معهد ليفانت للدراسات

النفايات في لبنان .. أزمة بذيول سياسيّة

النفايات في لبنان .. أزمة بذيول سياسيّة
أبريل 08
09:08 2016

همس أحدهم ساخراً.. "حل أزمة النفايات طريق اللبنانيين إلى انتخاب مرشح لشغل المقعد الرئاسي الشاغر منذ سنتين"، لكن وبعد مضي ثمانية أشهر ما زالت الأمور على حالها، النفايات في الشوارع وقصر بعبدا بلا رئيس .

 

يخطئ من يظن أن أزمة النفايات في لبنان بدأت فقط منذ ثمانية أشهر، فالملف الذي يعد دجاجة تبيض ذهباً للشركة الذي تديره كونه يعطيها ميزات وأسعار مفضلة، انطلقت مفاعيلها منذ تسعينيات القرن الماضي، في عهد رئيس الحكومة رفيق الحريري في إطار محاصصة طائفية بين زعماء الطوائف حينها، حيث تم نقل الإشراف على النظافة من البلديات التي يطالبها الجميع باستعادة دورها، ونقله إلى الحكومة وبالتحديد مجلس الإنماء والإعمار الذي تعاقد مع  شركة سوكلين ودفع الأموال لها من الصندوق البلدي التابع لوزارة الداخلية والبلديات، بطريقة غير قانونية وغير شرعية وصولاً إلى عام 2001، حيث أوجدت الحكومة حينها بعد انتقادات بدأت تطفو على السطح  حلولاً قانونياً لها.

 

ومع شرعنة هذه العمليات وقوننتها عمدت الحكومة التي كان يتزعمها رفيق الحريري بالتعاون مع شركائه السياسيين في إدارة البلاد وشركائه السوريين الذي كانوا موجودين حينها إلى زيادة فاتورة سوكلين، وتم توسيع نطاق عملها أملاً في تضخيم أرباحها لتغطي القسمة بين الشركاء.

 

ولكن وبعد اغتيال الحريري وانقسام لبنان عامودياً بين " 8 و 14 آذار" الذين كانوا في ظل الوجود السوري حلفاء، انفرط عقد المحاصصة القائم على التعاون، وصار من الصعب توزيع الحصص المتفق عليها بالتساوي بين الخصوم الجدد، لذا سعى المنتفعون من هذا الملف المجزي إلى البحث عن حلول جديدة تكفل لهم الاستمرار في تقاسم الغنائم، فوجدوا في توزيع الحصص على أساس مناطقي الحل الأمثل "تقسيم لبنان إلى ستة مناطق" يجني كل زعيم أرباح منطقته طبعاً وتبقى الشركة نفسها بفعل الفساد الذي يحكم لبنان كما يقول خبراء .

 

ومع بداية عام 2015 طرحت حكومة تمام سلام نظاماً جديداً لإدارة هذا الملف، عبر الإعلان عن دفتر الشروط عدّه المراقبون بمثابة اللغم الذي من خلاله يمكن للزعماء السياسيين الاستمرار في القبض على غنائم ملف النفايات، عبر الطلب من الشركة المشغلة "سوكلين" إيجاد مطمر جديد بديل عن "الناعمة"، وهو مطلب أشبه إلى المعجزة في ظل السيطرة الكبيرة لزعماء الطوائف على المناطق، فإن رضي الدروز بمطمر آخر غير الناعمة اعترض السنّة على عدم وجود مطمر شيعي والأمر ينطبق على المسحيين، وكأن الخلاف بين الطوائف وليس في إدارات الدولة المترهلة.

 

وفي السابع عشر من تموز 2015 انفجرت أزمة النفايات بعد أن توقفت شركة "سوكلين" المكلَّفة بجمع ومعالجة النفايات، عن جمع نفايات محافظتي بيروت وجبل لبنان بسبب إقفال أهالي منطقة الناعمة للمطمر الذي أنشأ فيها، والذي اتخذته "سوكلين" للتخلص من نفايات بيروت وجبل لبنان، ولم يعد يستوعب المزيد من النفايات، ليبدأ البازار بين السياسيين في محاولة تمرير صفقاتهم عبر مندوبيهم في مجلس الوزراء، فعقد المجلس 11 جلسة لحل الأزمة المستجدة تخللها الإعلان توقيع عقود بعد إجراء مناقصات وتلزيم ترحيل النفايات من الشوارع للشركات الستة في عودة إلى الحل عقب اغتيال الحريري ولكن بطريقة أخرى، ولكن بسبب الضغط الشعبي و "حملة طلعت ريحتكم" والتي اجتاحت الشوارع، إضافة إلى تفشي رائحة الفساد منها بقوة، اضطر المجلس إلى إلغائها وإعفاء وزير البيئة وتكليف وزير الزراعة أكرم الشهيب بالموضوع، كونه كان وزير بيئة سابق وكان له تجارب سابقة في معالجة الأزمة سابقاً.

بدأ البحث عن حلول أكثر فاعلية وكان أبرزها خيار تصدير النفايات الذي فشل هو أيضاً بعدما تم الكشف أيضاً عن فضيحة أخرى بخصوص شركة "شينوك"، وعدم قبول الجانب الروسي الذي ستنقل النفايات إلى أراضيه لتعود المشكلة إلى دائرتها الأولى.  

 

وفي جلسة 12 آذار 2016،  أعادت اللجنة الوزارية فتح مطامر الناعمة وبرج حمود والكوستابرافا، بإدارة شركة "سوكلين" نفسها، على أن تدفع الحكومة للبلديات المتضررة، أي برج حمود، الجديدة ـ البوشرية ـ السد، الشويفات، برج البراجنة والمنطقة الخدماتية الثانية (الشوف وعاليه)، 8 ملايين دولار عن كل سنة، أي ما مجموعه 160 مليون دولار، يضاف إليها 6 دولارات عن كل طن ينقل إلى مطمر الناعمة الذي تقرر فتحه لمدة شهرين، وهذا الحل جاء أيضاً بمعارضة الوزير طلال أرسلان.

 

ويبدو اليوم أن مشكلة النفايات غير قابل للحل في المدى المنظور،  في بلد تعّود على أن كل حل يجب أن يخضع لبازار المحاصصة الطائفية المقيتة، ورهن التدخلات الخارجية، التي جعلت من لبنان دولة فاشلة بكل المقاييس الدولية.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة