معهد ليفانت للدراسات

الهبّة الفلسطينية.. عفوية وبعيدة عن التجاذبات السياسية

الهبّة الفلسطينية.. عفوية وبعيدة عن التجاذبات السياسية
يناير 09
15:35 2016

حيّر ما يجري في القدس والضفة الغربية من أحداث المحللين والمتابعين العرب والإسرائيليين، وجعلهم يطلقون التسميات المختلفة حول ما يجري إما انتفاضة ثالثة أو مجرد هبة شعبية رداً على ممارسات القوات الإسرائيلية بحقهم.

 

في ذلك يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور بلال الشوبكي، أن ما يجري "انتفاضة حقيقية، لكن الاختلاف على تقديرها نابع من تخوّف البعض من استمراريتها، لذا يعمدون إلى تسميتها هبة، لما لهذا الاسم من دلالات نفسية"، ولكن من الثابت للجميع أن الشعب الفلسطيني قام وخلق أساليب جديدة في تحدي اسرائيل لم تشهدها حتى الانتفاضتين الأولى والثانية، وهي الدهس والطعن، حتى بات الإسرائيليون في حيرة من أمرهم في كيفية مواجهة هذا الغضب الفلسطيني، رغم إجراءاتهم المتواصلة من هدم منازل المنفذين، وسحب الهويات من المقدسين، وحتى الإبعاد عن الضفة الغربية والقدس إلى غزة.  

 

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي دفع بالشباب الفلسطيني إلى القيام بمثل هذه الأعمال بعيداً التنسيق مع السلطة الفلسطينية التي اختارت المفاوضات كخيار استراتيجي من جهة، والفصائل التي ترفع شعار مقاومة المحتل من جهة ثانية، فبقيت بعيدة عن كل التجاذبات والحسابات لا بل وضعت الجميع في خانة الاتهام لعدم مساندتها.

 

بالعودة إلى الخلفيات والأسباب التي أدت إلى الهبة، فإن أبرزها التهديد المستمر في تهويد المسجد الأقصى أي للقضية الناشئة بُعد ديني وأخطر تجلياته في محاولات تقسيم المسجد الأقصى زمنياً بين المسلمين واليهود، حيث ارتفع عدد المستوطنين الذي اقتحموا المسجد الأقصى من 8,528 سنة 2013 إلى 10,926 مستوطناً خلال سنة 2014، وهذا الأمر ارتبط أيضاً بما تقوم به اسرائيل من زيادة في عمليات الاستيطان حيث استغلت الحكومة الإسرائيلية انشغال العرب في ربيعهم وتركهم قضية فلسطين، فسرعت عمليات التهويد للضفة الغربية بشكل عام ولمدينة القدس بشكل خاص، كما ارتفع النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية خلال سنة 2014 بنسبة 40% عما كان عليه في السابق، وخصوصاً في مدينة القدس المحتلة، كما أن العطاءات المطروحة في القدس خلال حكومة نتنياهو الثالثة فاقت ما كانت عليه خلال حكومته الثانية، والتي بلغت على التوالي 4,255 عطاء في مقابل 3,699 عطاء.

 

طبعاً، المحللون حاولوا ربط الهبة بمزاج الشباب، حيث رأى البعض ربما كانت حالات اليأس والإحباط هي الأساس وراء اندفاعهم، ولكن أثبتت أحداث  الحالية أن جل الشباب المشاركين في المواجهات ليسوا مكتئبين، أو يائسين من الحياة، وأن معظمهم شباب واعٍ متعلم يأخذ قراره عن سابق إدراك وإصرار.

 

ولكن يرى المحللون أن السبب الرئيسي في كل ما يحدث ناتج عن أزمة ثقة بالقيادة  الفلسطينية، التي فشلت في تحقيق سلام دائم وإقامة الدولة الموعودة، ففي استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ظهر بأن قرابة ثلثي الفلسطينيين (65%) يريدون من محمود عباس الذي شغل منصب الرئاسة على مدى عشرة سنوات أن يستقيل. وتراجع الرضا عن أدائه في منصب الرئاسة من 44% قبل ثلاثة أشهر إلى 38%.

 

أما فصائل المقاومة والتي يعول عليها الشباب الفلسطيني كثيراً فإنه رأى فيها أنها باتت عاجزة أو غير قادرة في ظل الحصار الذي يفرض على قطاع من مواجهة الاحتلال وفرض شروطها عليه، بالإضافة إلى استمرار السلطة الفلسطينية في عمليات خنق المقاومة في الضفة الغربية واستمرارها في عمليات التنسيق الأمني، لتعوِّق مسار المقاومة.

وحسب تقرير لجنة أهالي المعتقلين في الضفة الغربية فقد نفذت أجهزة أمن السلطة خلال شهر أيلول الماضي فقط 82 عملية اعتقال، حيث كان من بين المعتقلين 52 أسيراً محرراً، كل ذلك أسهم في تعطيل المقاومة الفلسطينية بشكل أو بآخر.

 

أما  السؤال الذي يطرح نفسه في الأوساط الشعبية والسياسية هل سيستطيع هؤلاء الشباب الاستمرار في هذه الهبة والانتقال بها إلى مرحلة متقدمة قد تكون انتفاضة شعبية تعمُّ أرجاء فلسطين، وقد لا تقف عند حدود الضفة الغربية وقطاع غزة بل قد تتطور لتصل إلى الأراضي 48. حيث من الواضح بأن الداخل الفلسطيني في 48  لا يقل اندفاعاً في مواجهته الاحتلال الإسرائيلي، فهناك تقديرات بأن نحو 80% من الهجمات ضد قوات الاحتلال والمستوطنين أتت حتى الآن من شرقي القدس، وعملية النقب في 19/10/2015 تؤكد على ذلك.

 

 وفي هذا الإطار يشير بعض المختصين بأن مشاركة أبناء الداخل في مثل هذه العمليات قد يكون أكثر سهولة خصوصاً مع حملهم للهوية الإسرائيلية مما يسهل تنقلهم واختيار أهدافهم؛ غير أن طبيعة مشاركتهم وانعكاساتها تحتاج إلى دراسة متأنية.

 

بناءاً على ما سبق وبحسب متابعين أصبح من الضروري الانتقال من الهجمات العفوية إلى الفعل الانتفاضي الموَجَّه، الذي يملك قيادة فعالة وبرنامجاً سياسياً، ليكون العمل أكثر إيلاماً وأكبر ثمناً للاحتلال الإسرائيلي، وقد يتطلب ذلك تشكيل قيادة ميدانية غير معلنة للهبة. وهنا لا بد من التنبيه إلى أنه على الفصائل الفلسطينية كافة أن تترفع عن المصالح الضيقة وأن ترتقي إلى مستوى طموحات الشارع الفلسطيني، وأن تعمل على وضع هدف مرحلي يتناسب مع تصاعد المواجهات، ويبدأ في حده الأدنى من إيقاف مشاريع التقسيم الزماني والمكاني للأقصى وتهويد القدس.

 

أخيراً، لم يعد في وسع صانع القرار السياسي والأمني في تل أبيب تجاهل حقيقة وجود موقف شعبي فلسطيني فعّال، وهو موقف يملك هامشاً واسعاً من الاستقلال، الأمر الذي ينطوي على إمكان حصول مفاجآت على خط المواجهة. ومما يرفع درجة خطورة الوضع في إسرائيل، أن القيادة السياسية والأمنية باتت تدرك أن هيبة الأجهزة الأمنية لم تردع الفلسطينيين، وهو ما يفرض عليها أن تأخذ ذلك بالحسبان في كل خطواتها.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة