معهد ليفانت للدراسات

المشهد السوري .. نهايات مفتوحة ؟

المشهد السوري .. نهايات مفتوحة ؟
فبراير 06
18:22 2016

يوماً بعد آخر تتعقّد تأثيرات الأزمة السورية على السوريين في مختلف المجالات وربما الأهم هو الجانب الاقتصادي والذي بات يتدهورُ يوميّاً , حيث يستمر الناتج المحلي الاجمالي بالتراجع وإن كان بمعدلات أقل من السنوات الماضية و يرجع ذلك إلى أن الاقتصاد السوري تقلص الى مستويات منخفضة لدرجة أصبح من الصعب عليه ان يتراجع بشكل أكبر .

و فيما تشوّهت القطاعات المنتجة للنفط والغاز نتيجة وقوع مناطقها في أيدي التنظيمات المتطرّفة وعلى الأخص تنظيم الدولة الاسلامية تبقى حقول الغاز في مناطق تشهد اشتباكات ومواجهات من وقت لآخر ما يضعف انتاجها ويهدد استمراريّته .

في حين تواجه الزراعة تحدّيات كبيرة في ظل توزع المساحات الزراعية في أراض غير آمنة أو تشهد اشتباكات أو أماكن محاصرة مع ضعف في المردود وتنامي الاحتياج , والمناطق التي تشهد صناعات ولو بسيطة منتظمة هي الواقعة تحت سيطرة الحكومة فقط في حين تعتمد اقتصاديات المناطق تحت سيطرة المعارضة والأكراد على المساعدات والمنح , وبالطبع لولا الدعم الحليف للحكومة السورية ومدّها بالطاقة والمحاصيل والخبراء لتهاوى الاقتصاد السوري في عجلة أسرع بكثير .

في ظل الانحدار الاقتصادي والتهاوي المستمر والمتغيّرات على الأرض يرى خبراء بأنّ عيون السوريين باتت شاخصةً باتجاهين ويختلف الرهان على أحدهما باختلاف الاتجاه السياسي وتبنّي نظرية معينة لتطوّر وتصعّد الأحداث  :

الاول هو ما يعيشه و يشاهده السوريون على بُعد كيلو مترات قليلة منهم في معظم المناطق التي تشهد اشتباكات عنيفة وأهمّها اليوم ريف اللاذقيّة وريف حلب ودرعا وجبال القلمون حيث تسود حالة من الكر والفر بين الجيش السوري والقوات الحليفة من جهة وفصائل المعارضة المشتتة من جهة أخرى , وشهدت الأشهر الأخيرة معارك متزايدة للسيطرة على المناطق كانت في صالح الحكومة بعد التدخل الروسي المباشر إلى جانبها , ما عزز ثقة موالي الحكومة بقدرات الجيش السوري على استعادة المناطق واعادة فرض السيطرة رغم كل التراجع الذي سبق التدخّل الروسي والذي عزز سيطرة الاسلاميين على مناطق واسعة من سورية .

هنا تجدُ نفسها المعارضة في وضع متقلّب نتيجة الخلافات المستمرّة بين فصائلها وغلبة ميزان القوّة للتنظيمات الاسلامية التي استفادت من ضعف سيطرة الفصائل المعارضة على مناطقها فأخذتها جاهزة , وبدأت بتطبيق أنظمة حكم محليّة ذات طابع اسلامي فيها, ما بدد آمال المعارضة في اشاعة نظم محليّة ديموقراطية تقدم تجارب بديلة يمكن المضي بها , ويمكن متابعة أغلب نشطاء المعارضة اليوم في عدّة دول خارج سورية هرباً من بطش فصائل المعارضة التي هتفوا لها يوماً والتي بدأت تضيّق الخناق عليهم وكأنّها تعيد انتاج نظم الأمن والمخابرات التي كان انهاؤها أحد أهم أسباب الاحتجاجات التي انطلقت في 2011 في سورية .

 

أما الاتجاه الآخر الذي يتطلّع إليه السوريون فهو متاح عبر الشاشات والانترنت ان توفرت الكهرباء في منازلهم , وهو ما يحدث بشكل أصبح شبه دوري في العواصم العالميّة , أخيراً مؤتمر المانحين في لندن ومحاولات جنيف 3 المتعثّرة وما حدث في فيينا وموسكو والرياض وغيرها , يحكى أن كلّ هذه اللقاءات والمؤتمرات تعقدُ بغية تلمّس خطوات فعليّة لحل النزاع المستعصي منذ 5 سنوات , لكن الوقائع تقول أن عقد هذه المباحثات الدولية أخرج القرار من أيدي المعارضة والحكومة ووضعه بيد الحكومات الغربية والقوى العالميّة والتي لايبدو أنها قررت فضّ هذا الملف والمضي بحولٍ من شانها انهائه , ففي كلّ لقاء تظهر مكوّنات جديدة معارضة تنسلخُ عن سابقتها وتظهر القضايا للعلن بشكل أوضح كما حصل في محاولات جنيف 3 وتوضّع القضيّة الكردية وتصدّرها جزءاً من المشهد .

 

في خضمّ هذه التجاذبات الدولية والوقائع في الميدان يعيشُ السوريون على أمل البقاء يوماً آخر , فقد أصبحت المساعدات الانسانيّة مصدراً مهمّاً للدخل في مختلف المناطق , وباتت التحويلات المالية من الأقارب والمعارف في الخارج ضروريّة لاستمرار الحياة بحدودها الدنيا مع انخفاض مستمر لليرة السورية وتراجع للانتاج و خروج المناطق الصناعية ومناطق النفط والزراعة والمناطق الحدوديّة من السيطرة .

 

لم يعد السوريين مهتمّين بشيء سياسيّاً , لقد أدركت غالبيتهم أن النزاع لم يعد للسوريين دورٌ فيه بل تحوّل لقضيّة دولية لم يحن موعد الاتفاق على انهائها بعد , لهذا يذهبُ البعض للرهان عسكريّاً على القدرة على استعادة المناطق فيما يرى آخرون أن كلّ ما يحدث في الميدان هو ارادة دوليّة متفق عليها أصلاً تسعى فيها روسيا وايران بموافقة غربية ضمنيّة للاحتفاظ بمناطق تعتبرها استراتيجيّة للمستقبل الاقتصادي للمنطقة وبقائها بيد الاسلاميين وقتاً أطول سيشكل عقبات مستقبليّة قادمة .

 

في خضمّ كل ذلك يبقى المشهد السوري اليوم مضطرباً ومجهول النهايات , فالاحداث المتسارعة في الميدان تفاجئ الجميع والتحركات الدوليّة لا أحد يعلمُ متى تكون جدّية فعلاً , فالكل يسعى لاقتسام النفوذ وحساباتُ الأمس متغيّرة بفعل كثير من العوامل عن حسابات اليوم والغد , الاستحقاقاتُ القادمة ربما تحرّك المشهد على الأرض من جديد أو على طاولات المفاوضات الدوليّة مع حديث خبراء عن رغبة دوليّة حقيقيّة بدأت بالتشكّل لانهاء النزاع السوري بل ربما تحويله لشكلٍ آخر , هو النزاع الذي بدأت تأثيراته تطال دولاً مختلفة وتغيّر في الديموغرافيا في المنطقة لجهة هجرة المسيحيين وافراع المكونات والأقليات من بلداتهم التقليدية واندفاع أعداد هائلة لجوءاً نحو القارة العجوز أوروبا .


 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة