معهد ليفانت للدراسات

النخب الثقافية والأزمة السورية

نوفمبر 12
10:30 2014

كافة الصور التي حملها ما أطلق عليه "الربيع العربي" حملت معها تفاصيل الأزمة، لكنها أزمة مركبة يصعب تفسيرها وفق شكل تقليدي، فقد حملت تحولات كثيرة، وفي المقابل لم تنتج أي تبدل على مستوى البنية السياسية أو الاجتماعية، وربما على العكس من ذلك فإنها قدمت نموذجاً ارتدادياً؛ تمثل في التطرف والإرهاب وانهيار مفهوم الدولة المعاصرة، فظاهرة "الربيع العربي" تغذت إعلامياً وعبّرت عن فراغ حقيقي لما كان يعرف في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بـ"النخب"، فلم تتدخل تلك "النخب" بمسار الحدث في البداية، وتركت الأمر للبريق الإعلامي الذي أذهل الجميع بقدرته على التأثير، وكان فعل "شاهد العيان أقوى من أي تأثير، بينما شكلت العناصر المصورة على شبكة التواصل الاجتماعية دلائل وحجج مقبولة، رغم أنها في النهاية مجرد صور يمكن أن تخضع للتحوير والتزوير .

أزمة مثقف

اللافت من البداية هو الحيرة الثقافية، فالموقف انقلب بشكل مفاجئ، وبعض الوجوه الفكرية التي تملك "موثوقية" انحازت بشكل مفاجئ باتجاه "الربيع العربي"، وكانت تملك الفرصة للظهور الدائم على وسائل الإعلام، بينما انشغلت شبكات التواصل الاجتماعي بعمليات فرز قسري لقوائم المثقفين بين مؤيد ومعارض، ووسط هذه الآلية التعسفية يمكننا ملاحظة ثلاث أمور أساسية:

  • كان موقف المثقفين المعروفين، إعلامياً على الأقل، سريعاً ومتطرفاً وعلى الأخص من الأزمة السورية، فمن علي فرزات مرورا بـ"سلامه كيله" وصولا إلى مفكرين مثل صادق جلال العظم، فإن الانحياز لم يقتصر فقط على المواقف المعلنة بل تم الانخراط بآلية غامضة لتفعيل الحدث، والقيام بتصعيد واضح استمر حتى مع حالات العنف التي ميزت مراحل "الربيع العربي" في سورية على وجه الخصوص.
  • لم يكن واضحاً ما هو التوجه الثقافي الذي يمكن أن يقدم حاملاً لما تم تسميته بـ"الثورة"، فالتناقضات كانت صارخة لأن الموقف العقلي الذي يمكن أن يقدمه عزمي بشارة على سبيل المثال، كان يُدعم بموقف شرعي من قبل يوسف القرضاوي، وبمجموعة من الفتاوى توضح غموض الهوية التي قامت عليه ظاهرة "الربيع العربي" بالنسبة للمثقف.
  • رغم أن تفسير التناقض السابق اعتمد في بعض القراءات بأنه صورة لـ"الثورة الشعبية"، فاختلطت المكونات السياسية والثقافية في هذه الظاهرة، لكن هذا التفسير لم يؤدي إلا لمزيد من التشويش، على الأخص عند ظهور ادعاءات شعبية الحراك ؛ الذي يستند إلى آليات مختلفة عما كان سابقاً، وسُمي عناصره بـ"ثوار الكيبورد"، فتفاعل الاضطراب على مستوى الاعلام أوضح أن الأمر أكثر تعقيداً من قدرات مجموعات شبابية على خلق شبكة للقيام بـ"ثورة".

عملياً فإن أي مثقف كان في موقع لا يحسد عليه، فهو وضع أمام خيار تعسفي مابين "الاستبداد" و "الديمقراطية"، ورغم أن الأمر كان اعقد من هذه الثنائية، لكن المناخ العام فرض هذا الفرز لتكتمل صورة الأزمة بدلاً من "الربيع".

المثقف والمواقف المتباينة

الملاحظة الأساسية التي يمكن طرحها منذ بداية الأزمة السورية هي "طبيعة الرواية"، فالمنقولات والصور كانت أقوى من الحدث نفسه، ففي الوقت الذي كان فيه الجميع يتحسب من "التظاهرات"، كانت الروايات على الشاشات تضع حدثاً متسارعاً مليئاً بالعنف والدماء ، واستندت عملية استقطاب المثقف إلى أمرين: الأول عدم محلية الأزمة السورية، فالحديث عنها كان دولياً بفعل الإعلام، وهو ما دفع الكثيرين إلى القلق من تداعياتها على مواقفهم، فكان الانزياح الأكبر باتجاه "ظاهرة الربيع العربي"، كونها انسجمت مع المناخ الإقليمي والدولي، وغذّا هذا المناخ كبار الكتاب في الصحف العربية .

الأمر الثاني هو طبيعة الإنتاج الثقافي في بلاد الشام عموماً، وسورية على وجه التحديد، فهو خضع منذ ثلاثة عقود تقريباً لآليات خارجية سواء في التمويل أو حتى مناطق الانتشار، فالصحف بأغلبها خارج سورية، والإنتاج الدرامي مموّل خليجياً، وفي النهاية فإن المثقف يخضع بالإجمال لهذه الآلية التي اتخذت موقفاً واضحاً باتجاه "الربيع العربي".

والملاحظ أن الدائرة الأساسية للمثقفين استندت إلى القدرة على الفصل ما بين "الربيع العربي" كظاهرة إعلامية، والواقع السياسي الذي يحتاج إلى تغيير، وهذا الأمر هو ما دفع المفكر والشاعر أدونيس على تحليل ما يحدث في بداية الأزمة السورية دون مواقف حادة، ثم وصل لاعتبار من قام بـ"الثورة" ينتمون إلى القاعدة والفكر السلفي المتطرف، مما يستدعي مناهضتهم والسعي لكسر شوكتهم، ومع عدم إعلانه تأيداً مطلقا للسلطة السياسية السورية, لكنه اعتبر أن "خطر الجماعات المتشددة يفوق خطر النظام القائم". في المقابل فإن كاتباً وباحثاً آخر مثل فراس السواح كان يرى أن تحرك الشباب السوري أمرٌ جيد ، لكنه حذر منذ البداية من تحول الصراع إلى حرب بين الطوائف الدينية, وهو ما يعتبره حدث فعلاً في تفسيره للمشهد الحالي في سورية.

كان اللافت أيضاً مواقف المثقفين اليساريين، مثل الموسيقي سميح شقير المقيم في فرنسا، حيث ساهم بأغانٍ مؤيدة لـ"الثورة" ومحفزة لجموع الشعب لمقاومة البطش، وهو لا يُخفي إحباطه وخيبة أمله في المعارضة السورية, ويعتبر أن التدخل الإقليمي والدولي أثر على "الثورة, إضافة للمجموعات الأجنبية التي أرادت إقامة دولة خلافة لا تحصرها الجغرافية السورية أساسًا، ويتناقض هذا الموقف مع ما يقوله فنان يساري آخر هو "علي فرزات" الذي يعتبر أن الصراعات المسلحة ما هي إلا ضريبة الحرية، وهي نتيجة للاستبداد الذي مارسه النظام لسنوات طويلة، ويشبّه المشهد بصنبور مياه كان مغلقًا لسنوات وسنوات أدت إلى تراكم الصدأ والأوساخ, وما إن تم فتحه حتى بدأت المياه المتسخة بالانهمار مخلفة الكثير من الفوضى, التي ستأخذ وقتًا ثم تبدأ المياه بالنزول صافية وعذبة، ويقول: “هذه الأمور لا تُقدر نتائجها اليوم أو غدًا وإنما تحكم عليها أجيال المستقبل. أحفادنا هم من سيقطف ثمار هذه الثورة”. أما الطبيبة الروائية هيفاء البيطار فهي فضلت رصد الحالة الإنسانية دون اتخاذ موقف يجرّم أحد، وترى أن حالة التغيير إيجابية إذا كانت تسعى للحرية والكرامة والعدالة.

الصورة الأخرى يقدمها الكاتب صادق جلال العظم، فيرى أن ما يجري في سوريا انتفاضة شعبية طويلة الأمد لا تنفصل عما حدث مع شعوب أخرى على مر التاريخ، ويرى أن اندلاع الحدث السوري هو الذي استجلب الصراعات الدولية والإقليمية القائمة وليس العكس.

يبدو صعباً رصد المواقف بأكملها، إلا أنها تضيف أزمة أخرى إلى المسألة السورية، فالمواقف السياسية للمثقفين لم تقدم حالة إبداعية إضافية على مستوى التفكير السياسي، فمعظمها انطلقت من رؤية طرفين وانحازت لأحدهما، بينما بقي التفكير بعيداً عن محاولة صياغة رؤية مختلفة، أو رسم مشهد قادم، فالثقافة دخلت في الانقسام الحاصل ويبدو من الصعب أن تخرج منها إذا بقيت دائرة الصراع في سورية على حالها.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة