معهد ليفانت للدراسات

المدن السورية .. خصوصيّات كرّسها النزاع

المدن السورية .. خصوصيّات كرّسها النزاع
مارس 11
09:25 2016

يخطئُ من يعتقد أن الأرض السورية تنقسم إلى مناطق تحت سيطرة الحكومة وأخرى خارجها فقط , الحقيقة أنّ كل مدينة أو بلدة تعيش مستوى من الأمان والتأثر بيوميات الحرب مختلفاً عن الأخرى , حيث لعب التنوع الطائفي والعرقي والديني والموقع الاستراتيجي دوراً كبيراً في تحديد ملامح هذه الخصوصيات وربما توظيفها .

في الوسط تحاولُ حمص استعادة عافيتها , تنقل ورشات المحافظة الأتربة والمخلفات يوميّاً , تقوم البلديات بمدّ الكهرباء والماء والهاتف لمن يعود للأحياء المدمّرة , تساعد الجمعيات الخيريّة وبرامج الأمم المتحدة على ترميم بعض المحال والمنازل جزئيّاً , ورشات الترميم لجامع خالد بن الوليد انطلقت بتوجيهات عليا ويصرف عليها الملايين , الكنائسُ أيضاً تلمّع أجراسها وترمم ما خلّفته الحرب , يعود السكان تدريجيّاً بشكل خجول للأحياء القديمة , أعدادٌ كبيرة هاجرت وأخرى انتقلت نحو مناطق متفرّقة بحسب انتماءاتها , مدينةٌ أرهقتها الحربُ ؛ مازالت المعارك قائمة في جيوبها , التفجيرات في بعض الأحياء ذات الأغلبية المسلمة العلويّة مستمرّة رغم كل الاحتياطات الأمنية والواقع الاقتصادي في حمص متردّياً يشبهُ كلّ سورية  .

في الجنوب السوري حيثُ السويداء ثمّة مدينة تعيش حياةً مختلفة , بعد أحداث شغب واحراق في الأشهر الأخيرة وتحركات سرعان ما انفضّت تعيشُ المدينة تحت وقع الهدوء الحذر , المدينة وقراها التي يُشكل الموحدون الدروز معظم أهلها حافظت على مساحات مختلفة من أطراف النزاع في سورية ولم تنخرط بشكل مباشر أو دموي رغم مواقف واضحة من كبار المشايخ والزعامات التقليدية بالوقوف مع خيار الدولة ورفض التوجهات المتشددة التي تعتنقها أغلب الفصائل المعارضة ؛ بمقابل ذلك هناك حراك مدني معارض بدأ مبكّراً في السويداء وان كانت امتداداتُه موجودة حتّى اليوم فإن معظم مريديه قد أصبحوا خارج الحدود , تسهيلات من الدولة لشباب المحافظة لتكون خدمتهم العسكرية الالزاميّة داخلها , ورغم ذلك يتخلفُ كثيرون عن الالتحاق بالجيش السوري هناك ويفضلون الانزواء داخل المحافظة .

في الساحل السوري تعيشُ اللاذقية اليوم بشكل مختلف عن سنوات الأزمة السابقة , فالروس في قاعدة حميميم العسكرية حرّكوا اقتصاد المحافظة , وانتشرت المحال والمطاعم التي تحاول اجتذابهم , فيما تشيّعُ القرى حول المدينة يوميّاً الضحايا وتستقبلُ الجرحى في ظل حاجاتٍ مجتمعيّة متزايدة تحتاج للدعم .

سقوط المدن والبلدات بيد الاسلاميين لم يكن كوارث على مستوى الدولة وسكان هذه المدن فقط , بل كان دروساً للمدن الأخرى , وضعَ النزاع الدائر في سورية المدن أمام خيارين : البقاء تحت سيطرة الحكومة وتشكيل قوات الدفاع المحلية والانخراط تماماً مع الحكومة في مختلف التوجهات أو فسحُ المجال أمام الاسلاميين ليقيموا محاكم شرعيّة ويطبقوا أنظمة حكم محليّة تستهدفها الطائرات وتتوعدها قوات الجيش السوري والقوات الرديفة يوميّاً مع تطبيق حصار مجهدٍ في بعض المناطق الاستراتيجيّة على مستوى الدولة.

تتجاهلُ الحكومة فقدانها السيطرة على مساحات واسعة بات يسيطرُ عليها تنظيم الدولة الاسلامية , بل انّ رواتب الموظفين الحكوميين في الرقّة مثلاً ما زالت تدفعُ في بداية كلّ شهر رغم تعطّل كل المؤسسات الحكومية والخدمية واستبدالها بأخرى محليّة أنشأها التنظيم ليدير مناطقه ويسدّ احتياجات مقاتليه بالدرجة الأولى , والقيادات الحكومية هناك انتقلت لدمشق تنتظرُ عودتها وتحاول ادارة الشؤون المختلفة للنازحين من المحافظة .

تؤكّد الحكومة على سوريّة موحّدة , تتجاهلُ أحاديث الفيدراليّة , ترفض رفضاً قاطعاً التقسيم والتحاصص المناطقي والمذهبي , تعجزُ حتّى الآن عن طرح بدائل تسايرُ الواقع الجديد في الشمال الشرقي حيث يسيطر الأكراد تماماً هناك , تميلُ لتجاهل نفوذهم بل وتعتبر قواتهم قواتاً رديفة للجيش السوري تخوض ذات المعركة رغم أبعاد واضحة ومعلنة لمكوّنات كرديّة مقاتلة وفاعلة حول سورية فيدراليّة .

 

مدنٌ أرهقها النزوح , أخرى تعيدُ اعمار احيائها نسبيّاً , ومدن تعيش بلا كهرباء أو مياه فحلبُ باتت فيها الآبار المحفورة في الأحياء هي المياه الرئيسيّة للشرب وقد تمرّ عدّة شهور قبل أن يرى السكان هناك نور الكهرباء الحكوميّة , تتنافس الفصائل المعارضة قطع الطرق والامدادات بين المدن تحت سيطرة الحكومة وتتبادلُ النفوذ لتأمين احتياجاتها , وليس ذلك ببعيد عن العاصمة فمسلّحي الريف في عين الفيجة ومحيطها قاموا منذ سنوات بتفخيخ منبع نهر بردى تهديداً للقوات الحكوميّة بأن أيّ محاولة للتقدم سيقابلها تفجير المنبع وغور المياه وتحويل دمشق لمدينة عطشى .


تأثّرت جميعُ المدن بتكاليف الحرب المرهقة ولكنّ الفواتير المدغوعة مختلفة ومتباينة وليس وجود المدن تحت سيطرة الحكومة يجعلها تعيشُ الأمان والخدمات وليس خروجها عن السيطرة يحوّلها لمدن ملأى بالحريات , فالتجارب في المناطق التي تسيطر فيها المعارضة تشيرُ لنظم أمنية واستخباراتيّة أشدُّ من تلك التي ثاروا لانهائها .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة