معهد ليفانت للدراسات

المشهد الفلسطيني: النقب صورة تبقى ناقصة

المشهد الفلسطيني: النقب صورة تبقى ناقصة
فبراير 26
02:24 2014

توقف المشروع "الإسرائيلي" المعروف بمخطط "برافر" لتهجير بدو النقب، لكن هذه المنطقة الشاسعة تبقى مثار جدل، فهي بالنسبة لـ"الحكومة الإسرائيلية" ليست مجرد صحراء، بل يمكن أن تستوعب عددا من المشاريع العسكرية بالدرجة الأولى، فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وعلى مدى سنوات اعتبر أن مشروع تطوير صحراء النقب مجرد مضيعة للوقت، غير أن الجيش أقنعه في بداية شهر آب 2013 بزيارة مشروعه العسكري الضخم الذي يتضمن قاعدة تدريبية كبيرة في جنوب الصحراء أطلق عليها اسم "كيريات هدراشا"، وبعدها وعد بنيامين نيتنياهو بتخصيص المزيد من الاعتمادات المالية من أجل تطوير صحراء النقب، وقال يومها إن صحراء النقب ستتحول إلى لاس فيغاس إسرائيل.

   ومخطط "برافر" هو "قانون إسرائيلي" أقره الكنيست في 24 حزيران من عام 2013 وذلك بناء على دراسة وتوصيات من وزير التخطيط إيهود برافر تم رفعها عام 2011 لتهجير سكان عشرات القرى الفلسطينية من صحراء النقب جنوب فلسطين، وتجميعهم في ما يسمى "بلديات التركيز"، وستستولي "إسرائيل" بموجبه على أكثر من 800 ألف دونم من أراضي النقب. لكن "إسرائيل" تراجعت عن هذا المشروع في كانون الأول 2013 لأنه أثار جدلا حول جدواه من جهة وأثار أيضا ردود فعل على مستوى الشارع الفلسطيني في أراضي 1948.

  في المقابل فإن هذا المخطط ظهر سابقا في أوراق مؤتمر هرتسليا الأمني السنوي السادس الذي عقد بتاريخ 21-1-2006، وهو ما يؤكد على أنه أكثر من مجرد توصيات أو قانون، فالورقة التي جرت مناقشتها في المؤتمر مقدمة من قبل "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي"، التابع مباشرة لديوان رئيس الوزراء، وتظهر الورقة ادعاء إسرائيل بأن هذه الأراضي هي أراضي دولة، وأنها صاحبة الملكية لها، وتزعم أن أصحابها البدو لا يملكون والأوراق الثبوتية لإثبات حقهم على هذه الأراضي، بينما يعتبر بدو النقب أنهم المالكون القانونيون والوحيدون لهذه الأراضي، منذ الفترة العثمانية، وثم الانتداب البريطاني، وفي مرحلة الحكم العسكري الإسرائيلي بعد إقامة "إسرائيل"، وهناك وثائق تفيد بأن "الحكم العسكري الإسرائيلي" اعترف بذلك حتى عام 1967، وبعد حرب حزيران بدأت الأمور تنقلب رأساً على عقب، وبدأت رؤية جدية لامتلاك أراضي صحراء النقب.

   لكن الجانب الآخر من الأهم في هذا الموضوع لا ينحصر فيما هو معلن سواء في مؤتمر هرتسيليا أو عبر محاولة تمرير مخطط "برافر"، لأن المعضلة هو في جغرافية النقب التي تحتاج إلى ضبط واضح على المستوى الأمني، وهو أمر يتطلب تعزيز تلك المنطقة بالمستوطنات، حيث رصدت الحكومة الاسرائيلية ما لا يقل عن ستة مليارات دولار من أجل تطوير وتهيئة الأراضي المحيطة ببئر السبع، الواقعة عند طرف صحراء النقب من أجل بناء مدن جديدة ومن ضمنها مدينة تعتبر من أكبر المشاريع الاستيطانية التي تطلقها إسرائيل حتى الآن. ومع حلول سنة 2020 تخطط "إسرائيل" لزيادة عدد سكان منطقة النقب بأكثر من 50% لتصل إلى مليون مستوطن يهودي، وهو ما يمثل ضعفي عدد المستوطنين الذين يعيشون في الوقت الراهن في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية.  لكن بدو النقب من الفلسطينيين هم في المقابل جزء من مشكلة لم تستطع "إسرائيل" التعامل معها، ورغم أن بعضهم يخدم في "الجيش الإسرائيلي" إلا أن طبيعة تحركهم في تلك الصحراء تضعهم ضمن دائرة خاصة مختلفة عن باقي الفلسطينيين في أراضي الاحتلال.

   ومخطط  "برافر" لا يعبر فقط عن "طموح إسرائيلي" آني على مستوى زيادة عدد المستوطنات، أو تغيير الطبيعة الديمغرافية لصحراء النقب، لأنه في جوهره يسعى لفرض "غيتو" على البدو، بتحديد منطقة خاصة إلى الشرق من الشارع الرئيسي الموصل لمدينة بئر السبع، لإقامتهم عليها، ولذلك أقرت الحكومة الإسرائيلية إقامة مستوطنة لليهود المتدينين، مكان قرية "وادي الحيران" البدوية، وإقامة مستوطنتين مكان قريتي "كيف" و"حيران" البدويتين، ونقل معسكرات الجيش من وسط إسرائيل إلى النقب، وبناء مطارات وقاعدة استخبارية، ومجمعات عسكرية، إضافة لإقامة (15) مستوطنة، و (85) مزرعة، لاستقطاب (300) ألف مهاجر يهودي حتى عام 2020، ومن شأن هذه الاجراءات إعادة تشكيل واقع البدو بشكل مختلف وعلى الأخص على مستوى الزيادة السكانية التي تعتبر مشكلة حقيقية لـ"إسرائيل".

  عمليا فإن العلاقة بين بدو النقب و "إسرائيل" خضعت لتبدلات منذ انسحاب "إسرائيل من غزة، وذلك مع انتقال عدد من المستوطنين باتجاه صحراء النقب، وانتشار المقاولين الذين بدؤوا يغيرون من نمط حياة السكان ويقيمون المشاريع التي أصبحت على تماس مباشر مع حياة البدو الذين خضعوا سابقا لسياسات الإستقرار والتوطين القسري، فما بين عامي 1968 و 1989، قامت "إسرائيل" ببناء سبع بلدات في شمال شرق النقب للسكان البدو بقصد تسهيل سيطرتها على الاراضي البدوية الواسعة، بينما بقي آخرون في القرى غير المعترف بها والتي بنيت بدون تخطيط، حيث يقدر عدد البدو اليوم بحوالي 170 ألف وفق احصائيات 2012، ويشكلون 12% من المواطنين العرب داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

   قبل ظهور "إسرائيل" كان عدد بدو النقب يقدر بحوالي 110.000، وهاجر معظمهم في أعقاب حربي 1948 و 1967، وبقي حوالي 11,000 تم اسكان أغلبهم في قضاء بئر السبع وهي من الأراضي الخصبة نسبيا، وتقع في النقب الشمالي الشرقي وتضم 10% من صحراء النقب. وبدو النقب مثل بقية السكان العرب عاشوا تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، ثم رفعت القيود عنهم ولو بشكل نظري التحرك خارج قضاء بئر السبع، ورغم كافة القوانين لم تكن لهم حرية في الإقامة خارج قضاء بئر السبع، ويتمركزون على مساحة 2% من صحراء النقب.

  حوالي نصف السكان البدو اليوم يعيشون في البلدات التي لا تعترف بها "إسرائيل"، وأكبر مدن النقب مدينة رهط، وعرعرة النقب، بئر هداج، حورة، كسيفة، اللقية، شقيب السلام، تل السبع، ويوجد الكثير من القرى الصغيرة والتجمعات البدوية في ضواحي المدن. ما يقرب من 50% من المواطنين البدو في الأراضي المحتلة يعيشون في القرى البدوية غير المعترف بها وعددها 80 قرية. مما يجعل البدو الاققر والاقل تعليما بين المواطنين العرب في "إسرائيل"، بينما تعتبر نسبة النمو السكاني بينهم الأعلى في العالم.

 كان البدو يختلفون عن بقية الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 من حيث استعدادهم الدائم للعمل في "الجيش الاسرائيلي"، فمنذ قيام "إسرائيل" فإن نسبة الشباب البدو الخادمين في "الجيش الإسرائيلي" عالية, غير أن المتطوعين منهم انخفض من قرابة 1500 رجل إلى تسعين فقط سنويا، وهو أمر يعكس تحولا في رؤيتهم لأنفسهم ولـ"إسرائيل" أيضا وهو ما دفع إلى محاولة التعامل معهم وفق قراءات مختلفة، ويخدم أبناء هذه الشريحة فيه كقصاصي الآثار. وفي عام 1970 أقيمت وحدة قصاصي الآثار في الجنوب، وفي عام 1986 أقيمت كتيبة قصاصي الآثار البرية, وحاليا تحتل هذه الكتيبة مكان الصدارة في القتال الجاري في قطاع غزة, علما بأنه في الجليل وُضِعَ تمثال تذكاري لتخليد الدور المهم والمميَّز الذي يلعبه البدو، ورغم ذلك فإن دمجهم في "المجتمع الإسرائيلي" بطيئ جدا. وحسب مقالة نشرها موشيه أرينز، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، في صحيفة "هآرتس"  في 12 إيلول 2013 فإن مسألة البدو هي الأصعب على الاطلاق، لأن مستوى التعليم لديهم متدنيا وظروف سكنهم سيئة ويمرون بعملية قاسية هي الانتقال إلى العيش فى مجتمع مدني يستند إلى حد كبير إلى التكنولوجيا الحديثة حيب تعبيره، لكن هذه المسائل التي يطرحها أرينز تبقى عوامل أساسية يضاف إليها عدم خضوعهم لـ"لقانون الإسرائيلي"، فلديهم تعدد الزوجات وذلك بخلاف القانون المتبع في إسرائيل.

    وما يطرحه "أرينز" يشكل انعكاسات لواقع خاص بالنسبة لهذه الشريحة، ففي الماضي اعتمدوا على الزراعة والرعي, ولكن الانخفاض العالمي الحاصل في أسعار المنتوجات الزراعية أدى إلى تقليص مداخيلهم، وأدى الانتقال إلى أماكن السكن الثابتة ومصادرة أراضيهم إلى تقليص مزاولة الزراعة لدى البدو. وعلى المستوى الاجتماعي فإن تعدُّد النساء أمر اعتيادي ويتميز بها حوالي ربع السكان البدو. يتزوج البدو من نساء الضفة الغربية وجبل الجليل والدول المجاورة, علما بأنه في نمط الحياة الترحالي كانت المرأة تتولى رعاية الأبقار وشؤون البيت, وفي نماط الحياة المعاصر يتوقع المرء أن تبقى المرأة البدوية في البيت وتراعي احتجايات أفراد الأسرة.

وأدت ظاهرتا التحضر والتحديث اللتان تعرض لها البدو إلى تقويض الأسس الاجتماعية, العائلية والاقتصادية التي كان مجتمعهم مميَّزا بها, ورافقتهما ظواهر لم تكن منتشرة فيه من الإجرام, التسرب من المدارس وتعاطي المخدرات. كذلك, فالاستيطان الثابت خلق أجواء من التوتر بين الشريحة الجديدة من أبناء الجيل الصاعد من جهة والزعماء من الشيوخ التقليديين ورؤساء القبائل من جهة أخرى.

   ومنذ مطلع سنوات الثمانين يؤدي النزاع الجاري في مسألة ملكية أراضيهم إلى ربطهم بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني ويعزز من هويتهم الفلسطينية. كما يؤدي أيضا ازدياد قوة الحركة الإسلامية في السياسة المحلية والقطرية إلى تعزير مكانة التيار الإسلامي في أوساط البدو. وفي النقب يحتل السكان البدو المرتبة الأخيرة في سلم التدريج الاجتماعي الاقتصادي في "إسرائيل"، فنسبة البطالة في وسطهم هي أعلى من تلك الموجودة في بقية المناطق, ونسب اكتساب الثقافة هي قليلة بالمقارنة مع مجمل السكان في "إسرائيل", وفي عام 1994 أقام الكنيست لجنة التحقيق البرلمانية لموضوع الوسط البدوي في "إسرائيل". وفي عام 1996 تم طرح قراراتها وتوصلت اللجنة إلى نتيجتين مركزيتين: مشكلة بدو النقب مستمرة وقتا طويلا أكثر من اللازم, النتيجة الثانية هي أن حل مشكلة بدو النقب مرتبط بإيجاد حل لمشكلة الأراضي التي يُختلف في ملكيتها. أوصت اللجنة بأن بحل هذه المشكلة بصورة عادلة بغية إلغاء الشعور بالإهمال والغبن السائد في أوساط البدو وبالتالي وضع حد للنزعة الوطنية الآخذة بالازدياد في صفوفهم.

قرى البدو غير المعترف بها

في عام 1986 قامت الحكومة بإقامة مديرية تطوير البدو في النقب. كان الهدف منها تركيز شؤون العناية بالسكان البدو الذين بقوا في البلدات غير المعترف بها, وذلك على أساس خطوط عمل متفق عليها لدى مكاتب الحكومة بأسرها. إنَّ وظائف المديرية, كما تم تحديدها, كانت العمل على إقامة بلدات بدوية إضافية والتوصل إلى اتفاقيات حل وسط مع البدو في موضوع الأراضي, ولكن الخلافات بين الدولة والبدو في الملكية على الأراضي تحول دون إقامة بلدات جديدة وتعيق تطوير البلدات القائمة. كما تشترط "السلطات الإسرائيلية" لإدخال أي تحسين على ظروف العيش التي يواجهها البدو في التقب بتنظيم موضوع الأراضي.

  هذا وتشير معطيات عام 2007, إلى أنه ما يقارب 50% من السكان البدو في النقب (زهاء 70,000 نسمة) يعيشون ضمن بلدات منعدمة المكانة البلدية. معظمهم غير مربوطين بشبكات المياه والكهرباء بعيدين عن شرايين المواصلات الرئيسية. ويدرس معظم أولاد تلك القرى في مدارس خارج القرى, حيث ظاهرة التسرب من المدارس أمر شائع بسبب غياب الطرق ووسائل النقل العام المؤدية إلى المدارس.

   بالتأكيد فإن وضع النقب يبدو أنه أصبح مركبا، فعدم قدرتهم على التكامل مع باقي النسيج الفلسطيني خلال مراحل الصراع أخر من التصادم بينهم وبين حركة الاستيطان الإسرائيلي، لكن في المقابل فإن مشاكلهم الاجتماعية وعدم الانسجام بين ثقافتهم وطبيعة "إسرائيل" أدى في النهاية إلى صعود قضيهم على السطح كجزء من مشاكل الاحتلال رغم محاولة "الحكومة الإسرائيلية" لإعطائها شكلا آخر، إلا أنها في  النهاية لا تندرج إلا في إطار الاحتلال المستمر منذ عقود.

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.