معهد ليفانت للدراسات

المشهد اللبناني: النفط والتقلبات المتوقعة

المشهد اللبناني: النفط والتقلبات المتوقعة
فبراير 26
01:53 2014

   تغيرات عديدة يمكن أن تطال لبنان في حال استثمار الغاز المكتشف على سواحله، فالمسألة لا ترتبط بانتعاش اقتصادي فقط بل أيضا بثقافة سياسية وربما اجتماعية ستدخل إلى عمق المجتمع هذا إضافة لصراعات مختلفة على المستوى السياسي، على الأخص أن لبنان يشكل تركيبة من التوازنات التي سرعان ما تتداخل الأوراق فيها، هذا إضافة لطبيعة علاقاته الإقليمية، فمسألة النفط التي بدأت منذ عام 1926 لن تقوم بتحويل الاقتصاد اللبناني فقط؛ بل ستفتح مساحات مختلفة على مستوى طبيعة الانتاج والبيئة وحتى العلاقات الاجتماعية.

   عمليا فإن البحث عن النفط في لبنان بدأ عندما أصدر المفوض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل العام 1926 تشريعاً أجاز فيه التنقيب عن مناجم النفط والمعادن واستثمارها واستخراجها، وبعد هذا التشريع ظهرت دراسة للباحث الفرنسي لويس دوبرتريه عام 1932، وأخرى أجراها الجيولوجي الأميركي جورج رونوراد عام 1955، وكلتا الدراستين توقعتا وجود ثروة نفطية، وكانت معظم الدراسات تذهب إلى أن السواحل اللبنانية هي التي يمكن أن تحوي كميات اقتصادية من النفط، حيث تحدث غسّان قانصوة، وهو عالم ومخترع (1953 – 2005)، عن وجود كميات من النفط في لبنان مركزا على المناطق الواقعة بين البترون وطرابلس في المياه الإقليمية اللبنانية، بينما أبحاث الجيولوجي زياد بيضون فتوضح أن النفط موجود في منطقة (الجرف القاري) المغمور بمياه البحر الضحلة على السواحل اللبنانية وليس في المناطق الداخلية، مع عدم استبعاده وجود ابار لا سيما في منطقتي سحمر ويحمر البقاعيتين.

   لكن البحث الفعلي عن النفط اللبناني بدأ عبر شركة نفط العراق عام 1946، وتم التنقيب في منطقة تربل شمال لبنان، وتم حفر بئر أخرى في منطقة "يحمر"  بالبقاع الغربي عام 1953، لم تؤدي أعمال التنقيب إلى ظهور إنتاج نفطي، وما بين أعوام 1960 و 1963 قامت شركتان ألمانية وإيطالية بالتنقيب في مناطق عدلون وسحمر وتل زنوب (البقاع) كما في عبرين شرق البترون.

   مع تطور وسائل المسح في سبعينيات القرن الماضي تسابقت الشركات العالمية للحصول على امتيازات التنقيب عن النفط بين العامي 1973 و1974. وتلقى لبنان تقريرًا من شركة غالف أويل تشير إلى وجود مكامن ضخمة من النفط في المياه الإقليمية اللبنانية، استنادًا إلى خريطة وضعت بالمسح الزلزالي، وأوقفت الحرب اللبنانية عمليات التنقيب، وتأخرت معظم الأبحاث بهذا الشأن.

   وحسب الخبير النفطي الدكتور ربيع ياغي فإنه من أواخر التسعينات بدأت بعض الشركات ذات الخبرة بالمسح الجيولوجي الاهتمام بالمياه الإقليمية اللبنانية، والسماح لها بإجراء المسح الجيولوجي في المياه اللبنانية، ومعظم هذه الشركات قامت سابقا بعمليات مسح في المياه القبرصية. وكان أولها شركة "سبكتروم" التي أنجزت في العام 2002 مسحاً ثنائي الأبعاد في المياه الاقتصادية اللبنانية والمياه الإقليمية، بمساحة تقدّر في حدود ألف وخمسمائة كيلومتر مربع، وكانت النتيجة في ما بعد حسب ما تم تحليلها إيجابية وتدّل على وجود كميات كبيرة من "الهايدروكاربونز"، أي يمكن أن تكون من النفط الخام أو الغاز الطبيعي، ونتيجة لهذه المسوح أبدت الحكومة النرويجية  عام 2005 اهتماماً بمساعدة لبنان عبر المنح النفطية التي تعطيها لدول العالم الثالث، على أن تقوم الشركات النروجية بعمليات المسح الجيولوجي للمياه اللبنانية الإقليمية والاقتصادية التي تقدر بمجملها بمساحة 22 ألف كيلومتراً مربعاً أي ضعف مساحة الأراضي اللبنانية، فدراسة شركة بي. جي. أس النروجية أكدت وجود كميات نفطية تجارية في بحر لبنان، مشيرة بعد مسح ثلاثي الأبعاد بين عامي 2006 و 2007 إلى احتمال أن يملك لبنان مخزونًا يصل إلى 8 مليارات برميل، في المنطقة ما بين البترون وصيدا، ما يمكن لبنان من تحقيق 3 مليارات دولار سنويا، وما عزّز هذا الاعتقاد هو النتائج التي توصلت إليها دراسات مماثلة في المياه القبرصية، وأعمال الاستكشاف والتنقيب التي بدأتها شركة "نوبل" الأميركية في المياه الفلسطينية  وأظهرت وجود كميات هائلة من الغاز والنفط، بدأت إسرائيل العمل من أجل إنتاجها.

    من جانب آخر فإن مؤسسة جيولوجيكال سيرفيز الأميركية أجرت مسوحات ودراسات على الحوض الشرقي للمتوسط، البالغ حجمه ٨٣ ألف كيلومتر مربع، وتوصلت إلى وجود كميات هامة من الغاز والنفط في الحوض، وغطت أبحاث شركة بتروليوم جيو سيرفيسز مساحة 8800  كيلومتر مربع، عبر المسح بالبعد الثنائي بين عامي  2008 و2011، واستكملت بمسح ثلاثي الأبعاد غطى 6400 كيلومتر مربع بين 2006 و2012.

 

وحدد تقرير الشركة مواقع عدة في محاذاة الساحل اللبناني تحتوي على كميات مؤكدة من الغاز والنفط، تبلغ حوالى 25 تريليون قدم مكعب من الغاز على الأقل، وثمانين تريليون على الأكثر، وملياراً ونصف المليار برميل من النفط الخام. وإذا كان نصيب لبنان من الغاز 25 تريليوناً فإن ثروته تقدر بنحو ثمانين مليار دولار. أما إذا كانت الثروة 300 تريليون، فالتقديرات تتجاوز الـ960 ملياراً.

   والملاحظ أن السنوات التي بدأ فيها الحديث بشكل جدي عن النفط والغاز اللبناني شهدت أيضا تحولا في العلاقات الإقليمية اللبنانية، فهي نفس السنوات التي خرج بها الجيش السوري من لبنان، واندلعت فيها الحرب عام 2006، وتحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونديلزا رايس من بيروت عن شرق أوسط مختلف، والإشارة هنا لهذه التحولات تعطينا صورة مختلفة عن دخول النفط كعامل في التغيير الذي يمكن أن يطرأ ليس على مستوى لبنان، بل أيضا في المنطقة ككل، فاستثمار النفط يتطلب بالدرجة الأولى ترسيم الحدود البحرية وعلى الأخص مع "إسرائيل"، فالمفاوضات التي يجريها لبنان من أجل رسم حدوده الاقتصادية البحرية، والإفادة من هذه الحدود، تجري في ظروف صعبة ومعقدة، فالدولة اللبنانية أبلغت الأمم المتحدة أكثر من مرة أن تتحمل مسؤولياتها في رسم الحدود البحرية مثلما فعلت في رسم الحدود البرية مع "إسرائيل"، مع العلم أن قبرص أبدت موقفاً إيجابياً ومرناً لا سيما بعد زيارة الرئيس نبيه بري إلى نيقوسيا واجتماعه مع الرئيس القبرصي وكبار المسؤولين القبارصة. ونقطة الخلاف اليوم متعلقة بحوالي 860 كيلو متراً متنازع عليها مع "إسرائيل"، حيث يعتبر لبنان أنها من حقه إلى جانب باقي مساحة مياهه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية، ويتولى فريق أمريكي عملية التفاوض. 

  فبعد إقرار قانون النفط في العام 2011 تم تشكيل الهيئة الناظمة أو هيئة إدارة قطاع النفط، إذا سارت الأمور بشكل اعتيادي فإن عمليات استخراج الغاز ربما تبدأ في عام 2016 أو 2017. ويتعين على لبنان تمرير قانون إنشاء صندوق وطني للثروة السيادية تودع فيه الإيرادات المتوقعة من استخراج الغاز والنفط .

  ومن شان التعامل مع استخراج الغاز أن يخفض بشكل كبير فاتورة توليد الكهرباء في لبنان، ويخلق طفرة في الصناعات والوظائف المرتبطة بالطاقة، مما يؤثر إيجابا على المالية العامة المرهَقَة وعلى تحديات إدارة الديون. أما إذا تمت إدارة استثمار هذه الموارد بطريقة غير سليمة، فسيكون مدخلاً إلى فساد واسع، ولكن التعامل الداخلي مع هذا الموضوع هو أسهل من النظر إليه وفق موقعه الإقليمي، فقطاع الطاقة يشكل جزءاً من الصراع الجيوإستراتيجي الأوسع. حيث ترغب كل من روسيا وإيران، بدعم من الصين والهند، في أن يكون لهما تأثير قوي في هذا القطاع، وتسعى روسيا للحفاظ على هيمنتها على إمدادات الغاز إلى أوروبا، وترغب الصين والهند في ضمان إمدادات الطاقة في المستقبل لاقتصاداتهما. أما إيران فترعى مشروع خط أنابيب غاز من شأنه أن يربط لبنان وسورية مع إيران مروراً بالعراق، ولديها مشروع خط أنابيب آخر سيمر عبر باكستان إلى الصين. من ناحية أخرى، تريد الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل، توجيه موارد الطاقة الجديدة باتجاه شركاتها.

    ومن الصعب تقدير ما سيحققه لبنان من عائدات بعد بدء انتاج الغاز بسبب تقلب اسعار الطاقة، وعوامل أخرى تتعلق بلبنان والمنطقة. كما أن أي حكومة لبنانية لم تتفق حتى الآن على إطار لتقاسم العائدات يحدد حصة لبنان. ويمكن استخدام الانتاج في البداية للاستهلاك المحلي، بدلًا من التصدير، لا سيما أن لبنان يستورد الآن كل حاجته من المحروقات. وسيتيح الانتاج المحلي تحرير موارد مالية لاستثمارها في تحديث شبكة الكهرباء الوطنية، التي أُصيبت بأضرار جسيمة في الحرب الأهلية، لم يتمكن لبنان من اصلاحها بالكامل حتى الآن. وإذا تمكن لبنان من تصدير بعض انتاجه من النفط والغاز، فبالامكان استخدام العائدات لتسديد جزء من دين لبنان العام، الذي يبلغ نحو 140 بالمئة من إجمالي ناتجه المحلي، ليكون بذلك الأعلى في العالم العربي.

   وبعض المخاوف التي تحيط بملف النفط والغاز مرتبطة بنوعية الدولة في لبنان وما يحيط بها من ملفات فساد، فمثل هذه الموارد ستطلق مجموعة من الأمراض السياسية والاقتصادية والبيئية، حيث لا تمتلك لبنا وفق عدد من الخبراء بنية سياسية وقانونية واقتصادية مؤهلة وناضجة كفاية لاستيعاب الثروة المفاجئة، وهو ما يطلق عليه بعض علماء “لعنة الثروة”، حيث تؤدي الثروات بسبب البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية المفككة والهشة إلى تزايد معدّلات الفقر والبطالة بدل تدنّيها، وتزايد نسب الفساد المالي والسياسي وتركّز الثروة في أيادي مجموعة صغيرة من النخب غالباً ما تكون مرتبطة بالحكم.

   ويحذر الاخصائيون البيئيون أيضا من إن استخراج النفط البحري يحمل مخاطر بيئية كبيرة جداً على الشاطىء اللبناني، وعلى سلامة النظام الإيكولوجي في البحر المتوسّط، حيث يتتطلب استخراج النفط، الذي لا تقع حقوله على مسافة بعيدة جداً من الشاطىء اللبناني، إقامة آبار بحرية بالإضافة إلى منشآت تكرير وتخزين وتصدير على السواحل، مما يؤدي لتوسيع الاستملاكات البحرية للدولة والشركات، والقضاء على ما تبقّى من توازن في المنظومة الإيكولوجية البحرية الهشة أصلاً قبالة الشواطىء اللبنانية، وتدمير ما تبقى من اقتصاد الصيد البحري في لبنان ومعه معيشة آلاف العائلات الساحلية.

   إن مسألة البيئة وتبدل فرص العمل نتيجة العامل النفطي ستغير أيضا من طبيعة الانتاج اللبناني، سواء في مجال الزراعة أو الخدمات، وستعدل أيضا من تصنيف الموارد البشرية التي اعتمدت لعقود على مقاييس محددة تتلاؤم وطبيعة الدخل الوطني اللبناني، وهذه التحديات ربما تحتاج لمراجعة شاملة تزامنا مع تطوير البيئة التشريعية التي تجلت قبل أعوام بمسألة قانون النفط، فلبنان أمام حقبة جديدة كليا ستتجاوز تأثيراتها كل المسائل الاقتصادية لأنها تطال بنيته التي ظهر عليها منذ أوائل القرن العشرين.

 

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.