معهد ليفانت للدراسات

الملكية و السياسة الخارجية الأردنية

الملكية و السياسة الخارجية الأردنية
ديسمبر 17
14:02 2016

لعقود طويلة ظلت السياسة الأردنية، خاصة الخارجية منها، محتكرة بشكل شبه مطلق من قبل ملوك الأردن، منذ عهد عبد الله الأول وحتى عهد عبد الله الثاني، الملك الحالي، وهي ماتزال كذلك، حيث يدير الملك السياسية الخارجية لوحده، دون وجود أي دور للحكومة أو لمجلس النواب في تقرير هذه السياسية، فوزير الخارجية مجرد رسول، ومايظهر عن هذه المؤسسات من تصريحات في هذا الإطار لايتعدى إطار الشكليات.
 

يوجد أربعة أنواع من القرار في الأردن، بحسب السفير السابق فؤاد البطاينة في كتابه "السياسة الخارجية الأردنية وتطورها"، فلا تتخذ هذه القرارات بناءً على معايير الدول الديمقراطية، ولا تخضع للمشاركة الشعبية، ولا تلمس الرأي العام، ولا تصدر بناءً على دراسات وأبحاث متعقلة، بل هي قرارات تتخذ على النحو التالي:


أولاً: قرارات لها صبغة سياسية أو سياسية – اقتصادية أو عسكرية أو أمنية تتعلق في وتؤثر في هدفي السياسة الخارجية سلباً أو إيجاباً، وهذه قرارات يتخذها الملك منفرداً وتبقى سرية جداً، ويأمر الجهة المعنية بتنفيذها دون نقاش.


ثانياً: قرارات تتصل بمتعلقات هدفي السياسة الخارجية، يترتب عليها آثار داخلية غير مواتية أو جدلية، يتخذها الملك منفرداً أيضاً، لكنه قد يشارك نخبة مختارة من أركان الدولة ويشاورهم في أمر اتخاذها لضمان حسن التنفيذ.


ثالثاً: قرارات تتعلق بالقضايا الدولية المعزولة عن هدفي السياسية الخارجية، مثل عقد اتفاقات ثنائية بين الأردن ودول صديقة في مجالات تعاون اقتصادي أو ثقافي، وهذه القرارات متروكة للحكومة، ما لم يكن فيها أي اجتهاد يستدعي مشاورة الملك.


رابعاً: قرارات داخلية غير عسكرية وغير أمنية وليس لها تاثير أو مساس مباشر أو غير مباشر على السياسة الخارجية، وهذه مناطة برئيس الوزراء، ولا يتشاور فيها مع الملك ما لم تؤثر على عموم المواطنين وعلى الاستقرار الداخلي.


هذه الاحتكارية أدت إلى عدم فهم أو جهل منفذيها لها، وجهلهم لما يدور في عقل الملك أو ما يريد الملك، لذلك غالباً ما يقع هؤلاء المنفذون في أخطاء، كما حصل عندما صوّت الأردن إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على عدة قرارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بين عامي 1985 و1989، فبدا الأردن في وضع شاذ، كما لو كان ضد حقوق الفلسطينيين، لكن هذا التصويت، كغيره من مواقف نبع من جهل المنفذين ورغبتهم في إرضاء الملك إلى أقصى حد.


جهل المسؤولين بما يريده الملك ينطبق أيضاً على أمور أساسية عاشتها المملكة أو سياسات داخلية وخارجية أرادها الملك مثل شعار "الأردن أولاً"، الذي عجز حتى رئيس وزراء الأردن حينها عن تفسيره قبل أن يخرج الملك لتوضيح المراد من الشعار.


استطاع العرش الملكي وعبر سلسلة طويلة من الإجراءات تحويل التشكيلات الاجتماعية، والسّلطات الثلاث بما فيها البرلمان، إلى مؤسّسات مُلحقة به، فقد حوّل مجلس النّواب الذي شكّل حكومة حزبيّة عام 1956 إلى مجرّد مكان آخر من الأماكن التي يُخاض فيها الصّراع على الأعطيات والحظوة عام 1993، والأمثلة على هذه الإجراءات كثيرة، منها: إعلان الأحكام العُرفيّة من 1957 حتى 1989، وحلّ البرلمان خلال تلك الفترة، قانون الصّوت الواحد المجزوء لعام 1993 الذي حوّل الوحدات الاجتماعيّة (العائلة، العشيرة، المنطقة) إلى وحدات سياسيّة، همّها انتزاع المنافع والمزايا؛ تخصيص عدد من المقاعد الجامعيّة لكل نائب لكي "يوزّعها" على قاعدته التصويتيّة ويصبح مُعتمِداً على الحكومة في ديمومة هذه المنحة، مما جعل التنافس لا يتمّ من أجل الوصول إلى السلطة وتنفيذ البرامج السياسية والاقتصادية، بل يتم من أجل تأمين حصّة من الأعطيات والامتيازات لصالح المجموعة المُنتَخِبة.


إذاً لم يعد مجلس النواب مكاناً للتشريع والرّقابة على الحكومة، ففي ظل استجداء النوّاب للمنافع والمزايا الحكوميّة، يصبح المشرّع الرقيب رهينة بيد من يُفترض فيه أن يشرّع له ويراقبه، أما مجلس الأعيان، فهي غرفة معيّنة بالكامل، وتضمن لجم أيّ شطط نيابيّ طارئ، من خلال عدم الموافقة على تعديلات غير مرضيّ عنها قد يدخلها النوّاب على التشريعات المعروضة عليهم.


كما أنّ العرش في الأردن مشهود له بإغواء المعارضين وضمّهم إليه، وهو يمتلك خبرة كبيرة في هذا الجانب، ابتداءً من ضم أكثر انقلابيّي الخمسينيات إلى صفوفه، مروراً بتوزير بعض نقباء النقابات المهنية أو ضمّهم إلى مجلس الأعيان.


في المحصلة، لا توجد "مأسسة" لصناعة القرار في الأردن، خاصة فيما يتعلق بالسياسية الخارجية، وعدم وجود هذه المأسسة، يؤدي إلى تهرب المسؤولين من اتخاذ القرارات المناسبة في اللحظة المناسبة، مخافة الوقوع في أي محظور أمني، وعليه فإن الحكومات عادة ما تتهرب من مسؤولياتها العامة.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة