معهد ليفانت للدراسات

ايقاع الحرب الإقليمية

مارس 02
15:36 2015

ايقاع الحرب الإقليمية

تقدم كافة المؤشرات صورة لتبلور حرب إقليمية ضمن آلية تحالفات تمنع الصدام الدولي المباشر، فالمعارك في سورية باتت تقف ضمن نقطة تتجاوز مقترحات دي ميستورا، المبعوث الدولي إلى سورية، فالحديث عن تجميد القتال في حي صلاح الدين في حلب لم يمنع تصريحات من نوع آخر، فالملك الأردني عبد الله الثاني يتحدث عن إمكانية القيام بعمليات خاصة في العراق وسورية، بينما تطمح السعودية لتشكيل "تحالف إسلامي"، يضمن الوجود التركي من أجل التدخل في سورية، وبالتأكيد فإن إعادة صياغة "المحاور" في الشرق الأوسط ستغير من طبيعة التعامل الدولي مع الشرق الأوسط عموما.

التحالفات الجديدة

لم تعد أنقرة ترى في ساحة الحرب السورية مجالاً للتنافس، فبعد معارك حلب الأخيرة أصبحت أمام مواجهة كلاسيكية مع إيران، وبات سير المعارك يتجاوز "الفصائل المسلحة" وقضايا داعش والنصرة، فالقتال في الجغرافية الضيقة لمحافظ حلب أصبح يرسم خطوط الأدوار الإقليمية، وكسر التوازن الدبلوماسي بين أنقرة وطهران، ورغم أن العلاقات بين البلدين تسير بشكل اعتيادي، لكن في المقابل فإن منافسة شرسة تدور وفق اتجاهين:

الأول تثبيت إيران لمعادلة القوة الإقليمية بالتزامن مع المفاوضات الخاصة بملفها النووي، فهي لا تري لهذه المفاوضات أن ترسم توازناً نهائي في علاقاتها مع الإقليم تحديداً، وتسعى لطرح "محور" يرقى إلى التحالف المتكامل عسكرياً واقتصادياً، وهذا الأمر أصبح واقعاً ويخضع لاختبارات قاسية على جبهتي الشمال والجنوب السوريتين.

يتجاوز هذا المحور ما كان يسمى "قوى الممانعة" لأنه يفرض حسابات مختلفة في أي تصور قادم لرسم الشرق الأوسط، بينما لا يوجد محور متماسك آخر على الأخص مع الخلافات التركية – السعودية، التي بدت وكأنها المعرقل لتحقيق انجازات عبر الفصائل المسلحة داخل سورية، كما أن التنافس بين أنقرة والرياض كان أحد العوامل دول دخول تركيا في إطار التحالف الغربي في الحرب ضد داعش، لكن هذه الوضعية مؤهلة اليوم لتتبدل من أجل منع إيران من فرض شروطها في تسويات لإعاد ترتيب منظومة الشرق الأوسط بالكامل.

الثاني إدراك إيران أن الصراع الاقتصادي لن يكون بصالحها، فتركيا تتفوق عليها في الناتج القومي الإجمالي، وهي تحاول فرض منطقة حرب ضمن الحدود الغربية لإيران عبر عدم تعاونها في تطويق داعش، فأنقرة تحاول فرض حلول اقتصادية على طهران وجعل تركيا المنفذ الأساسي تجاه الغرب.

الصراع الاقتصادي يفرض على إيران تثبيت تواجدها في منطقة الحرب، سواء في سورية أو العراق، وتحقيق نفوذ لمحورها بأكثر من اتجاه حتى لا يصبح العامل الاقتصادي المؤثر الوحيد في رسم معادلات القوة ضمن الشرق الأوسط القادم، وعندما تبدأ تركيا بمد جسور نحو الرياض وفي ذروة الأزمة اليمنية فإنها تسعى لإبقاء الضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتلويح بمحور أكثر تماسكاً تكون ساحة معاركه  في سورية عنواناً أساسياً في المرحلة القادمة
.

الاحتمالات المفتوحة

وراء القوة الإقليمية الساعية للتأثير في خارطة بلاد الشام، وفي الشرق الأوسط عموماً، تبدو الولايات المتحدة وروسيا ضمن رهان آخر، فالصراع ساحته اليوم شرقي أوروبا لتثبيت معادلات جديدة تخص موسكو بالدرجة الأولى، فإذا لم يضمن الكرملين قدرته على التأثير في "أوراسيا"، فإن فاعليته في الشرق الأوسط ستبقى في إطار محدود، و الاتفاق الأخير في أوكرنيا كان "إدارة للأزمة" وسط تناقضات أوربية كشف عن ثلاث أمور أساسية:

اختلاف مستويات القلق داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الأزمة الأوكرانية، فهو لم يجد استراتيجية قوية تجاه ما يحدث، وبقيت العقوبات على روسيا خطوات تحمل الكثير من علامات الاستفهام نظراً لتفاوت تأثيراتها ولمواقف الدول الأوربية منها.

إدراك موسكو أن حلول الأزمة الأوكرانية هي الخطوة الأولى في تشكيل نظام دولي مختلف، وبالتالي المضي نحو حلول أيضاً للشرق الأوسط، وهو ما تراه واشنطن تحديد إطار لنفوذها في أوراسيا وإيجاد قواعد أيضاً لمصالحها في الشرق الأوسط والعالم، وتبدو مواقف البيت الأبيض غامضة في هذا الأمر نتيجة التعقيد في علاقتها مع أوروبا.

نقطة الربط الأساسية ما بين الهم الأوروبي والشرق أوسطي هو تركيا، فعبر أراضيها سيمر خط الغاز الروسي بدلاً من عبوره الأراضي الأوكرانية، ومن خلال هذا الخط تؤسس روسيا لعلاقة مختلفة تجاه أوروبا عموماً، أي اليونان وهنغاريا، ومن المفترض أن تظهر لاحقاً بوابات باتجاه الشرق الأوسط، فتركيا في هذه اللحظة العقدة التي يتم عبرها مد الخطوط في الأزمات شرقاً وغرباً وجنوباً.
 

الاحتمالات المفتوحة لـ"محاور الشرق الأوسط" لن تتبلور بشكل سريع، فهي تطفو على إيقاع حروب عسكرية محدودة، ولكن بتفاعلات سياسية واسعة، فما يجري في حلب أو درعا يخلق علاقات سياسية جديدة على مستوى منظومة الشرق الأوسط وليس فقط ضمن دائرة بلاد الشام أو سورية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة