معهد ليفانت للدراسات

المعارضة السورية .. 2015 بداية تفاهمات من نوع آخر

يناير 07
14:15 2015

وسط محاولة خلق تفاهمات ما بين بعض أطراف المعارضة السورية جاءت انتخابات الائتلاف، لتقدم مؤشرات لعدم قدرة معظم الأطراف الإقليمية على إعادة رسم مسار الأزمة السورية، فـ"الائتلاف السوري المعارض" يبقى أفضل معيار لتكافؤ القوى الإقليمية، ويبدو من الصعب اعتباره نقطة تماس فقط بين السلطة والمعارضة، فهو تشكل في الدوحة ليقدم صورة توافق شرق أوسطي؛ وفق سيناريو يرى أن عملية نزع القوة من الدولة السورية يقتضي رسم مسار سياسي تتوازن فيه الأدوار على الأرض السورية، وإذا كان "الائتلاف" هو الأسبق في تمثيل "توازن الأدوار" إلا أنه في نفس الوقت قدم "نموذج" خطاب المعارضة، وشكل أيضاً مقياساً سياسياً للتعامل مع القوى السياسية السورية، مما جعل لقاء موسكو القادم اختباراً  لهذا المقياس، وربما محاولة لتجاوزه إنطلاقاً من إعادة تحديد العمل السياسي، فصراع الاجتماعات اليوم ما بين دبي والقاهرة واستنبول يؤكد أن التصورات المسبقة للمعارضة تبدلت بشكل سريع.

تفاهمات خارج ميزان القوة

تتحدث الوثائق المسربة، قبل اجتماع القاهرة هذا الشهر، عن محاولة إيجاد "برنامج عمل موحد" لأكبر طيف من المعارضة، ورغم عدم الوضوح في طبيعة "مؤتمر القاهرة"، لكن الأطراف التي سربت وثائق التفاهمات وضعت "سقفاً" للعمل السياسي، فـ"الائتلالف" الذي رفض على لسانه رئيسه الجديد خالد الخوجة الذهاب إلى موسكو؛ لن يكون بعيداً عن هذه الحدود المرسومة للعمل السياسي، حتى ولو لم يشارك مباشرة في وثائق التفاهمات، فإنه ردد نفس الكلمات حول عدم الجلوس مع "النظام"، وهي جملة لا تعني عدم التفاوض فالائتلاف جلس سابقاً في اجتماعات جنيف2، لكنها تحمل أمرين:

  • الأول تمسك الائتلاف بشرعيته التي قدمتها له العديد من الدول كممثل للمعارضة، فهو الذي يحدد شروط التفاوض وزمانه، وهذا التفكير ينعكس بشكل سريع على طيف المعارض الذي يجمع نشطاء شطل تجمعات كان آخرها "تجمع سوريا الوطن" لمعاذ الخطيب، فعدم التوافق السياسي بين هذه التكتلات والائتلاف لا يمنعها من مراعاة شروطه لأنه البوابة باتجاه العديد من العواصم.

  وفق تصور "الائتلاف" وتصريحات رئيسه الجديد يمكن استيعاب التفاهمات الجارية، فهي تقدم "تصورات" تحاول عدم التناقض مع طروحات "الائتلاف"، والتنافس الجاري ما يعكس محاولة احتلال موقعه كجهاز سياسي أو اختراقه على أقل تقدير، وليس الخروج من الإشكالية التي يدور فيها هذا الجهاز السياسي منذ بداية الأزمة، فالطيف المعارض إجمالاً يعرف أن سر استمرار "الائتلاف" رغم عجزه عن أداء مهامه هي في شبكة علاقاته العامة إقليمياً ودولياً، وتكوينه الذي يعكس توزع القوة الدولية والإقليمية.

  • الثاني هو التعبير عن "الجغرافية" التي يتواجد عليها الائتلاف، فمادامت تركيا هي الدولة الأكثر استيعاباً لتناقضات المعارضة السورية، فإن موقفها سيشكل الحصة الأكبر من مساحة القوة داخل الائتلاف.

وإذا كان خالد الخوجة هو الاكثر قرباً من حزب العدالة والتنمية، فإنه أصبح أيضا رئيساً يعبر عن الترابط البنيوي بين الائتلاف والسياسة التركية، فالصراعات الإقليمية داخل الأزمة السورية لن تغير من فاعلية أنقرة في هذا الأمر، فحتى الخلافات الأمريكية – التركية بهذا الأمر لن تغير من المساحة التي تحتلها تركيا داخل الأزمة السورية، ويتبع خطاب المعارضة هذا الاتجاه، فهو بمعظمه غير مستعد لتحديد استراتيجية خارج التوازن القائم حالياً؛ ما يجعل الكثير من التفاهمات القائمة قبل لقاء موسكو تدور على صياغة "أجندات" مسكونة بالسيناريو الأولي لسورية الذي يتضمن تحولات حادة داخل السلطة السياسية.

برامج "خطية"

عامل واحد يحكم معظم التفاهمات، فالاستناد إلى هيئة انتقالية أو حكومة بصلاحيات الرئيس؛ تشكل الأرضية التي تستند إليها "أجندات" حل الأزمة، وإذا كان من المفترض البدء بخطوة سياسية معقولة، فإن ما يواجه سورية ليس أزمة سياسية تستدعي حكومة وحدة وطنية، فهي تعاني من أزمة وطنية وحرب على طول حدودها، ما يعني أن الواقع الإقليمي هو العامل الأقوى، فأي حكومة على شاكلة ما "تتخيله" المعارضة سينقل كل التوازنات الإقليمية نحو "حل الأزمة"، ويبدو أن "الخيارات السياسية" المطروحة حالياً تقف عند الحد الديمقراطي، وهو لم يعد شرطاً أولياً لحل الأزمة.

عملياً فإن تعبير "البرامج الخطية" هو لتصوير حلول الاتجاه الواحد، والاعتماد على تصور افتراضي نهائي ومطلق، في وقت من الصعب تصور برنامج "مرحلة انتقالية" لا يعتمد على تحولات في طريقة التفكير الخاصة بالأزمة عموماً، وإذا حاولنا تفصيل الحلول الجديدة – القديمة فإنها تستند إلى:

  • تقليص صلاحيات الرئيس وتوزيعها على "الحكومة"، وبغض النظر عن صوابية هذا الإجراء فهو ضمن خطاب بعض أطياف المعارضة توزيع للسلطة دون وجود ضمانات حقيقية لقدرة السلطات الجديدة للتواجد على الأرض.
  • اعادة صياغة الجيش في ذروة محاربة الارهاب، والمشكلة ليست في هيكلة هذه المؤسسة بل في طريقة التفكير التي تحكم هذا الأمر، فالقيادة الجديدة مقسومة وفق الأجندات بين الجيش النظامي والمنشقين، وبغض النظر عن الفارق العددي بين التشكيلين فإن الجيش الجديد سيصبح تابعاً للتوازن السياسي الداخلي والإقليمي ليعكس بشكل مباشر واقع "الإئتلاف" بالدرجة الأولى و "الحكومة" التي ستقتسم صلاحيات الرئاسة.

ويوضح الأمرين الأساسيين حلولاً لأكثر من بناء دولة توازنات، فهي إجراءات لن تلبي احتياجات محاربة الارهاب وإعادة قوة الدولة، ولا حتى طبيعة التوازن الإقليمي القادم الذي سيحمل صراعاً حاداً بين كتلتين أساسيتين هما تركيا والسعودية.

في صياغة برامج العمل المقدمة اليوم لا يمكننا تلمس خروج حقيقي من الواقع السوري، فالشرط الديمقراطي اليوم لا يمكنه أن يظهر على سياق الأدوار الإقليمية المرتقبة، وتأسيس دولة ديمقراطية ربما غير ممكن إلا في حالة تمسك كافة الأطراف من معارضة أو سلطة بالدور السوري الإقليمي، لأن هذا الدور يبدو في هذه المرحلة "سيادي" بامتياز، وبدونه ستظهر القوى السياسية السورية كممثلة للأدوار الإقليمية فقط.

 

جميع الحقوق محفوظة – مركز ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة