معهد ليفانت للدراسات

الهجرة المسيحية من بلاد الشام .. إلى أين؟

يناير 18
20:48 2015

تنطلق هذه القراءة من الصورة العامة لهجرة مسيحي بلاد الشام، فهذه الظاهرة لم تكن بعيدة عن التكوين العام للجغرافية – السياسية، ورغم أن الهجرة ليست أمراً جديداً وليست مقتصرة على شريحة اجتماعية دون أخرى، لكنها بالنسبة للمسيحيين كان لها نتائج مباشرة على التركيب السكاني وعلى الواقع الديموغرافي، فالقضية اليوم مختلفة تماماً عن الهجرات الموغلة في التاريخ، أو حتى في عمليات التبديل الثقافي المتكرر في بلاد الشام، وما حدث منذ بداية القرن العشرين كان بالدرجة الأولى مرتبطاً بإعادة رسم الخرائط، ورسم الحدود داخل الدولة الإقليمية، ففرنسا على سبيل المثال لم تكن قادرة على رسم الحدود الحالية بين سورية وتركيا لولا عمليات التفريغ السكاني؛ التي اعقبت مذابح الأرمن والسريان في نهاية المرحلة العثمانية، فالتحولات السكانية كانت ضرورية لإعادة استخدام الجغرافية في بناء منظومة الشرق الأوسط.

التغيرات المتتالية

وفق بعض التقديرات فإن عدد المسيحيين في بلاد الشام كان يصل إلى 25% من إجمالي السكان، ورغم صعوبة التأكد من هذا الرقم، لكن كافة المعطيات تشير إلى تدهور عام في التعداد السكاني بما فيه الشرائح الاجتماعية من المسيحيين، وكانت نسبتهم تتجاوز ثلث السكان في دمشق واللاذقية ومناطق الجزيرة، وساعدت محاولات المساواة التي بدأها ابراهيم باشا (ابن محمد علي) عندما دخل دمشق عام 1831، رغم انهيار حلم الدولة الجديدة لكن الضغط الأوروبي خلق هامشا جديدا لمسيحيي المشرق من خلال الامتيازات الممنوحة، وتبنت الدولة العثمانية المساواة في الحقوق والواجبات عبر "خط كلخانة" لعام 1839، وأعادت التأكيد على ذلك في الخط الهمايوني عام 1856؛ لكن الوظائف بقيت محصورة بالمسلمين، كما أن المساواة لم تشمل مجال الخدمة العسكرية، فاستمر غير المسلمين بدفع بدل نقدي، وأحدثت هذه التطورات ثلاث أمور أساسية:

  • الأول هو السماح للبعثات التبشيرية بالعمل ضمن حرية أوسع؛ مما خلق قفزة نوعية بالنسبة للشرائح اجتماعية المسيحية، فدرس أبناؤها العلوم واللغات في وقت كان "الكتاب" في المساجد هو المصدر التعليمي الأكثر شيوعاً لباقي المواطنين، ومن هذه الزاوية فإن حركة "الوعي الاجتماعي" بدأت عملياً ضمن شرائح المسيحيين، وبعكس مصر التي كان "الأزهر" فيها هو الأساس في عملية التنوير، فإن بلاد الشام خضعت لتأثير علمي من خلال مدارس التبشير، بينما كان الأزهر يرسل البعثات إلى أوروبا.
  • الثاني إيجاد مرجعية جديدة لحماية "المسيحيين" خارج سلطة "الأستانة"، فالامتيازات الممنوحة للدول التي ساعدت السلطة العثمانية في إزاحة ابراهيم باشا أوجدت مصالح جديدة ومختلفة، واعتمدت على الشرائح المسيحية في المدن الكبرى لأسباب مختلفة، ربما أهمها الانتشار السريع للتعليم في أوساطهم، ولكن هذه المصالح اصبح لها سلطة لا يستهان بها وعلى الأخص عند الولاة العثمانيين، فالمرجعية الغربية بالنسبة لبعض الشرائح المسيحية قامت بحالة تعويض عن غياب المساواة، وربط قسم اجتماعي لا يستهان به بنمط ثقافي كان جديداً كلياً على السلطنة العثمانية.
  • الثالث إيجاد تواصل مع الحضارة الأوربية التي تمثلت ببعض البعثات الأثرية، والامتيازات الاقتصادية، وعلى الأخص في القطاع المالي الذي كان مستحدثاً بالنسبة لبلاد الشام، فالشرائح المسيحية كانت أقرب لهذا التواصل بحكم بحثها عن موقع مختلف لنفسها في ظل عدم قدرتها على الدخول في الوظائف الحكومية.

قادت الأمور السابقة مجمل حركة مسيحيِ المشرق على امتداد قرن كامل، ولأن صيغ التعامل الأولى مع أوروبا كانت بفعل عوامل سياسية، حيث كانت الامتيازات في منتصف القرن التاسع عشر للحد من دولة محمد علي، فإن التأثيرات السياسية استمرت في أي حركة لاحقة، فالهجرة الكثيفة مع بداية الحرب العالمية الأولى أتاحت حزاميين جغرافيين يمكن الاعتماد عليهم في رسم المنطقة، فانهار عدد السكان في الشمال السوري، وكان المسيحيون عنصراً أساسياً فيها، وأصبح التخلخل الديمغرافي أساسا لخلق الفرز الحقيقي، وفي المقابل فإن المجاعة التي اجتاحت مناطق البقاع وعكار وعدد آخر من مناطق بلاد الشام، سببت هجرة كثيفة إلى الأمريكيتين؛ ما هيأ بيئة لرسم فرز آخر ما بين سورية ولبنان، ولاحقاً ظهرت دولة لبنان الكبير.

ومقارنة مع الهجرة المسيحية الكبرى التي بدأت مع الاجتياحين الموغولي والصليبي، فإن الهجرات المعاصرة ترتب عليها نتائج على مستوى توزع الدول الحديثة، ويبدو هذا الأمر مرتبط أيضا بظهور "إسرائيل" التي عقدت من التواجد المسيحي في الأراضي المقدسة وعلى الأخص في القدس وبيت لحم، فالهجرات في القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة بنيت على مفاهيم سياسية؛ تطورت في مرحلة ما بعد الحداثة لتنتج قياساً جديداً في مفهوم الأقلية وحقوقها، ففي تاريخ بلاد الشام كانت الاجتياحات الكبرى صداماً بين نمطين حضاريين، وما ترتب عليها من عملية إفراغ سكاني لم يؤدي إلى نفس النتائج الحالية.

حفظ التوازن

طوال القرن العشرين كان التوظيف لمفهوم الأقلية، والمسيحية تحديداً، يدخل ضمن حفظ التوازن، وعلينا هنا استرجاع طريقة التقسيم الأولى في سايكس – بيكو، حيث تم منح الروس امتيازات في فلسطين لحماية "الاثوذوكس"، بينما في صراعات سابقة كان التوازن يرتبط ما بين "الموارنة" (فرنسا) والدروز (البريطانيين).

مع تشكل الدولة الإقليمية فإن هذا التوازن لم تتغير وظائفه رغم تغير شكله بالكامل، فلبنان وفلسطين والأردن قامت على الصيغة القديمة، ففي لبنان ضمن ميثاق 1943 توافق "الأقليات"، وفي فلسطين قامت دولة بعقيدة دينية مخلفة "أقلية" عربية، وفي الأردن فإن التوافق العشائري مع "أقليات" مسيحية وأثنية (شركسية) ضمن بقاء دولة وفق سياق مرحلة ما قبل الحرب الباردة، وكانت المشكلة في العراق وسورية مختلفة، فالدولتين حملتا سمة علمانية لكن هذا الأمر لم يكن يعني عدم هجرة المسيحيين تحديداً.

ففي الوقت الذي تضمن التشريعات والقوانين السورية حقوقاً سياسية واقتصادية واجتماعية، نجد أن أعدادهم في تناقص، ظهر بشكل مريع خلال السنوات القليلة الماضية، ولم يكن في سورية قبل الأزمة اضطهاداً دينيا يدفع المسيحيين إلى طلب اللجوء الإنساني، او قيوداً على بناء الكنائس أو المدارس أو المعاهد المسيحية، لكن الهجرة لم تتوقف وأدت على مدى العقود التي سبقت الأحداث في سورية إلى فراغ حقيقي للقرى التي كانوا يقطنونها، وهناك سببين أساسيين لهذا الأمر:

  • الأول مرتبط بموضوع التوازن الذي تم تأسيسه في مرحلة ما قبل ظهور الدولة السورية، فالتطور السكاني السريع لشرائح أخرى (غير مسيحية) كان يخلق ضغطاً على المستوى الثقافي، ولهذا الأمر عوامل سياسية واضحة مثل تفاقم المسألة الكردية في شمال العراق وتأثيراتها على منطقة الجزيرة السورية، أو تأثيرات الحرب الأهلية اللبنانية على الداخل السوري على المستوى النفسي.
  • الثاني له علاقة بالاضطرابات السياسية في سورية بشكل عام، حيث أدت لحالة هجرة عامة كانت نتائجها أوضح عند المسيحيين لأن نسبتهم أقل ومعدل ازديادهم متدني مقارنة مع باقي الشرائح الاجتماعية.

كيف يؤثر هذا التناقص على مسألة التوازن؟ يظهر التأثير الأكبر ضمن السياق السياسي للمنطقة ككل، ولم يكن يبدو بشكل مباشر داخل الدول، فالتناقص وعدم الاندماج الكامل ضمن الدولة الجديدة كرّس على المستوى الثقافي – الاجتماعي عملية التوزيع للحدود الجغرافية منذ سان ريمون، بحيث تتطور الدول الإقليمية ضمن واقع "توازن سكاني" يستند إليه تطورات التوازن السياسي، فبعد نصف قرن تقريباً على الدولة الإقليمية تبدو التوازنات اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى مرحلة 1860، مع تأكيدات "إسرائيلية" على "يهودية" الدولة، وتصريحات سابقة لملك الأردن بشأن "الهلال السني"، وبالتأكيد فإن عامل "الهجرة المسيحية" كان جوهرياً في ظهور سياق ديني ومذهبي في صراعات المنطقة، بدلاً من إيجاد ثقافة دولة معاصرة كان يريدها الرعيل الأول من مؤسسي الدولة الإقليمية.

ضمن ملاحظة أخيرة فإن انتشار داعش الأخطر يبدو ضمن الخط الواصل من "الموصل" باتجاه مجرى نهر الفرات، وهذا الانتشار المعزز عملياً بحرب على المستوى الإقليمي عبر استقطابات "تركية" و"خليجية" للمعارضة السورية، ومستوى دولي من خلال التحالف الأمريكي لضرب داعش، يكرس عمليات الفصل الجغرافي والإفراغ لتلك المناطق التي شهدت تحولات مماثلة قبل قرن تقريباً، فالهجرة للمسيحيين كانت ضمن الأبعاد العميقة لهوية بلاد الشام، وترتبط اليوم بجوهر بقاء الدول الإقليمية أو انهيارها.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة