معهد ليفانت للدراسات

المشهد اللبناني: بيروت أزمة هوية أم وظيفة؟

المشهد اللبناني: بيروت أزمة هوية أم وظيفة؟
أبريل 03
22:09 2014

   "إذا كانت المدينة، رؤية هندسيٌة من ناحية، وعمرانا يحقٌق هذه الرؤية من ناحية ثانية، فهل الرؤية الهندسية لمدينة بيروت اليوم، تستجيب حّقٌا لما يمليه أو يفترضه مكانها الطبيعيٌ؟".. بهذه الطريقة دخل الشاعر السوري أدونيس باتجاه بيروت، وأثار جدلا واسعا من خلال هذه الرؤية التي طرحها عن تلك المدينة عام 2003، وفي المقابل فإنه تحدث سابقا وفي مقابلات تلفزيونية عن أن بيروت مدينة غير مكتملة، بينما دمشق مدينة اكتملت، وهذا الكلام الثقافي يعني من ناحية أخرى أن بيروت قابلة للإبداع بينما استقرت دمشق ضمن صورة "نهائية"، وهو أيضا ككل كلام أدونيس يحمل زاوية إضافية همدسية وعمرانية حول "هوية المدينة"، فإل أي حد يمكن فهم بيروت كمدينة في اللحظة الراهنة؟!
بيروت ومسارات العمارة
    أدونيس أيضا قال في نفس المحاضرة " كما تدمٌر الطائفيٌة فضاء الثقافة والإنسان في بيروت، فإنٌ هذه الهندسة تدمٌر فضاء المكان. إنها نوع آخر من 'استهلاك' المكان. وليس المكان خارج الإنسان، وإنما هو داخله، ولهذا فإنٌ كل عّبث بالمكان إنما هو عّبث بالإنسان نفسه"، لكن هذا التصور يشكل بداية في قراءة المدينة كما تبدو عليه بعد عقد كامل من الألفية الجديدة، فحسب تصريح لرئيس بلدية بيروت في 11 آذار 2014 هناك ما يقارب 200 ألف سيارة تدخل بيروت يوميا، وذلك ضمن مساحة تبلغ 18 كم²، فالأزمة هنا ليست مجرد حالة مرتبطة بعجلة الحياة أو تطور المدينة، بل أيضا بالشكل العمراني للمدينة أي برؤيتها كجغرافية وسكان، فهي عام 1830 كانت بلدة لا يزيد عدد سكانها عن الـ30 ألف نسمة، فبيروت في نهاية العهد العثماني كانت مدينة محصنة بسور، وكان يمتد من سوق أبي النصر نزولا إلى المرفأ، ثم يتجه غربا نحو خان "أنطون بك، ثم يسير جنوبا حتى ساحة السور التي سميت لاحقا ساحة رياض الصلح، وأخيرا يتجه شرقا كنيسة مار جرجس فقهوة القزاز، وتحصينات بيروت انتهت مع خروج جيوش ابراهيم باشا منها، فبقيت بيروت تحت الحكم المصري من سنة 1832 حتى 1841. وفي هذه الفترة شهدت بيروت تطورا شمل سائر مرافقها العمرانية والإدارية، ونما عدد سكانها يومئذٍ من 8 آلاف نسمة إلى 15 ألفاً، وذلك بسبب امتداد رقعتها إلى خارج السور الذي أمر إبراهيم باشا بهدمه وسمح للناس ببناء مساكنهم في الضواحي التي أصبحت فيما بعد جزءاً من المدينة نفسها، كما ازدهرت أحوالها التجاريّة بسبب اختيارها مركزاً للحجر الصحي، الأمر الذي أجبر جميع القادمين إلى الشام على الخضوع له للتأكد من سلامتهم الصحيّة وخلوهم من الأمراض المعديّة، وفي عام 1841 تمكنت الدولة العثمانيّة من استعادة سيطرتها على بلاد الشام، فقاموا بنقل كرسي الولاية إليها وعيّنوا عليها والياً من قبلهم اسمه سليم باشا. وفي عهد هذا الوالي بدأت بيروت بالازدهار فازدادت عماراً وسكاناً، وانتقلت إليها تجارة الأجانب. وخلال أحداث 1860 بين الدروز والمسيحيين، لجأ الكثير من الموارنة إلى بيروت هربا من المذابح في جبل لبنان ودمشق.
    

رسم توضيحي 1بيروت عام 1841
   رغم هذا التطور فإن بيروت كغيرها من مدن بلاد الشام خرجت من المرحلة العثمانية منهكة، فطرقات المدينة كانت عبارة عن أزقة ضيقة ملتوية، وأدى تكاثر السكان إلى انتفاء وجود شوارع رئيسية عريضة داخل المدينة، وكان لبيروت عدة مراكز تمثلت في المساجد والكنائس وسراي الحاكم، فتوزعت الطرقات والبيوت حول النقاط المذكورة، وكذلك الأسواق والدكاكين والمحلات، وأدى ضيق مساحة المدينة إلى تخصيص الطبقات الأرضية في الأبنية للدكاكين والمحلات التجارية ومستودعات للغلال، وبنيت فوقها البيوت السكنيّة، ويبدو أن ضيق طرق بيروت القديمة عائد إلى التقاليد الإجتماعية التي سادت في المدينة، فاستقلالية البيت وحرمته كانت أهم من الشوارع التي فبقيت ضيقة، في حين تم التركيز على إتساع المنازل وأرتفاع سقوفها، وذلك على عكس ما المظهر الحالي، فالشوارع عريضة واسعة والبيوت صغيرة ضيقة، وهو يعكس طبيعة حياة الناس التي أصبحت  في الغالب خارج البيت، سواء في أماكن العمل والمقاهي والمطاعم، أما البيوت فغدت للمنامة ليلاً فقط.    
 عمليا فإن المساحة المحدودة لبيروت تظهر اليوم بشكل مختلف، فوفق احصاءات 2007 أصبح تعداد سكانها ما يقارب المليونين، وهذا التطور بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، فأصبحت مركزاً عمرانياً حقيقياً خلال السنوات التي سبقت الحرب الأهلية، ونموها لم يكن فقط وفق عوامل طبيعية تستند لتطور مصالح سكانها أو لاستثمارات ظهرت فيها، فهو أيضا ناتج عن عوامل الهجرة باتجاه المدينة، مما أدى لاحقا لظهور العشوائيات، إضافة للمخيمات التي استوعبت اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948.
بيروت وصور متفرقة
    ظهر في بيروت ومنذ الاستقلال صورتين: فأولا ازدهرت المدينة لأنها عادت كميناء رئيسي لشرقي المتوسط، وذلك بعد أن أصبحت موانئ فلسطين محتلة من قبل "إسرائيل"، لكنها في المقابل غدت مدينة "خدمات" بامتياز، فالسياحة فيها فرضت مقاييس أساسية لعملية النمو العمراني، وكان آخرها إعادة إعمار وسط بيروت، فالصورة الأولى للمدينة هي كمنفذ مائي قديم لشرقي المتوسط، لأن بيروت أيام المماليك كانت الميناء الرئيسي لبلاد الشام، وكانت جميع البضائع الواردة والصادرة تؤخذ ببيروت، وأجتمع فيها تجار دمشق وحلب وحماه وبعلبك، حاملين معهم أنواع السلع المشرقية. وفيها تعددت المراكز التجارية الأوروبية وقنصلياتهم، وكثر مجيء الأجانب إليها بانتظام، لبعدها عن السلطة المركزية في القاهرة. وكانت منازل الأجانب، وبعض قناصل الدول الأجنبيّة، تقع في الجهة الجنوبية من ميناء بيروت، كما تركزت الكثير من الخانات (الفنادق) إزاء المرفأ وبجانبه، وذلك لتسهيل إقامة التجار والوافدين من الخارج. 
   وفي القرن التاسع عشر كانت حركة التجارة في ميناء بيروت نشطة، حيث كان الجبل اللبناني يزوّد تجار بيروت بـ 1800 قنطار من الحرير، ويتم تصديرها عبر مرفأ بيروت بواسطة مراكب أوروبيّة ومحليّة، وفي سنة 1863م تقدمت شركة (مساجيري مار يتيم) بمشروع مرفق بالخرائط لتحسين المرفأ، وقدرت نفقات هذا المشروع بستة ملايين وثلاثمائة وواحد وسبعين ألف وثلاثمائة فرنك، غير أنه لم يوضع موضع التنفيذ إلا عام 1880م بعدما فشلت بلدية بيروت عام 1879م وشركة طريق بيروت ـ دمشق في الحصول على امتياز هذا المشروع، وفي عام 1888م تألفت الشركة العُثمانيّة لمرفأ بيروت وأرصفته ومخازنه، برأسمال قدره خمسة ملايين فرنك، وكانت هذه الشركة فرنسيّة.
   ومرفأ بيروت اليوم هو الأول في لبنان والحوض الشرقي للبحر المتوسط، والمنفذ البحري الأساسي للدول العربية الآسيوية، حيث يتعامل مع 300 مرفأ عالمي، ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بـ 3100 سفينة سنوياً. ومن خلاله تتم معظم عمليات الاستيراد والتصدير اللبنانية وتمثل البضائع التي تدخل إليه 70% من حجم البضائع التي تدخل لبنان. ويحتل المركز الأول في المداخيل المركبة 75% إضافة إلى دوره كمركز أساسي لتجارة إعادة التصدير وتجارة المرور (الترانزيت). وبدأ العمل بمشروع تأهيل وتوسيع المرفأ وإنشاء الحوض الخامس المخصص لاستقبال المستوعبات، الذي تصل حدوده حتى مصب نهر الكلب.
 
   الصورة الثانية ربما تكون حالة طبيعية لموقع مرفأ بيروت، فحركة التجارة تنشط الخدمات الأخرى وعلى الأخص السياحة التي أصبحت هوية لبيروت منذ نهاية العهد العثماني، فوجود القناصل في البداية ثم اعتماد بيروت كميناء أساسي للتجارة مع عمق الشرق الأوسط، إضافة للطبيعة الخاصة بلبنان حول المدينة سريعا نحو الخدمات السياحية، وتاريخ السياحة قديم جدًا في لبنان، حيث زارها الكثير من المستشرقين والعلماء والشعراء الأوروبيين لاهتمامهم بالثقافة والعادات اللبنانية الشرقية، ومن أبرزهم: ألفونس دي لامارتين وإرنست رينان وفيكتور غورين، وهؤلاء أتى معظمهم في القرن التاسع عشر ليتعرف عن كثب على المعالم التاريخية ومواقع الآثار والملابس التقليدية والاحتفالات الدينية، لكن صورة السياحة اختلفت جذريا منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، وتطورت بشكل سريع، بينما أخذت المدينة شكلا يلبي هذه الوظيفة، وعلى الأخص عندما تم التعامل مع إعمار وسط بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية.
   وربما ضاعت هوية المدينة وسط زحمة هذه المصالح المعلقة ما بين التجارة والسياحة، ولكن الموضوع يتعلق بحياة مستمرة للمدينة، حيث يرى بعض الباحثين أن تطور بيروت لا يراعي أنماط العيش والعلاقات وانتقاء مطارح الإقامة وأثرها في الهويات الفردية والجماعية، والصلة العضوية بالمكان وفضاءاته وسبل التنقل وصون الخصوصية وجودة الحياة المدينية وتسهيلاتها وبناها التحتية وساحاتها العامة، ووفق المعلومات التي تنشرها الصحف اللبنانية هناك عشرات البيوت التراثية في بيروت تم هدمها رغم علاقتها بالإرث الثقافي للمجتمع مثل هدم منزل الأديب اللبناني وعضو الأكاديمية الفرنسية أمين معلوف الذي يقع في في منطقة المزرعة العقارية، ويعود لمنتصف الثلاثينيات من القرن الماضي.
   وبالنسبة لسكان بيروت قإن بعض الدراسات تشير بأن كل فرد يتمتّع  0.8 متر مربع من المساحات الخضراء أي بمعدل أدنى بخمسين مرة مما توصي به منظمة الصحة العالمية (40 مترًا مربعًا للفرد الواحد). وتمتدّ بيروت على مساحة عشرين كيلو متر لكنها لا تضمّ سوى ثماني حدائق عامّة لا تتجاور مساحتها الـ390 ألف متر مربع. وأكبر حديقتين، جنينة الصنائع (22 ألف متر مربّع) وجنينة السيوفي (20 ألف متر مربّع) تفتقران إلى الصيانة والاهتمام. أمّا حرج بيروت (300 ألف متر مربّع) الذي قضت عليه النيران خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 فمغلق أمام الجمهور منذ سنة 1990.
   وكانت بلدية بيروت وقعت في 18 كانون الثاني 2010 ، مع الوكالة الفرنسية للتنمية اتفاقية تمويل بقيمة 350 ألف يورو في مجال التنظيم المدني، ومن أهم أهداف الاتفاقية زيادة المساحات الخضراء واستحداث منطقة للمشاة وميدان للدراجات، لكن هذا المشروع مازال عالقا، بينما لم يتوقف الاهتمام في تطوير وسط المدينة التجاري، مما يوحي أن بيروت بذاتها تعاني من منهج تفكير يهتم بطابع الاستثمارين السياحي والتجاري، وهو ما تؤكده بعض الاحصائيات، ففي مرحلة الركود الاقتصادي الحاد في العام 2008، شهد لبنان نمواً وطفرة بناء هائلة، وفي العام 2009، حطم القطاع السياحي أيضاً كل الأرقام القياسية والمعدلات للنمو السنوي في القطاع العقاري، التي تجاوزت 30 في المئة، وعلى رغم أن هناك مخططاً لمنطقة بيروت الكبرى، فإن ضواحي بيروت تزدحم بورش البناء. فالمخطط التوجيهي لم يلحظ المعطيات التي تتوافر لبيئة صالحة للعيش، ولا ممرات للمشاة وللدراجات الهوائية، ولا معايير للفسحات العامة ولا لنقاوة الهواء ولا للحد من الضجيج. 
   من الناحية البيئية أظهرت أظهرت دراسة أجريت في الجامعة الأميركية في بيروت وأعلنت نتائجها في أيار 2012 أن تلوث الهواء الناجم عن الازدحام المروري يعرض السائقين والركاب على أوتوستراد بيروت ـ جونية، مثلاً، لضعفي الحد المسموح به من الملوثات الهوائية. وكانت دراسات سابقة بينت أن نسب أوكسيدات النيتروجين والهيدروكربونات في الجو هي أكثر من ضعفي الحد الأقصى المسموح به في كثير من المناطق. وهذا يعني أن تركيزات الأوزون الأرضي عالية جداً، ما يزيد حالات الإصابة بالأمراض التنفسية والقلبيةـ 
   ان صورة بيروت اليوم لم تعد كما كانت في الخمسينيات، حيث تلازمت النهضة العمرانية مع فسحة إبداع ثقافي وإعلامي، فهناك بالفعل رؤية غير واضحة حول مستقبل مدينة تعود إلى ما قبل 5000 آلاف عام قبل الميلاد حسب بعض الدراسات، فبعد الحرب الأهلية هناك ما هو مفقود في مدينة تبدو عصرية في بعض المظاهر لكنها تفتقر أيضا إلى لمسة تربط خيوط الحياة ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، فتصبح المدينة عمرانا وليست توافقا ما بين الاستثمار ومكان الإقامة.

تقارير ذات صلة