبيرة وقوية ومتطوّرة تقاتل منذ 14 عاماً. وهناك تجربة الجزائر. لا أعتقد أنها ستنتهي بسرعة، لكنني أستطيع القول إن سيطرة «داعش» على الجبهات العلنية لن تدوم كثيراً. أما الحديث عن القضاء نهائياً على «داعش» فأنا أعتذر عن عدم التكهن في هذا الموضوع.

> لو أُعطِيت قوة عسكرية ملائمة، هل تستطيع حسم المعركة ضد «داعش»؟

– عسكرياً إذا حصلنا على أسلحة ثقيلة متطوّرة سنحسم المعركة عسكرياً بسرعة هائلة.

> من أين يمكن أن تحصلوا على هذا السلاح؟

– من العراق وعبر العراق أو مباشرة. إذا أُريد لنا أن نلعب دوراً حاسماً في المعركة ضد «داعش» يجب أن تكون لدينا أسلحة مناسبة.

> ما هي هذه الأسلحة؟

– دبابات وطائرات هليكوبتر حربية. أحياناً الهليكوبتر أكثر فاعلية من الطائرات المقاتلة في هذا النوع من الحروب. الدبابات أيضاً أساسية ومعها ناقلات مدرّعة للجنود.

> من المستبعد أن توافق بغداد على تسليمك هذا النوع من الأسلحة، خصوصاً بعد قولك إن الحدود تُرسم بالدم؟

– دعني أوضح موضوع الحدود. لنكن واقعيين. إن الحدود الجديدة تُرسَم بالدم بين الدول أحياناً وداخل الدول أحياناً أخرى. إنها حدود المجموعات والأدوار والمخاوف والضمانات والتطلعات. الأزمات التي تعيشها معظم الدول هي أزمات مكونات وهويات. أنظر إلى ما يحدث في اليمن وانظر إلى ما يحدث في سورية. دول أخرى تعيش مشكلات قبلية وجهوية مثل ليبيا. المعادلات التي دامت عقوداً وولدت من الحرب العالمية الأولى اهتزّت بعنف.

أعود إلى السؤال. إذا لم توافق الحكومة العراقية على تقديم هذه الأسلحة سيكون لكل حادث حديث. الآن العراق ليس لديه إمكانات. إذا توافرت الإمكانات لا بد من تنفيذ ما اتفقنا عليه. أي أن تكون للبيشمركة حصة من التجهيزات العسكرية التي تحصل عليها بغداد. لن نقبل أن يتكرر ما حصل مع المالكي الذي صادر كل حصتنا من الأسلحة والتجهيزات. لن نسكت بعد الآن على ذلك. يجب أن نحصل على حصتنا. إذا تسلم العراق 300 دبابة يجب أن نأخذ حصتنا منها.

> وإذا تسلم طائرات هليكوبتر؟

– نعم، طالما أن البيشمركة جزء من منظومة الدفاع العراقية فلماذا تُستثنى؟

– يتبع –
 

السبت، ٧ فبراير/ شباط ٢٠١٥ – جريدة الحياة

تقارير ذات صلة