معهد ليفانت للدراسات

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان .. بدائل التوازن

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان .. بدائل التوازن
مارس 26
08:51 2015

قدم رئيس وزراء لبنان الأسبق، فؤاد السنيورة، شهادته أمام المحكمة الدولية موضحاً تفاصيل ربما  تحسم أي جدل بشأن عملية اغتيال رفيق الحريري، لكن "الشهادة" بذاتها تقدم صورة غير مسبوقة عن "شرعية" إضافية داخل لبنان، فتوجه السياسيون باتجاه المحكمة هو حفاظ على حدود هذه "الشرعية" التي على ما يبدو تؤمن توازن داخل لبنان، وتتيح خلق وضع سياسي يسمح بعدم انتخاب رئيس للدولة دون أن تنهار توافقات القوى اللبنانية، وتبقى التفاصيل أو التلويح باتهامات باغتيال الحريري "سلطة معنوية" أقرها اللبنانيون من خلال المشاركة بتمويل هذه المحكمة، فهي وبعد ست سنوات تظهر كمؤسسة قادرة على التأثير بقوة في المعادلة الداخلية للبنان، وتكوين عوامل إقليمية أيضاً ترسم خطوط الصراع داخل المحاور في الشرق الأوسط.

المحكمة… تعويض الشرعية

تعبر ظروف نشأة المحكمة الدولية عن أزمة في مسألة الشرعية، فالتسلسل الزمني يوضح أن ظهورها ارتبط بالتأثير على الأدوار الإقليمية في الشرق الأوسط، فقبل المحكمة كان هناك لجنة تحقيق دولية بصلاحيات عالية، شكلت سلطة على أصحاب القرار وسعت لتصفية واقع سياسي استمر منذ دخول الجيش السوري إلى لبنان، فهذه اللجنة لم توجه اتهامات فقط بل منحت شرعية لفريق سياسي، وهو ما أدى لظهور الاستقطاب المستمر حتى هذه اللحظة بين قوى 8 و 14 آذار، وضمن مرحلة ما قبل المحكمة يمكننا تلمس مؤشرين أساسيين:

  • الأول ظهور حكومة سياسية مختلفة كلياً في توجهاتها الإقليمية وذلك بعد فترة قصيرة من اغتيال رفيق الحريري، وهذه الحكومة مثلت تحولاً واضحاً لأنها اعتمدت على ضمانات دولية بعيدة عن شرعية اتفاق الطائف الذي شكل الإطار لنهاية الحرب في لبنان.
  • الثاني انسحاب الوحدات العسكرية السورية من لبنان، وهو انسحاب يؤسس لعلاقة سياسية مختلفة، فالمرجعية السياسية السورية التي استمرت لأكثر من عقدين تم تعويضها بمرجعية دولية وإقليمية، وهو ما دفع الحكومة اللبنانية لطلب تأسيس المحكمة في 13 كانون الأول عام 2005، ورغم أنها لم تباشر عملها الكامل حتى عام 2009، لكن قرار التشكيل الصادر عن مجلس الأمن ضمن شرعية دولية للحالة السياسية الناشئة في لبنان.

المحكمة على المستوى الدولي شكلت سابقة، فلأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية يتم تشكيل محكمة للتحقيق في قضية اغتيال محلية، فمهمتها محاكمة المسؤولين المفترضين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005 ببيروت، وأصبح قانون إنشائها فاعلاً اعتباراً من 10 حزيران 2007, وأما أولى جلساتها فلم تعقد حتى شهر آذار من عام 2009 في مدينة لاهاي الهولندية، ومنذ تلك الفترة تتحول ادعاءات فيها باتجاهات مختلفة، فهي تخلت عن كافة "الشبهات" الأولى التي رسمتها لجنة التحقيق الدولية برئاسة الألماني ديتليف ميلس، لكنها تعود دائما إلى تلك الشبهات عبر شهادات السياسيين اللبنانيين بالدرجة الأولى، وفي المقابل فإن نوعية صلاحياتها جعلها تصطدم أكثر من مرة مع قوى سياسية لبنانية وعلى الأخص حزب الله.

ويوضح اختصاص المحكمة مدى التأثير داخل لبنان، فولاية المحكمة  لاتقتصر على مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن اغتيال الحريري, بل يمكن توسيع مهامها في حال رأت المحكمة أنّ هجمات أخرى وقعت في لبنان؛ خلال الفترة الواقعة بين 1 تشرين الأول 2004 و12 كانون الأول 2005؛ لها نفس الطبيعة والخطورة لما حدث في عملية الاغتيال الأساسية، ومن جانب يمكن إدراج الجرائم المرتكبة بعد 12 كانون الأول 2005 ضمن اختصاص المحكمة، إذا قررت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة ذلك، وبموافقة مجلس الأمن، وكافة هذه الصلاحيات يمكن أن تشكل علاقات جديدة على مستوى القوى اللبنانية، فالمشكلة الأكبر في قضية المحكمة أنها  تستطيع أن تكون "جنائية" بالمطلق فالاتهام سياسي طالما أن الاغتيال هو لشخصية سياسية، إضافة لكونها محكمة تم تشكيلها بطلب من فريق سياسي أيضاً، فالاتهامات التي وجهت سابقاً كانت تستدعي استنفار فريق ضد آخر، فالمحكمة ضمن قانونها وخلافاً لكافة المحاكم الدولية تعمل بمقتضى نظام هجين؛ مستمد من القانون الجنائي اللبناني، إضافة لقضاء لبناني – دولي مختلط نظراً للحساسية السياسية للقضية.

 

أما المأزق الثاني فمتعلق بموضوع "السيادة"، فهي محكمة قادرة على التدخل في الشؤون السيادية للبنان؛ مدعومة بشرعية دولية من مجلس الأمن، فجهازها وبغض النظر عن استقلاله السياسي، مضطر للتعامل مع تفاصيل سيادية لبنانية، وهذا الأمر حدث مراراً عندما كانت ضرورات التحقيق تتطلب بيانات، خصوصاً عندما تركز التحقيق على الاتصالات الهاتفية، فجهاز المحكمة يمارس مهاما من المفترض أن تكون ضمن اختصاص أجهزة الدولة السيادية.

وفق الصورة العامة للمحكمة، وعلى الأخص طبيعة الشهادات المقدمة من السياسيين اللبنانيين، فإن اختصاصها الجنائي شكل غطاءاً سياسياً دون أن يكون قادراً على ملامسة خيوط الاغتيال الأساسية، فالمهم في لحظة تشكيلها هو الإقرار بـ"هيئة دولية" تمارس سلطة معينة، أمام مسار التحقيق فمن الصعب تحديد احتمالات وصوله لنهاية منطقية، فهيئة المحكمة تؤمن شرعية لواقع سياسي لبناني، وتحفظ رمزية خاصة لمرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري، رغم كافة التحولات التي عاشها لبنان منذ تلك المرحلة.

 
جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة