معهد ليفانت للدراسات

الهدنة في سورية .. فرص أخيرة ؟

الهدنة في سورية .. فرص أخيرة ؟
مارس 29
09:13 2016

"دعونا نصلي لنجاح ذلك، لأنه بصراحة هذه أفضل فرصة يمكن للشعب السوري الحصول عليها خلال 5 السنوات الأخيرة من أجل رؤية شيء أفضل" .. دي ميستورا – 27 /2/2016

باستثناء تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وغيرهما من التنظيمات المدرجة في قائمة مجلس الأمن الدولي للإرهاب، دخل اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في سورية حيز التنفيذ منتصف ليلة السبت، 27 شباط 2016 ، بتوافق وتخطيط روسي أمريكي، وقرار من مجلس الأمن، التزمت به معظم الفصائل المعارضة، مع التزام كامل من قبل الجيش السوري.

 

التخوف والتحذير والتشكيك في مدى استمرارية الهدنة وعدم سقوطها كان هاجس المعنيين، ومطلب الرافضين ضمناً للهدنة، لعدم وجود مصلحة لهم باستمرارها، ومع بدء سريان الاتفاق توقع ستافان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ما أسماها "سقطات" في وقف العمليات القتالية، وقال للصحفيين في جنيف "هناك فرصة كبيرة يجب أن نتوقعها لحدوث مثل هذه السقطات في وقف القتال الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وروسيا… الأهمية تكمن في ما إذا كانت ستتم السيطرة على هذه الحوادث بسرعة واحتوائها وهنا سيكون الاختبار".

 

على عكس محاولات سابقة لجمع الأطراف أو تفعيل هدنة مؤقتة في بعض المناطق، جميعها فشلت ولم تصمد أو لم ترى النور أساساً، كالتي سعى لها المبعوث الأممي سابقاً في حلب، تبدو هذه المرة جدية كاملة في التعاطي مع القضية السورية سياسياً وميدانياً .

منذ اتفاق فيينا وإصدار القرار 2254.. أمسكت واشنطن وموسكو بجميع أوراق الملف، وظهر لدى القطبين الكبيرين الرغبة في حل الأزمة بعد فشل الرهان على الحلول العسكرية وسقوط معادلتي الحسم والإسقاط، فواشنطن لاتريد أن ترى موسكو تسرح وتمرح وتسيطر على الساحة السورية بعد دخول الأخيرة المباشر على خط المواجهة، ودفعها بأساطيلها البحرية والجوية إلى حوض المتوسط ، وفي نفس الوقت لاتريد روسيا أن تدخل في استنزاف طويل الأمد لقواتها ومجهودها العسكري في الصراع الدموي الحاصل في سورية والشرق الأوسط، وهي تدرك أن الولايات المتحدة لن تخلي لها الساحة، وربما توقعها في الفخ الأفغاني من جديد، عدا عن تنامي ظاهرة الإرهاب وخروجها عن السيطرة ووصولها إلى قلب أوروبا ومناطق أخرى من العالم، لن تكون أمريكا وروسيا في منأى عنه، وصحوة الجميع تقريباً لضرورة توحيد الجهود والبدء في مواجهة الإرهاب والقضاء عليه.   

 

سخّرت الولايات المتحدة وروسيا الإمكانات والطاقات المطلوبة لمراقبة وقف العمليات القتالية، والحد من الخروقات أو الرد العنيف عليها الذي قد يهدد الهدنة، وتم تفعيل مراكز في واشنطن وموسكو وعمّان ومدينة اللاذقية السورية ومقر الأمم المتحدة في جنيف، للمراقبة واتخاذ الخطوات الرادعة والداعمة لعملية السلام.

 

وقال كيري من موسكو أن اتفاق الهدنة هش لكنه مفيد، وأضاف "يسعنا القول إن قلة قليلة للغاية كانت قبل ثلاثة أسابيع تعتقد أن وقف الأعمال القتالية ممكن في سورية" .. راهنت واشنطن وموسكو على استمرار الهدنة ويبدو حتى اللحظة أن الدولتين تكسبان الرهان، رغم أن خروقات عدّة حصلت وتحصل يومياً وقد طلبت روسيا من الولايات المتحدة مؤخراً القبول بآلية وضعت للرد على الخروقات، وهددت بالرد على هذه الخروقات من جانب واحد في حال عدم تحرك نظيرتها بشكل جدي لضبط أصدقائها في الجانب الآخر، ويبدو أن المشكلة حُلّت بين الطرفين، واتفقا على شيء ما خفف توتر موسكو .. والهدنة مستمرة.

 

نقطة أخرى على صعيد الداخل السوري، هي توجس فصائل المعارضة من ارتدادات الهدنة على تماسكها، خاصة على التشكيلات الكبيرة كـ "جيش الفتح" في شمال سورية، فالاتفاق الذي استثنى جبهة النصرة وبعض الجماعات الإرهابية من دون أن يحددها، هو بمثابة عامل تفجير كبير، قد يؤدي إلى تصادم هذه الفصائل في ما بينها، وتفكك بعض التحالفات القائمة .

 ظهرت خلافات فعلاً داخل حركة أحرار الشام، بين من يقدم المصلحة، ويرى أن من الأفضل الانخراط في العملية السياسية، لأن التمرد عليها، سيعطي القوى الدولية ذريعة للانفراد بها واستهدافها، ومنعها من تحقيق أي مكتسبات، وخصوصاً في ظل عدم تكافؤ القوى بسبب التدخل الروسي؛ كما سيمنح في الوقت نفسه الحكومة السورية فرصة لتقدم نفسها بأنها تسعى إلى الحل السياسي للأزمة، وأن المشكلة في الطرف الآخر، بينما فريق آخر في نفس الفصيل فيعتقد أن مواصلة القتال "واجب ديني حتى قيام الدولة الإسلامية"، وأن التخلي عن جبهة النصرة، هو "إثم شرعي كبير"، وبالتالي فإن قرار الحركة بالموافقة على الهدنة، هو قرار غير مستقر يمكن التراجع عنه في أي لحظة، خاصة إذا كان سيتسبب بتفكك الحركة من الداخل أو تفكك التحالفات مع الفصائل الأخرى، ووجود قوى متفلتة تحركها الآيديولجيا الدينية أكثر من المصلحة السياسية قد يهدد الهدنة ويسقطها في أي لحظة، إلا إذا كانت الأطراف الراعية جديّة في عدم السماح لأحد بضرب الهدنة.

 

في ضوء المستجدات الميدانية والسياسية، والتجاذبات الدولية والإقليمية، وبعد أن باتت المفاجئات في الملف السوري متوقعة في أي لحظة، يبدو أن الإفراط في التشكيك بالهدنة أو الوثوق باستمرارها غير واقعي، مع وجود لاعبين كثر ومصالح متضاربة، متضررين ومنتفعين، لكن على السوريين ومن يريدون السلام في سورية أن يصلّوا لنجاح هذه الاتفاق ومعه محادثات جنيف3، لأن ذلك قد يكون الفرصة الأخيرة، وإلا فإن الصراع الدموي مستمر والدمار والدماء لن تتوقف.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

 

تقارير ذات صلة