معهد ليفانت للدراسات

المشهد الأردني: الاقتصاد قبل وبعد مسألة مجلس التعاون الخليجي

المشهد الأردني: الاقتصاد قبل وبعد مسألة مجلس التعاون الخليجي
أبريل 03
21:42 2014

هدأ سيل التحليلات حول فشل انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي، ورغم أن هذه الحاولة تم تقديمها في إطار سياسي وظرفي له علاقة مباشرة بظروف الشرق الأوسط، إلا أن بحث الأردن عن موقعه الاقتصادي بالدرجة الأولى يمكن أن يشكل مدخلا لفهم مسألة علاقة الأردن بمجلس التعاون، ويفسر أيضا تفاصيل عدم قدرة "عمان" في التعامل مع واقع هذا المجلس وما يعانيه من صعوبات على مستوى الانسجام لخلق تكتل اقتصادي فاعل.
   ومؤخرا ظهرت خيبة الأمل الأردنية من الفشل في مباحثات الانضمام إلى مجلس، فاعتبر الدكتور عبدالله النسور رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية أن "عدم انضمام بلاده إلى مجلس دول التعاون الخليجي يعتبر خطأ تاريخيا". وهذا التصريح يعكس حجم التحضيرات على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي للأردن عندما تم طرح مسألة انضمامه للمجلس،  ففي محاضرة اسـتضافتها جامعة الإسراء تحدث الدكتور جواد العناني أنّ الأردن يجني من دخله بالعملة الأجنبية عن طريق دول الخليج العربي ما يزيد عن 5.5 مليار دينار بالعملات الأجنبية على شكل حوالات العاملين، إضافة إلى الصادرات والقروض والاستثمارات المباشرة والسياحية والخدمات الحكومية والمالية والبحرية والتأمين، كما أوضح أنّ عدد الذين يحملون الجنسية الأردنية القاطنين في دول الخليج يقدر بـ 800 ألف نسمة، نصفهم في سن العمل، بينما للأردنيين استثمارات في دول الخليج العربي لا يقلّ مجموعها عن 4 إلى 5 مليار دولار، إضافة إلى أنّ الأردن يستورد ربع احتياجاته من دول الخليج العربي.
    في المقابل فإن العناني يرى أن انضمام الأردن لدول مجلس التعاون الخليجي سيؤدي لتغيير شامل للأنظمة الاقتصاديـة في الأردن، مما يرتب آثار اقتصادية كبيرة كتغيير آلية النظام الجمركي، مشيرا إلى أنّ الأردن قلل من اعتماده على الدخل من الجمارك من حوالي 350 مليون دينار إلى 260 مليون دينار، نتيجة التزاماته باتفاقيات منظمة التجارة العالمية، واقترح النظر في القوانين الناظمة للاستثمار، بحيث يجعل معاملة المستثمر متطابقة مع معاملة الأردني بدون موافقات مسبقة من مجلس الوزراء وخاصة على الأراضي والعقارات، كما دعا دول الخليج إلى شراء الجزء الأكبر من ديون الأردن، وتعويضه عن النقص والعجز في إيرادات الحكومة بسبب التزامات الأردن باتفاقيات الجمارك والضرائب الخليجية، نظرا لأنّ اتفاقية العملة الموحّدة لها شروط موضوعية لا بد من التقيّد بها، وهي ألاّ تزيد نسبة العجز في الموازنة عن 3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الدين عن 60 بالمائة.
   في المقابل توقع تحليل لغرفة تجارة وصناعة دبي أن تؤدي دعوة مجلس التعاون الخليجي كلا من الأردن والمغرب للانضمام إلى المجلس إلى تعزيز فرص التجارة والاستثمار بين البلدين ودول مجلس التعاون الخليجي، وبين التحليل إلى أن دول المجلس تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسين للأردن، فالتجارة بين الأردن ودول المجلس الست تجاوزت خمسة مليارات دولار العام الماضي، وكانت دول المجلس مصدراً لنحو 24.2٪ من واردات الأردن، في حين اتجهت نسبة 18.4٪ من صادرات الأردن إلى دول الخليج، بحسب إدارة الإحصاء الأردنية. لكن وحسب نفس التقرير فالأردن يحتاج لخطة إعادة تأهيل اقتصادي ربما تستغرق 10 سنوات، وبكلفة تصل إلى نحو 100 مليار دولار. 

    ويستورد الأردن من دول الخليج بصورة رئيسة الوقود المعدني، النفط، مصنوعات اللدائن، ومصنوعات الحديد والصلب والألمنيوم، بينما ضمت صادرات الأردن هي الخضراوات، والفواكه، والمنتجات الصيدلانية، والمنتجات الكيماوية غير العضوية، والمعادن والأحجار الثمينة، والآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونية ومصنوعات الحديد والصلب، وتشكل السعودية أكبر شريك تجاري للأردن في العالم، حيث تجاوت تجارته معها  الثلاثة مليارات دولار، ومع الإمارات أكثر من 700 مليون دولار، ومع كل من البحرين، والكويت، وقطر، وعمان، نحو 306 ملايين دولار، 212 مليون دولار، 110 ملايين دولار، و60 مليون دولار على التوالي خلال العام الماضي.
  ويبدو من الاحصائيات أن الاستثمارات السعودية ذات تأثير رئيس في اقتصاد الأردن، فهي تشكل أكبر حصة في الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة والتحويلات المالية والسياحة في الأردن؛ فيما أشارت إحصاءات مجلس الاستثمار الأردني إلى أن السعودية من بين أكبر الدول التي لديها استثمارات في الأردن، إذ استثمرت أكثر من أربعة مليارات دولار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. أما الاستثمارات الإماراتية في الأردن فتقدر بنحو 15 مليار دولار، فيما ارتفعت استثمارات الكويت في الأردن من 400 مليون دولار إلى ثمانية مليارات دولار في 2010 وبلغت استثمارات البحرين في الأردن 473 مليون دولار خلال العام نفسه.
    إن التخوفات التي ظهرت قبل فشل انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي جاءت في الفروقات الاقتصادية، فانضمام الأردن يشمل  ضمان حرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال وعنصر العمل، وهناك فروقا كبيرة في معدل البطالة بين الأردن ودول المجلس، وسيمنح عمالها معاملة تفضيلية بالنسبة لفرص التوظيف المتاحة في دول المجلس، مثل تلك التي تمنح لمواطني الدول الأعضاء، ونظرا للفوارق الكبيرة في مستويات الدخول والأجور الحالية بين الأردن ودول المجلس، فإنه من المتوقع أن يحدث فيضان هائل من الهجرة إلى دول المجلس؛ استنادا إلى التسهيلات التي تمنحها الاتفاقية الحالية الخاص بحرية التنقل بين دول المجلس، ومما لا شك فيه أن أسواق العمل في دول المجلس ربما لا تكون مستعدة حاليا لاستيعاب هذا العرض الكبير من العمال المهاجرين من هاتين الدولتين، خصوصا وأن بعض دول المجلس بدأ بالفعل يعاني ارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين من الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
   ويبين الجدول التالي الفارق الاقتصادي بين دول المجلس وكل من الأردن والمغرب:


 
   من جانب آخر فإن دول مجلس التعاون تتصف أساسا بضعف مستويات التجارة فيما بينها بشكل عام، ولكننا عندما ندخل الأردن في الاعتبار سنجد أن التجارة البينية بينها وبين دول المجلس الست متواضعة جدا، وإجمالي صادراتها تتراوح بين نسبة صفر في المائة كحد أدنى إلى 1.5 في المائة كحد أقصى، وفي المتوسط تبلغ صادرات الدول الخليجية الست إلى الأردن والمغرب (على أساس أن المغرب دعيت أيضا للانضمام) 0.39 في المائة من إجمالي الصادرات خلال السنوات الثلاث الماضية، ومعظمها عبارة عن نفط أو منتجات نفطية.
    أما واردات دول مجلس التعاون من الأردن والمغرب خلال السنوات الثلاث الأخيرةمن إجمالي الواردات تتراوح بين صفر في المائة كحد أدنى إلى 0.79 في المائة (أي أقل من 1 في المائة) كحد أقصى، وفي المتوسط تبلغ نسبة واردات الدول الخليجية الست من هاتين الدولتين 0.33 في المائة، أي أقل من نصف في المائة من إجمالي واردات دول المجلس خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما يعكس أيضا حقيقة أن هاتين الدولتين ليس لديهما ما تصدرانه إلى دول المجلس، وهو ما يوضحه الجدول التالي:


 
   أما فروقات الناتج المحلي فهي كبيرة جدا نظرا لافتقار الأردن إلى الموارد التي تمتلكها دول المجلس، ويتوقع الخبراء ان ترتفع مديونية الأردن خلال العام الحالي لتبلغ 90% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وخاصة مع توجه الحكومة لمزيد من الإقتراض الخارجي وإصدار سندات دولية بكفالة الولايات المتحدة بقيمة بليون دولار، وهو ما أعلن عنه خلال لقاء العاهل الأردني عبدالله الثاني بالرئيس الأميركي باراك أوباما في العاشر من شهر شباط 2014 .ويوضح الرسم البياني التالي التفاوت الكبير في الناتج المحلي لدول المجلس مع الأردن والمغرب:


 
   إن الآمال التي بنتها الحكومة الأردنية على مسألة الانضمام توضح الهاجس الأكبر في مسألة الهوية الاقتصادية الأردنية، فالأردن أساسا فحجم المديونية ارتفع الى نحو 27 بليون دولار مع نهاية العام الماضي يضع الإقتصاد الأردني أمام تحديات كبيرة خاصة وأن معدلات الدين تخطت الحدود المسموح بها في قانون ادارة الدين العام بحيث لا تتجاوز 60% من الناتج المحلي الاجمالي". والحكومة الأردنية أعلنت في منتصف شباط من عام 2014 أن صافي الدين العام سجل إرتفاعا عن مستواه في نهايـة عام 2012 بمقـدار3.54 بليون دولار أو ما نسـبته 15.2% ليصل إلى حوالي 26.92 بليون دولار أو ما نسبته 79.6% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر لعام 2013، وكل هذه المعطيات تضع الأردن في منطقة خطرة وتدفعه للبحث عن شركاء إقليميين لتجاوز هذا الأمر، ولكن من الواضح أن التوجه خليجيا لم ينجح في هذه المرحلة وهو ما سيدفع الأردن للمزيد من البحث عن مساعدات من أجل إنقاذ اقتصاده.

تقارير ذات صلة