معهد ليفانت للدراسات

المرأة السورية وتحديات التعليم في الحرب

المرأة السورية وتحديات التعليم في الحرب
فبراير 12
12:06 2016

لم يستطع النزاع المستمر في سورية ورغم دخوله السنة الخامسة في اقتطاع جذور الأمل من تربة السوريين، فبالرغم من معاناتهم أينما كانوا فالحياة اليومية مستمرة بوجه كل المصاعب التي تعترض مختلف المجالات وفي مقدّمتها التعليم بمختلف مستوياته .

ولعلّ تكيّف المرأة السورية مع الأوضاع الرّاهنة واستجابتها للظروف المتغيّرة كان أكثر سرعةً وفعاليةً على مختلف الأصعدة، مستمدّة التصميم والإرادة من نساء كثر سبقنها في مواجهة ضربات التاريخ على هذه المنطقة وهذا ما تؤشّر إليه كثير من كتب التاريخ حول تاريخ بلاد الشام وبروز النساء ليكنَّ في المقدمة دوماً .

تعليميّاً، تأثيرات الحرب باتت واضحة اليوم ، ففي حين كان التعليم مجرّد تحصيل حاصل لبعض الفتيات قبل خمس سنوات، أصبح الآن ضرورة وحاجة ملحّة لديهنّ، مدركات أن التعليم هو إحدى الخطوات الأولى التي تؤدي إلى الحصول على عمل محترم ذو راتب جيّد، فاجتهدت الكثير من الفتيات في متابعة تحصيلهن الدراسي، على أمل إيجاد وظيفة ما، خصوصاً وأنّ الحرب قد فتحت الفرصة لهنّ لملئ مدرّجات الجامعة بشكل أكبر وذلك بسبب تحوّل خوف الأهل لينصبّ على أولادهم الذكور وارسالهم للخارج ابعاداً لهم عن الحرب الدائرة، فكل طرف يحاول جذب الشباب الذكور إليه ليكونوا وقود المعارك والقتال , وهنا تبدو مشاكل التخلّف عن الخدمة الإلزاميّة، وإجبار الشباب على الانضمام إلى مجموعات مسلّحة معارضة في بعض المناطق .

ومع ازدياد الانفتاح على العالم الخارجي في ظل الأزمة السورية، ذلك الانفتاح الناتج عن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتواصل مع الأهل والأصدقاء والأقارب الذين يعيشون في الخارج، ازداد وعي المرأة بضرورة إكمال تعليمها، والبحث عن مكانة جيدة اجتماعياً واقتصادياً، فنجد النساء اللواتي انقطعن عن التعليم منذ مدة، يكملن دراستهن الجامعية، أو يجتهدن للحصول على شهادة التعليم الثانوي، لمتابعة التحصيل العلمي الجامعي.

ونجد في هذا السياق أنّ نسبة الطالبات السوريّات إلى مجموع الطلاب في جامعة دمشق تصل إلى 41 % حسب وزارة التعليم العالي لعام 2013-2014، حيث نجد تقارباً جيّداً بين أعداد الطالبات والطلّاب في الجامعة.

كما نجد نساء وقد أتممن الأربعينيات من عمرهنّ، يتقدّمن للحصول على شهادات الدراسات العليا، بعد انقطاع لا بأس به عن التعليم، و يرجع ذلك إلى ازدياد وعي المرأة بأهمية التعليم في حياتها المهنيّة والاجتماعيّة، مظهراً إرادة من النساء السوريّات منقطعة النظير للحصول على تعليم جيّد، مهما بلغ عمرهنّ.

وقد وفّرت تقنية "التعليم المفتوح" فرصة ممتازة للنساء لمتابعة الدراسة الجامعية، بأقساط جامعيّة مقبولة، وأيّام دوام قليلة، وشهادة رسميّة معترف عليها، ليقدّم فرصة ممتازة للمرأة السوريّة للحاق بغيرها من بنات جنسها المتعلّمات.

وتُقدّم للنساء السوريّات منح خاصّة لإكمال الدراسة الجامعيّة وما بعد الجامعيّة في الدول الأوروبيّة والولايات المتحدّة الأمريكيّة، فتبلغ نسبة المستفيدات من برنامج "جسور" والذي يقدم منح دراسية للسوريين نحو 45%.

لكن كانت حظوظ الأخريات في الحصول على تعليم جيّد، وإكمال الدراسة الجامعيّة أقل، نظراً لأسباب عديدة أبرزها كثرة الانتقال من المسكن والأعباء المترتبة على ذلك، سواء كان هذا الانتقال داخلياً ضن المحافظات السوريّة، أو الهجرة والسفر والهجرة غير المشروعة خارج البلاد، أو حتى الانتقال لمراكز الوافدين التي تديرها الحكومة السوريّة في مناطق سيطرتها لاستقبال النازحين من مختلف المناطق .

إنّ هذا الانتقال شكّل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً على الأسر التي خاضته، ما دفع بعضها إلى الإسراع في تزويج بناته لتخفيف الضغوطات الواقعة على الأسرة، مؤدياً في غالب الأحوال إلى انتهاء المسار التعليمي للفتاة.

وبالرّغم من مجانيّة التعليم لكافة المراحل، وإلزاميته حتى الصف التاسع، و تسهيلات تسجيل الأطفال في المدارس دونما أوراق ثبوتية، فإنّ حالات التسرّب من المدارس كانت واضحة وجليّة وبلغت حوالي ال 30 % عام 2014، مما ينذر بخطورة الأميّة وتدني مستوى التعليم بين الجنسين.

في مراكز الإيواء، عمدت الحكومة السوريّة إلى التّعاون مع المنظمات الدولية والجمعيات الأهليّة في سورية ، لتوفير احتياجات التعليم والأدوات اللازمة المدرسيّة، لتشجيع الأهل على إرسال أطفالهم إلى المدارس، وفي دمشق مثلاً تقع غالبية مراكز الإيواء والتي كانت بالأصل مدارس حكومية في شوارع تضمّ العديد من المدارس المتجاورة، مما يسهّل عمليّة إرسال الأطفال إلى المدارس.

و في اللاذقيّة ولضمان عدم انقطاع الأطفال عن دروسهم، تم إنشاء مدرسة في المدينة الرياضية والتي تضم أعداد كبيرة من النازحين تستوعب الطلاب حتى الصف التاسع وهو نهاية مرحلة التعليم الاساسي (الالزامي) .

كما أقيمت العديد من المبادرات التعليمية التي تهدف إلى ترميم النقص الحاصل جرّاء الأحداث الحالية لدى التعليم عند الأطفال، وركّزت هذه المبادرات على تعليم المرأة كونها كانت وما زالت الحاضن والمربي الأول للطفل في المجتمع السوري، وبالتّالي فإنّ الأم المتعلّمة سترّبي جيلاً متعلّماً، وتدفع بأبنائها إلى المدارس والجامعات.

لكن في اللجوء نحو أوروبا يختلف الوضع ; ففي حين يجبر طالبي اللجوء على تعلّم لغة البلد المقيمين فيه، وتُقدّم المنح لطلّاب وخريجي الجامعات، يشكّل الاختلاف الثقافي أزمة لدى الفتيات اللواتي لم يعتدن الخوض في أمور محرّمة، تُعتبر من المسلّمات في المناهج الأوروبيّة، كالخوض في مواد التربية الجنسيّة وغيرها .

لكن ومع كل تلك الصعوبات المرتبطة أساساً باختلاف الثقافات المجتمعيّة  نجد المرأة والفتاة السوريّة تعمل بشكل جدّي لإكمال دراستها في دول اللجوء، وبحسب دراسة أجرتها " جمعية الصناعات الدنماركية ": فإن واحدة من بين كل ثلاث سوريات لاجئات، إما أنهت دراسة جامعية أو بدأت بها".

وكان صندوق الأمم المتحدة للسكان أطلق حملة كبيرة في آواخر العام 2015 باسم " تعليم المرأة يصنع السلام" بالتشاركية مع كثير من الجهات الحكومية والأهلية والمجتمعية وبالطبع ليست الحملة الأولى من نوعها لكنها كانت الأكبر خلال السنوات الأخيرة , ولابدّ من التأشير على التحوّل في الوعي المجتمعي باتجاه تحقيق مزيد من الفرص لتعليم النساء وبالأخص بعد توجه أعداد هائلة من الذكور نحو أوروبا وغيرها .

النساء السوريّات ورغم سنوات الحرب الخمس  ذوات تصميم أكبر اليوم في الحصول على التعليم ، وهذا ما تبثّه الدراسات والاحصائيات التي تطلقها دول اللجوء قبل المؤشرات المجتمعية في داخل سورية , ولايمكن الحديث عن عمليات التنمية باغفال الواقع التعليمي للمرأة وتمتّعها بحقوقها المختلفة , و سيبقى وضع المرأة التعليمي واحداً من أهم القضايا التي يجبُ الاعتناء بها رغم كل تحديات الحرب لما يمثله هذا الأمر من أهمية تمتد آثارها لكل المجتمع .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة