معهد ليفانت للدراسات

النفط السوري وخيارات المستقبل

أغسطس 28
13:27 2014

تبدو مناطق الصراع الحالية في سورية مرتبطة بشكل واضح مع خطوط إنتاج الطاقة، فالحقول النفطية في الشرق والشمال الشرقي كانت نقطة الضغط الأساسية على الحكومة في دمشق، ومنذ بداية الأزمة عام 2011 كانت حقول النفط محور توتر واضح إلى أن سيطرت على معظمها الفصائل مسلحة، وانتقلت مسألة هذه الحقول نحو حالة جديدة وعلى الأخص بعد قرار الاتحاد الأوروبي بالسماح ببيع النفط السوري لصالح المعارضة، وواقع الحال أن هذا القرار فتح الباب واسعا أمام صراع من نوع آخر، حيث بدأت معارك من نوع آخر بين الفصائل المعارضة للسيطرة على النفط السوري.
 

خارطة نفطية متقلبة
في الشهر الثامن من عام 2011 أعلنت سورية عن اكتشاف حقل غاز في منطقة قارة في القلمون، وجاء هذا الإعلان بعد أشهر قليلة من بداية الأزمة السورية، وبدأت بعدها التقارير التي تتحدث عن اكتشافات نفطية كبيرة على السواحل السورية، ثم ظهرت دراسات توضح أن الأزمة السورية أعقد من مجرد صراع سياسي، حيث تم الحديث عن خطوط الغاز التي يمكن أن تعبر أراضيها باتجاه أوروبا، وفي النهاية بدت خارطة النفط كأحد العوامل الرئيسية فيما يحدث في سورية، وعلى الأخص أن مسألة النفط السوري تعود إلى أكثر من خمسة عقود.

حقول نفط وغاز سوريا لا تعوّم سوريا فوق بحيرة من النفط والغاز لكنها تبقى بلداً ينتج هذه المواد الحيوية بكميات محدودة تساهم في دعم الاقتصاد الوطني منذ بداية اكتشاف النفط في الجزء الشرقي من هضبة حلب منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

   وتشير الدراسات العلمية إلى وجود مكامن واعدة من النفط والغاز، وهو ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى إقامة بنية تحتية لاستكشاف واستخراج الثروات المعدنية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يمكنها من لعب دور الوسيط الممتاز لمرور شحنات النفط إلى البلدان المستهلكة في أوروبا، وتستثمر سورية الطاقة في "الجزء السوري من حوض ما بين النهرين" الذي يمتد من جنوب شرقي تركيا حتى الخليج العربي بطول ألفي كيلومتر وعرض نحو 350 كلم، وتشكل حقول كرتشوك والسويدية والرميلان جزأه الشمالي الشرقي، وبدأ الإنتاج في هذه الحقول منذ عام 1968، ويبلغ الإنتاج اليومي الحالي لحقل السويدية درة الحقول السورية 116 ألف برميل يومياً، مع الإشارة إلى أن الإنتاج في هذه الحقول كافة يعتمد على طرق الإنتاج الأوَّلي مع وجود احتياطي كبير جداً، ولم تجر إلى الآن أية محاولة جادة لتطبيق الإنتاج المدعم، فضلاً عن أن هذه الحقول بحاجة إلى مزيد من الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية والهيدروديناميكية.

   أما حوض الفرات فبدأ استثماره عام 1984، وكانت التقديرات الأولية له تتحدث عن احتياطي يقدر بـ480 مليون متر مكعب من النفط القابل للإنتاج، أما الحوض التدمري فيعتبر أضخم حوض للغاز. والملاحظ أن الصراع الحالي على أحواض النفط كان محور المعارك في سورية خلال العامين الماضيين، وكان النفط يصدر باتجاه تركيا بشحنات متفاوتة، بينما قامت داعش بشراء ولاءات عشائرية من خلال الحصص النفطية، وطردت جبهة النصرة من الأحواض التي كانت تحتلها.

   وتشكل الاكتشافات الحديثة نقطة أساسية في مستقبل الخارطة النفطية لسورية، فحوض شرق البحر المتوسط, ويعرف باسم الحوض المشرقي (Levantine)، يشغل غرب الشاطئ الفلسطيني ولبنان وسوريا حتى غرب اللاذقية، واكتشفت فيه حقول للغاز غرب حيفا أهمها حقل ليفياتان. وكان هذا الحوض مثار اهتمام الاستكشافيين السوريين منذ بداية الخطة الخمسية الثالثة، وأجريت فيه مسوح بحرية قبالة الشواطئ السورية عن طريق سفن أبحاث روسية وفرنسية وفرق جيوفيزيائية أجنبية، واكتشفت فيه بنى جيولوجية ضخمة أهمها حافة طرطوس وحافة اللاذقية.

   إن التقديرات الأولية لغاز البحر الأبيض المتوسط هي 345 تريليون إضافة 5.9 مليار برميل من الغازات السائلة و1.7 مليار برميل من النفط، ومعظم هذا المخزون وفق التقارير الأولية موجود في سورية، وهناك دراسات تم نشرها بعد الأزمة السورية أن اكتشاف حقل قارة يجعل سورية مركزا لحقول الغاز في المتوسط، وبشكل يحقق 400 الف متر مكعب يومياً.
 

عقدة الطاقة السورية
في عام 2008 أكد مدير شركة شل للنفط في سورية على أهمية مستقبلها كممر دولي حيوي لنقل الغاز باتجاه أوروبا، فالمسألة ليست فقط طبيعة الاكتشافات النفطية بل أيضا في طبيعة شبكات الطاقة، والمشاريع الدولية بخصوص نقل الغاز، وفي عام 2009 اقترحت قطر مد خط للغاز الطبيعي عبر سوريا وتركيا إلى أوروبا، ولكن سوريا أبرمت اتفاقا مع العراق وإيران لمد خط أنابيب يتجه شرقا؛ يسمح لهذين البلدين بالوصول إلى سوق الغاز الطبيعي الأوروبية، وهذا الأمر أثر سلبا على كل من السعودية وقطر وتركيا، وحسب المحلل الأمريكي الاستراتيجي روب تايلر فإن اقتصاديات المنطقة الجيوبولتيكية تشكل نقطة ارتكاز أساسية في اندلاع الأزمة السورية، فخطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي تأتي بكميات كبيرة من الثروة للدول التي تسيطر عليها، وبذلك تجتذب الاهتمام الدولي، وفى حالات كثيرة النشاط الإرهابي.

   كان من المقرر لخط الغاز الإيراني أن يبدأ العمل في عام 2016، لكن الأزمة السورية وانتشار داعش على طول الحدود السورية – العراقية يؤشر إلى اتخاذ لاعبين دوليين أكبر حجماً مواقع لهم على رقعة الشطرنج الجيوبوليكتيكة. فخط الأنابيب يحمل ثروة هائلة من تدفق الغاز الطبيعي بشكل يغير الاقتصاديات الإقليمية، وما يحدث في سوريا اليوم شبيه بالسيناريو القوقازي الذي أشعل تلك المنطقة لعقد كامل.

    انتشار داعش اليوم لن يغير من طبيعة سورية كعقدة طاقة أساسية، لكنه في المقابل يدفع نحو قراءة منظومة الطاقة في الشرق الأوسط ككل، ومن غير المتوقع أن تنتهي مسألة خطوط الغاز السورية دون حل لخط الغاز الإسرائيلي، ولضمان حصة قطرية في هذه المعادلة، فإمداد الغاز يمنح أدواراً سياسية إضافة لما يقدمه من مزايا اقتصادية، والحرب ضد داعش في مظهرها الحالي تبدو صورة لرسم خرائط سياسية للثروة النفطية السورية ولشبكة الطاقة التي لا بد من أن تمر عبر أراضيها.

 

 

تقارير ذات صلة