معهد ليفانت للدراسات

النزاع في سورية يغيّر في البنية المجتمعيّة

النزاع في سورية يغيّر في البنية المجتمعيّة
فبراير 26
15:44 2016

تمتلئ شبكات الأخبار ووسائل الاعلام بالأحداث التي تجري في مختلف المناطق السورية على مدار اليوم , و النزاع في سورية يشغلُ كماً هائلاً من المواد الاعلامية والاخبارية لم تحظى بها قضية أخرى , ولم يعد النزاعُ أمراً داخليّاً يخص السوريين أو اقليميّاً , بل بات عالمياً قسم دول العالم لعدّة اتجاهات , ولهذا ربما انشغل الجميع بمستوى النزاع دولياً وأغفل كثيرون أصوله الداخليّة أصلاً والتي ترتبط بشكل مباشر بالبنية المجتمعية و العلاقة بين مكونات المجتمع وتوزعها .

قبل الأحداث في سورية كان الجميع يتغنّى "بالوحدة الوطنية " و" اللوحة الفسيفسائية "التي تشكلها سورية والتلاحم الشعبي وإلى ما هنالك من مفردات رنانة لطالما امتلأت بها القنوات السورية ووسائل الاعلام (ما تزال وسائل الاعلام الرسمية تردد ذلك حتى اليوم ) .

كان الرهان الأكبر للجميع – حكومة وموالاة ومكونات معارضة –  أن التنوع والاختلاف العرقي والطائفي والمذهبي في سورية لايشبه سواه في البلدان المجاورة , ولن يكون هناك أبعاد طائفية لأي عمليات تغيير سياسية , ففي سورية مجتمع متماسك وقوي قادر على مواجهة الظروف والمتغيرات , لكن أشهراً قليلة في 2011 كانت كافية ليتبدد هذا الوهم لدى الجميع ولتبدأ الأحداث بأخذ مناحي مذهبية وطائفية وعرقية ربما .

عملَ البعث منذ توليه السطة عام 1963 على محاولة علمنة الدولة والمجتمع , لكنه قفز قفزات غير منطقية تجاه ذلك ولم يحقق حتى فهماً مشتركاً للعلمانية في المجتمع السوري , وهو المجتمع معقّد الانتماءات والولاءات .

منذ مجيء البعث كل الحكومات والقيادات وعلى مختلف مستوياتها فيها تمثيل نسبي لمختلف الطوائف والأديان والشرائح , وإن كان هذا الأمر يحقق أماناً مجتمعياً كما يرى البعض إلا أنه جاء في أغلب الأحيان تعطيل لعمل مختلف المستويات , فلم تعد الكفاءة هي العامل الأول لاختيار القيادات وتعويمها وانما ما يمثلهُ الشخص وما يتمثلهُ من انتماءات ولو كان الرجل الغير مناسب .

بدّلت سنوات الحرب شكل الديموغرافيا في سورية وتوزع السكان , في الماضي كان لكلٍّ مكانه , فهذه الأحياء للطائفة الفلانية وتلك القرى هي لهؤلاء وهنا مكان مختلط وهناك أغلبية لعرق آخر .

أزاحت الحرب قرى بكاملها للخارج , المسيحيون اليوم في تناقص مستمر مع عروض الهجرة والسفر التي قدمت لهم ومع أعمال الارهاب والقتل التي مورست تجاههم والتخريب والهدم لملكياتهم وكنائسهم في المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة .

انخرطت الطائفة العلوية بشكل أكبر في الصراع الدائر وساعد على ذلك العدد الكبير الذي يُشكله شبابها في تشكيلات الجيش السوري والأجهزة الأمنية , وبالأخص بعد أن هوجمت قرى بكاملها ذات أغلبية علوية وارتكبت مجازر تجاه سكانها , وما يزال حتّى اليوم سكان قرى في ريف اللاذقية مختطفين من فصائل مسلحة  , وسط تعتيم اعلامي رسمي تجنّباً لاثارة صراعات طائفية جديدة بحسب مسؤولي الاعلام الحكومي .

الأكراد منقسمون وفقاً لاحزاب تحدد رؤيتهم  للنزاع في سورية وطبيعة مشاركتهم فيه ونظرتهم للمرحلة المقبلة , بعد عقود من المطالبات حقق الأكراد عدّة مكاسب تتعلق بالجنسية واللغة في مدارسهم , وصار من المعتاد الحديث بالكردية بين الأكراد في وسائل النقل مثلاً بعد أن كان أمراً شبه محظور .

يسيطر الأكراد اليوم على مساحات كبيرة من الأرض شمالاً ومايزال ولائهم نحو أطراف النزاع موضع جدال وشك , في وقت تتعالى فيه أصوات كردية لاقامة كردستان في سورية وأصوات أخرى تدعو لسيناريوها حول حكم ذاتي وغيره , تصرّ الحكومة على تجاهل كل ذلك والحديث عن القوات الكردية كقوات دفاع شعبي تدعهما الحكومة رغم الدعم الخارجي المعلن لها .

 

الحرب لم تغيّر واقع المجتمع السوري باتجاه بناء مجتمع مواطنة مبني على الحقوق والواجبات كما حلُم كثيرون , بل كرّست هذا الانقسام وعززته في بعض المواضع وبدأ الاستقطاب الطائفي والديني والعرقي يأخذ أبعاداً عنيفة .

بعضُ عوارض الأزمة السورية جعلت المكونات تتداخل مع بعضها من خلال النزوح أو الاستثمارات اوغيرها وكمثال بارز في هذا السياق هو نزوح الأهالي من حلب نحو مدن الساحل .

لم يعد شكل المدن الساحلية اليوم كما كان في الماضي , الحلبيون يملؤون هذه المدن وهذه المرة ليس للاصطياف ولكن نزوحاً وبحثاً عن فرص للحياة وللتجارة , سرعان ما اندمج هؤلاء في مجتمع الأعمال فافتتحوا كثيراً من المشاريع الصغيرة وربما بعض رجال الأعمال مشاريع متوسطة بعد أن كان الاستثمار في الساحل السوري سابقاً هو استثمار سياحي موسمي بسيط فقط .

ورغم الواقع الذي يشير للتعامل الحذر في الساحل مع النازحين والمقيمين من المحافظات الأخرى إلا أن خبراء يتحدثون عن هذا الاختلاط كفرصة لدمج المجتمعات الصغيرة في سورية والتي تتباين طائفياً وربما اقتصادياً .

ويراهن هؤلاء على أن المصالح المتبادلة والمشاريع الاقتصادية ستعجّل بالدمج بين مختلف المكونات وخصوصاً في الساحل رغم بعض حوادث الاستقطابات التي تحدث اليوم هناك , فيما يرى آخرون أن ما حصل خلال سنوات النزاع الخمس سيترك تأثيرات كبيرة في منحى الدمج المجتمعي مستقبلاً والتفاؤل غير مجدٍ نظراً لتعقّد شكل النزاع وأطرافه .

مسألة وقت نحو تحقيق مزيد من الاندماج أو أنه سيكون وقت طويل , كلّ ذلك محكومٌ بتطوّر الأحداث في سورية عموماً والتي ومنذ الأشهر الأولى لم تعد تدار من الداخل السوري بل باتت الأطراف الخارجية هي اللاعب الأبرز فيها بالتزامن مع هجرة ولجوء أعداد هائلة خارج سورية بحثاً عن حياة أفضل وهرباً من واقع الحرب المتردي يوماً بعد آخر .
 

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة