معهد ليفانت للدراسات

النزاع في عامه الخامس ..هل مازال المشهد السوري معقّداً ؟

النزاع في عامه الخامس ..هل مازال المشهد السوري معقّداً ؟
أبريل 04
00:11 2016

يوماً بعد آخر يزداد الواقع المعيشي والاقتصادي للسوريين أينما كانوا سوءاً , فمع دخول الأزمات المتراكبة سنتها الخامسة يعيش السوريون تحت وطأة الحرب العسكرية في بعض المدن والقرى وحروباً أخرى لدفع حياتهم للاستمرار والبقاء والحصول على لقمة العيش , خاصّةً مع تراجع سعر الصرف لليرة السورية بمعدّل عشر أضعاف عمّا كان عليه قبل 2011 , ويعتقد أن هذا الانهيار مرشح للتهاوي بشكل أكبر خلال الأشهر القادمة مع غياب أي خطط حكوميّة فاعلة من شانها ايقاف ذلك أو تخفيفه واستمرار العقوبات الاميركيّة والاوروبيّة والعربية والتي وان تبدو سياسيّاً تستهدف الحكومة وبنية النظام لكنّها في الحقيقة أثرت وتؤثر بشكل مباشر على السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم واتجاهاتهم وتموضعهم السياسي .
 

في رالي المباحثات المستمر منذ سنتين في جنيف وغيرها يلمس السوريون ربما للمرّة الأولى بوادر فعل دولي حقيقي للتأثير على الأطراف المتحاربة في سورية , فالهدنة المفتوحة وان كانت تخترق يوميّاً لكنّها حتّى الآن أثبتت فعاليّة وربما بداية توافق من شأنه التطوّر لحل سياسي حقيقي في ظل أجواء من التفاؤل تسود التصريحات الصادرة حول جنيف 3.

 

تقول التسريبات الاعلامية أنّ الجميع باتوا تواقين للحل , والمقصود هنا الفاعلين الدوليين الذين يبحثون اليوم عن ترتيبات تضمن ربحاً متساوياً لكل القوى التي تدخّلت منذ الأيام الأولى للنزاع والتي لم تستطع احداها حتّى اليوم بعد سنوات خمس أن تربح جولات متتالية , وان كان المشهد الدولي يشير لتقدّم الرؤية الروسية مع انحسار الرؤى الأوروبية والأميركية وتقلّص فعاليتها على الأرض بعد ظهور الاسلاميين كفاعل أكبر في المعارضة وما يجري في أوروبا والعالم من تفجيرات وأحداث ارهابية تتبناها التنظيمات المتشددة الوليدة عن فكر القاعدة ونهجها .

يقول خبراء ومتابعون أن أدوار الفاعليين الداخليين محدودة ومصادرة اليوم ,والدعم الخارجي لقوى النزاع جعل من مختلف الأطراف تابع متأثر بتوجهات الممولين والحلفاء أو الداعميين ولم تعد الأطراف صاحبة قرار حتّى في أسباب توضّعها الأساسيّة في خارطة النزاع , والأمر يتعلق بكلّ الأطراف من موالاة ومعارضة , فالمعارضة التي خرجت في بداية 2011 طلباً للحريات واسقاط النظام تمارس اليوم وعلى مختلف المستويات نماذج ديكتاتوريّة أسوأ من تلك التي خرجت في مواجهتها , وفي المقلب الآخر أصبحت الحكومة السورية منفذاً أميناً لتوجيهات الداعمين الروس والايرانيين والحديث عن السيادة صار فعلاً ماضياً بالحقيقة, ولو أن الحكومة تحاول تبيان العكس .

 

على الجغرافية السورية تتوزع القوى المختلفة مناطق السيطرة , يسيطر تنظيم داعش على مناطق واسعة يدير فيها أنظمة حكم محليّة متشددة ومتطرّفة ويمارس تضييق فكري وثقافي واعلامي واقتصادي على سكان تلك المناطق , كما يحاول الاستفادة من سيطرته على حقول نفطية , ببيع النفط والآثار لتمويل مقاتليه من كل الجنسيّات والذين يديرون المناطق التي تخضع للتنظيم في العراق وسورية في تغليب واضح للمقاتلين الخارجيين على منتمي التنظيم من السوريين والعراقيين .

 

يحاول الأكراد الانفراد بمناطقهم ببناء نظام حكم محلي مطبّق بشكل واقعي منذ عدّة سنوات وتم اعلانه مؤخراً عبر الاعلان عن فيدرالية في الشمال بعد أن استتبت للكرد مناطق سيطرة ممتدّة , وذلك رغم الدعم الحكومي للاكراد منذ بدايات تصدّيهم للتنظيمات المتطرّفة ونجاحهم في الحفاظ على مناطقهم بعيداً عن سيطرة تلك التنظيمات .

 

وفي المناطق المحسوبة على المعارضىة والخارجة عن سيطرة الحكومة تسود نماذج مختلفة ومتباينة للادارة , تبعاً للتمويل المقدم للفصائل المسلّحة والأوصياء عليها وتقترب معظم هذه النماذج من أنظمة حكم اسلامية تعتمد الهيئة الشرعية وغيرها من المظاهر التي تؤشر لأسلمة هذه المناطق وبُعدها عن شعارات المدنيّة والعلمانية التي بدأها ناشطون للمرّة الأولى في تظاهرات صغيرة بدمشق في آذار 2011 وقد أصبح معظم هؤلاء الناشطين اليوم لاجئين في أوروبا يتحدثون عن "سرقة الثورة" و"أسلمة الحراك" ودفعه في "اتجاهات أخرى " .
 

تعمل الحكومة السورية في كلّ الاتجاهات , يفاوض دبلوماسييها في جنيف , يحارب جيشها وحلفائه المجموعات المصنّفة ارهابياً في مختلف المناطق ويستعيد أراض واسعة , تقوم الأجهزة التنفيذيّة بالمضي في اجراء انتخابات البرلمان السوري (مجلس الشعب) رغم خروج مساحات واسعة عن السيطرة الحكوميّة , تعمل الماكينات الحكوميّة والحزبية على  الدعوة للانتخابات بل تعدّ ذلك تحدّياً يجب مواجهته لاثبات السيادة , واليوم تملأ اللافتات والصور للمرشحين مختلف المناطق تحت سيطرة الحكومة .
 

اذاً تعمل الحكومة في المسارات الثلاثة بشكل متوازي , لاتعوّل على ما يجري في أيّ مكان طالما الجيش السوري بدعم روسي وايراني يتقدم ويستعيد مناطق كانت خرجت عن سيطرته سابقاً وطالما المحادثات في جنيف لاتكلّفها تنازلات حتّى الآن وطالما المناطق تحت سيطرتها مضبوطة بماكينات حزبية وحكوميّة مازالت قويّة .

وفي ظل هذه المعطيات يبقى الأمر الكارثي هو الأعداد الكبيرة للضحايا من مختلف الأطراف والمعتقلين والمخطوفين , وحركات النزوج الهائلة التي تحرّكت مغيّرةً الديموغرافيا السورية بشكل كبير , اضافة للأعداد المتزايدة من اللاجئين نحو دول الجوار وأوروبا .

يبدو المشهد السوري اليوم معقّداً ولكنه قابل للحل أكثر من اي وقت مضى كما يقولُ خبراء , ذلك بانتظار توافق الأطراف الدولية المؤثرة على واقع النزاع , ولو بدت المحادثات في جنيف بين السوريين تستهدف الوصول لتوافق سوري – سوري إلا أن الجميع يعلم أن التوافق والحل خرج من أيدي السوريين منذ سنوات وأصبح في أيدي اللاعبين الدوليين .


 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة