معهد ليفانت للدراسات

النزاع المستمر .. يبدّل أولويات السوريين

النزاع المستمر .. يبدّل أولويات السوريين
فبراير 01
22:02 2016

أولويّات أيّ شعبٍ هي انعكاسات لاحتياجاته الاسياسيّة وتطلّعاته وارتباطاته ومصالحه وما يحمله من قيم وقضايا,  وفيما يخصّ أولوياتِ السوريين فيمكنُ النظر لتبدّلها اليوم وفقاً لما تفرزه الأرض من واقع متغيّر وذلك على مدار سنوات النزاع الخمس والتي غيّرت الكثير الكثير في حياة السوريين ومستقبلهم , قبل العام 2011 كان معظم السوريين يعتبر قضيّته الأولى والمركزية هي قضيّة فلسطين وكان دعم المقاومة الفلسطينيّة بأشكالها شاغلُ السوريين على اختلاف انتماءاتهم وهو ما أراده وعمل عليه البعثُ منذ مجيئه لحكم سورية في 1963 .

الاوضاع والسياسة الداخليّة كانت في صف الأولويات الثاني لدى السوريين , كانت غالبيتهم راضية عن السياسة الخارجية للدولة وتبرر للحكومات المتعاقبة هشاشة الوضع الداخلي اقتصاديّاً واجتماعيّاً بحجة أن العقوبات الاقتصادية هي التي تستهدفهم وتفتتُ اقتصادهم ولم يكن هناك موالاةً ومعارضة , كانت أغلبيةٌ داعمة للحكومة ومعارضات سياسيّة لها امتدادات خجولة في المجتمع السوري .

حملَ السوريون أوزار وقوفهم ضدّ حرب العراق , فبدأت العقوبات الاقتصادية والحصار الدولي لتحجيم سورية التي بدأت بأخذ أدوار لاتتوافق والنظام العالمي الجديد !
استقبل السوريون اللاجئين العراقيين , ذهبت أعداد من مختلف المناطق لتكون في صفوف المعارضين المسلّحين للوجود الأميركي , تحوّلوا لمجندين في خلايا القاعدة , لاحقاً سيعود هؤلاء ليشكلوا نواة التنظيمات الجهادية التي تسيطر على مساحات واسعة من سورية اليوم .

لبنان قضيةٌ أخرى , يعتبرُ السوريون بمسؤولية تجاه البلد الجار بل ويعدّونه محافظتهم الخامسة عشر , هذا لايعجبُ اللبنانيين بالطبع الذين يرى قسمٌ كبير منهم أنهم كانوا ومازالوا تحت الوصاية السورية حتّى اليوم ,وتختلفُ الرؤية تبعاً لانتماءاتهم السياسية والطائفيّة وارثهم العنيف مع قوات الجيش السوري , وقد سعت سورية لتقوية حزبُ الله ودعمه في كل الاتجاهات ليكون فصيلاً عسكرياً وطرفاً سياسيّاً وفاعلاً اجتماعيّاً في الشأن اللبناني وهذا ما جعل الحزب اليوم متورّطاً بقوّة في النزاع الدائر لصالح الحكومة بل وطرفاً في أي تقدم يحققه الجيش السوري ربما .

كلُّ القضايا العربية كانت موضع اهتمام السوريين , والشانُ الداخلي السوري كان آخرُ ما يشغلهم ربّما , لتأتي التغييرات في العام 2011 وتغيّر خارطة أولوياتهم جذريّاً , وليست التصنيفاتُ التي ستردُ تصنيفاتٌ ثابتة وانما أولويات متداخلة ومستمرّة لايمكُن قياسها لتشتت السوريين على امتداد العالم اليوم .

في السنة الأولى للنزاع حاول كلّ طرف ملىء ساحاته , انطلقت الاحتجاجات والمظاهرات وعمّت أريافاً ومدناً كثيرة على امتداد الدولة بالمقابل سيّر موالوا الحكومة ومؤسساتها أيضاً مسيرات وتجمّعات لدعمها في كلّ المدن وأطلقوا عليها " مسيرات مليونيّة " تأكيداً لشرعية ربما بدأت بالاهتزاز .

حراك مدني سلمي مترافق مع حوادث أمنية حاول من خلالها النشطاء المعارضين احداث اختلالات والتأثير على مناطق بعينها لتحفيز انتماءاتها وربما احياء ارث معارض اختبرته في عقود سابقة , دخلت المدن والبلدات في كابوس الترقب , اغتيالاتٌ في الخفاء واعتقالاتٌ بالجملة وتظاهرات أخذت بالتكاثر والانتشار جمعةً بعد أخرى .

في السنة الثانية شغلت أزمةُ النزوح السوريين , أعداد هائلة نزحت لمراكز المدن والضواحي من الارياف والبلدات التي بدأت تشهد اشتباكات وحوادث أمنية وتشكيل مجموعات عسكريّة متمرّدة .

لجوء نحو دول الجوار ونزوحٌ إلى الداخل ولّد حاجات متزايدة للمعونات والاغاثة , كانت المنظمات الدولية ومنظمات الامم المتحدة في حالة غياب فعلي عن ذلك فانطلقت المشاريع والمبادرات المجتمعية لايواء النازحين ودعمهم , وكان التحدي كبيراً نتيجة للأعداد الهائة التي نزحت , كلّ هذا تمّ مجتمعيّاً قبل أن تأتي المنظمات الدولية لاحقاً وتدير عمليات الاغاثة داخليّاً بمساعدة الحكومة وتحت اشرافها .

في السنة التالية كانت الخارطة السورية كما عرفها الجميع سابقاً بدأت بالتآكل , فظهرت الفصائل الاسلامية والمجموعات المتطرّفة لتسيطر على مساحات واسعة من الارض السورية , وخرجت دائرة الاهتمام عن مناطق للمعارضة ومناطق للحكومة , فأصبح المشهدُ مناطق الاسلاميين ومناطق الحكومة , حيث استغلّت المجموعات المتطرّفة الاسلامية هشاشة التنظيمات المعارضة وسيطرت على الاراضي التي سبق وأخرجتها الأخيرة من سيطرة الحكومة .

في السنة اللاحقة لم تكن الخيارات واسعة , كانت محدودة جدّاً أمام الانهيار الاقتصادي الذي جعل السوريون يصطفّون شهريّاً أمام مكاتب تحويل الاموال في المحافظات منتظرين تحويلات ومعونات أقاربهم من خارج سورية , الليرة السورية تتهاوى باستمرار , لاخطط حكوميّة حقيقيّة لمواجهة التحديات , حتى الخدمات الأساسيّة لم تعد متوفرة كالسابق فانتشر خيارُ اللجوء والهجرة أمام عائلاتٍ لم تفكر يوماً بمغادرة حيّها .

في السنة الخامسة ازداد شرخُ السوريين كثيراً , اعدادٌ هائلة أصبحت في الخارج , أعدادٌ أكبرُ تبحث عن طرق الرحيل , مساحات ممتدّة تحت سيطرة الاسلاميين , قوات الحكومة وحلفاؤها في مدٍّ وجزر , الاقتصاد متجه نحو هاوية للذوبان , المستويات العلميّة والاكاديميّة في أسوأ أحوالها منذ عقود , البطالة والفقر والفساد , يوميّاً ضحايا للحرب في المعارك والتفجيرات والقذائف والقصف , صارَ همّ السوريين النجاة بانفسهم فقط .

فلسطين والقضايا العربية الأخرى أصبحت متأخرة عن أولويات السوريين , لم يعد يعنيهم شيء كما يعنيهم سعر صرف الليرة لارتباط ذلك بلقمة عيشهم , تبخّرت تطلّعاتهم نحو الحفاظ على السيادة , فالحكومة جاءت بالروس والايرانيين والمعارضة تذهب مع من يدعمها أكثر دون أي اعتبارات أخرى .

لقد بدّلت الحربُ الكثير , كلّ يومٍ أولويات السوريين تتغيّر , في الداخل مختلفة عن الخارج مختلفة عن النازحين وعن اللاجئين , أولوياتُ السوريين تحكمها انتماءاتهم واحتياجاتهم اليوم بعد عقود من الاولويات الواحدة , لن يعود السوريون كما كانوا – يقولُ خبراء –  فالواقع يفرض الدخول في سلّم جديد للاولويات كلّ يوم .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة