معهد ليفانت للدراسات

المرأة السورية في الأزمة وفرصها في إعادة الإعمار

يناير 15
16:24 2015

حرص الدستور السوري على مساواة المرأة مع الرجل في الحقوق والواجبات كما سمح لها بالدخول في الحياة السياسية والزراعية والصناعية والمشاركة الفعالة في قطاعي التعليم والقضاء، والدخول في مجال الأعمال حتى غدت سورية بيئة خصبة لسيدات الأعمال وسيدات المجتمع المدني بمختلف تخصصاتهن، ولقد كفل القانون والمشرّع السوري لها الحق في ممارسة حياة اجتماعية واقتصادية أسوة بالرجل، وقد حظيت المرأة السورية بالحق التصويت في الانتخابات منذ عام 1949 وأوجدت المؤسسات الرسمية بيئة خصبة لسيدات الأعمال وناشطات المجتمع ورائدات الأعمال.

وبالأرقام ووفق إحصائيات المكتب المركزي للإحصاء فإنه يعمل في سورية العام 2010 حوالي 651 ألف إمرأة، والعام 2011 نحو 615 ألف إمرأة، فيما بلغ عدد العاطلات عن العمل وفق نفس الإحصائيات 183 ألف و362 ألف على التوالي من حجم قوة العمل في سورية والمقدرة بنحو 5 ملايين عامل بين القطاعين العام والخاص. وبسبب الأزمة تضرر النشاط الاقتصادي وارتفعت معدلات البطالة وتراجع النمو وفقدت الكثير من العاملات مصادر دخلهن وبات الحديث عن تأمين مصادر دخل للأسرة من قبل المرأة بعد غياب الرجل إما لانخراطه بالأعمال العسكرية أو لمغادرته البلاد ما ألقى عليها عبئاً إضافياً جعلها "فريسة" سهلة الصيد.

ومنذ بدء الأزمة في سورية مع منتصف آذار 2011 كانت المرأة السورية شريكة الرجل في التعرض لمخاطر هذه الأزمة حيث تضرر عملها وموقعها سواء كانت سيدة أعمال أو موظفة فهي بالنهاية أم وأخت وزوجة، ومر عليها من المآسي الكثير جعلها تفقد عملها ومقامها في المجتمع، فنزحت وهاجرت بحثاً عن الأمان، وهنا كان من الضروري إعادة النظر ورسم دور مناسب للمرأة السورية في مرحلة إعادة الإعمار من أجل المساهمة في تطوير واقعها وتطوير الواقع المجتمعي السوري ككل.

وبعيداً عن السرد التاريخي لإنجازات المرأة السورية والمرأة في بلاد الشام ككل يبقى للمرأة والسيدة السورية خصوصيتها في مختلف المجالات لجهة النجاح والإبداع وتسيدها مناصب إدارية وسياسية، وبحسب الدكتورة سيلفا سيماني فإنها ترى أن "للمرأة السورية مكانة في الأساطير السورية كآلهة أم منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى يومنا هذا".

وترى سيماني أنه كان للمرأة دور في الحضارية السومرية والأكادية والبابلية والاشورية والكلدانية والآرامية والكنعانية بما فيها الفينيقية مشيرة الى الآلهة إنانا أو عشتار إلهة الحب والخصب والإلهة باروت إلهة مدينة بيروت التي أعطت إسمها للجزر البريطانية و الإلهة كولا آلهة الشفاء، وذكرت أسماء أميرات وملكات وإمبراطورات سوريات لعبن أدواراً مهمة على صعيد سورية و العالم، كالأميرة الفينيقية أوروبا التي أعطت إسمها لأصغر قارات العالم القديم والملكة زنوبيا ملكة تدمر والإمبراطورة الرومانية السورية الأصل جوليا دومنا والإمبراطورة البيزنطية السورية المنبت ثيودورا.

 

المرأة السورية خلال الأزمة

ساهمت الأزمة السورية في خلخلة وضع المرأة وأثرت على تمكينها في الوسط الاجتماعي والاقتصادي وبات من الضروري النظر في وضعها واستصدار القوانين التي تساعدها وتمكنها لتجاوز الأزمة والدخول في مرحلة ما بعد الحرب، فالمعاناة كبيرة في المجالات الاقتصادية والصحية والتعليمية، ولقد تركت الأزمة جراحاً عميقة وندبات وآثار ليس من السهل محوها، إذا نحن أمام منعطف تاريخي فالمرأة السورية اليوم ليست كما كانت قبل الأزمة، ومن المهم القول أن الوضع سواء كان سلبا أم إيجاباُ ينعكس على الأسرة وهي المكون الاجتماعي الضامن للأمن والاستقرار.

وأمام نقص الأرقام الرسمية والمعلومات التي تشير إلى وضع المرأة السورية بالتحديد خلال الأزمة، سيواجه المشرعون وراسموا سياسات إعادة الإعمار مشكلة حقيقية تتجسد في عدد المتضررات وفئاتهن وتخصصاتهن، وفي شق آخر مرتبط بخروج رؤوس الأموال التي كانت تديرها سيدات أعمال سوريات والبحث عن أفضل الطرق لإعادة هذه الأموال وتوظيفها في إعادة الإعمار، ويجب البحث عن أكثر القطاعات تعطشاً للأموال كالقطاع العقاري حيث طال ضرر كبير المباني والبنى التحتية التجارية والسكنية  وعلى واضعي السياسات رسم خارطة طريق للمرأة لتوظيف جهدها ونشاطها للحصول على أفضل النتائج، والبحث عن أفضل الطرق من مبدأ السيدة المناسبة في المكان المناسب.

لابد من النظر من جديد بأوضاع النساء الريفيات ممن امتلكن قروض صغيرة وبدأن بمشروع لا يتجاوز سقفه 200 ألف ليرة (الف دولار)، وإعادة توطين هذه الفئة من الأعمال كونها رافد وداعم حقيقي للاقتصاد، وحتى يتحقق ذلك نحن بحاجة لخطط تحصي المتضررات وتفكر بأنجع السبل اللازمة للتمويل، وهنا الحديث لا بد أن يطال المصارف العامة والخاصة وتشجيعها على الإقراض ودعم مؤسسات التمويل الصغيرة عبر استصدار قوانين تحفيزية ودعوة مؤسسات عالمية لفتح فروع في سورية ودعم هذا النشاط الاقتصادي لتعزيز النمو.

ومن ناحية أخرى، يجب التركيز على رائدات الأعمال ممن يمتلكن أفكاراً بحاجة لمن يأخذ بها، فسورية لها تجربة مهمة في هذا المجال وهناك مؤسسات مجتمع أهلي تأخذ على عاتقها تمويل مشاريع رائدة، لكن نحن بحاجة لتعزيز هذه الثقافة واكتشاف هذه الكفاءات والتنقيب عنها في الجامعات والمدارس والبيوت، وتمويلها فكثير من المشاريع العالمية بدأت بفكرة وأصبحت شركات توظف الآلاف وهناك قصص سورية شبيهة، ويجب اعادة توطين الكفاءات من السوريات اللواتي خرجن بسبب الحرب بحثاً عن الأمان وتوظيفهم في المجالات التي تفيد سورية بعد الحرب.

ويجب إشراك سيدات الأعمال ورائدات الأعمال والخبيرات في مختلف المجالات التنموية والمالية والاقتصادية في ندوات الحوار واللقاءات البنّاءة الهادفة إلى رسم سياسات تمكين المرأة السورية بعد أن أضعفتها الأزمة وأتت على أغلب إنجازاتها كما هو الحال مع بقية فئات المجتمع، ولا بد من سماع هذه الأصوات كونها خبيرة بالوضع المحلي والأقدر على تخيل وضع السوريات فيما لو وضعت الخطط على السكة الصحيحة.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

 

 

تقارير ذات صلة