معهد ليفانت للدراسات

المجازر في بلاد الشام .. تاريخ السياسة الأسود

المجازر في بلاد الشام .. تاريخ السياسة الأسود
مايو 04
21:16 2015

44444ccبعد مائة عام على مجازر الأرمن تبدو صورة أكثر تواترا مما نعتقد، فمسألة التصفيات "العرقية" أو "المذهبية" شكلت مدخلا دائما لإعادة صياغة بلاد الشام، وهو أمر نشهده اليوم حيث أدت أعمال العنف والتصفيات الممنهجة أيضا إلى نزوح ما يقارب 7 ملايين سوري، بينما تبدو الحدود الشمالية لسورية منطقة تتم إعادة تشكيلها سكانيا، فـ"المجزرة" التي كان غرضها خلال المراحل التاريخية، وخصوصا في المرحلة العثمانية، إعادة التحكم السياسي والإداري، أصبحت اليوم تحمل هدفين أساسيين:

الأول ضمان احتكار عامل القوة من خلال التأثير في العوامل الاجتماعية، فأي مجزرة، مهما كانت محدودة، تصبح في ظل الإعلام المعاصر ظاهرة مرعبة تدفع السكان للهرب، مما يشكل تفتيتا للبنية الاجتماعية.

الثاني تحويل الصراعات السياسية إلى قضايا إنسانية داخل الأمم المتحدة، ما يتيح رسم ملامح سياسية وكسب أوراق داخل الأزمات الإقليمية، فالتدخل الإنساني يشكل تقليصا لسيادة الخصم على أراضيه.

النموذج الأخير لاستخدام المجازر كان خلال الحرب الأهلية اللبنانية، فهو استخدم لإعادة الفرز السكاني ولإعادة رسم وظائف التواجد الفلسطيني في لبنان، وفي الأزمة السورية هناك ملامح أيضا لعمليات توظيف "المجزرة" من أجل إعادة تشكيل الأزمة السورية، ففي وقت مبكر وقبل أن نشهد تصفيات حقيقية؛ أدى الخوف إلى نزوح كبير نحو الأردن وتركيا، ففي مدينة جسر الشغور وفي عام 2011 أدت سيطرة المسلحين إلى هجرة جماعية من المدينة التي استعادها الجيش لاحقا، لتعود التشكيلات المسلحة إليها بعد أربع سنوات.

ارث المجازر

إن التركيز على المجزرة كظاهرة يحول مسألة مذابح الأرمن باتجاه مختلف، لأنه ضمن هذه الظاهرة تم إزاحة أعداد هائلة من الفلسطينيين أيضا خارج أراضيهم خلال نكبة 1948 وخلال حرب 1967، فالظاهرة هي التي تؤثر في السلوك الاجتماعي كونها تملك تأثيرا نفسيا واضحا، فالحكومة التركية على سبيل المثال لم تكن قادرة على فرض شروطها في سان ريمون 1920 لو لم تقم بعمليات إفراغ لمناطق كيليكية، وهذا الأمر تكرر مع التواجد الإسرائيلي في فلسطين، فعمليات الهجرة ساعدت في إثبات الشرعية من جهة والتحكم بمناطق تواجد "الدولة الإسرائيلية".

 

تاريخيا فإن ظاهرة المجازر في المرحلة المتأخرة للدولة العثمانية كانت أكثر وضوحا، لأنها ارتبطت بواقع دولي جديد وضعت فيه خريطة العالم وفق سياق مزاحمة النفوذ على الأسواق العالمية، وهذا التماس مع العالم لم يزعج فقط السلطنة بل أتاح أيضا لمكوناتها السكانية إعادة النظر في واقعها، وكانت تكفي حالة التمايز والتجمع ضمن أطر ثقافية مختلفة عن العثمانيين لحصول احتكاك عنيف مع السلطنة أو مع المكونات السكانية نفسها، ونستطيع عبر استعراض أهم المجازر لنلاحظ أنها كانت تعبر أيضا عن تحولات سياسية على مستوى بلاد الشام عموما:

مع بداية الدخول العسكري العثماني إلى بلاد الشام أعادت السلطنة توزيع جيوشها من الانكشارية، وهي كغيرها من الاجتياحات العسكرية، الصليبية والمغولية على سبيل المثال، استباحة المدن مغيرة بذلك الواقع الاجتماعي من خلال الإفقار والتفريغ السكاني، ففي عام 1515 تمت استباحة حلب ومعرة النعمان اسبوعا كاملا سقط خلالها وفق المصادر 40 الف في حلب و 15 ألف في معرة النعمان. بعد ذلك بعام تقريبا تم استباحة دمشق في 1516 ثلاثة أيام قتل خلالها 10 آلاف شخص، وفي نفس العام أُستبيح ريف ادلب وحماة وحمص والحسكة مما أدى لتحول كامل في البنية السكانية نتيجة الموت قتلا أو جوعا، أو الهروب باتجاه المدن الأخرى.

في القرن التاسع عشر حدثت مذابح "بدر خان" (1847)، وهي لم تكن فعلا مباشرا للعثمانيين، بل نتيجة صراع النفوذ داخل السلطنة بعد أن وصل النفوذ البريطاني إليها، وراح ضحيتها أكثر من 10 آلاف في منطقة حكاري، الموجودة الآن ضمن الدولة التركية، ويمكن وضع هذه المذابح ضمن أحداث الصراع الدولي بعد خروج الجيوش من سوريا، فما بين 1841 – 1860 حدثت مجازر في منطقة حاصبيا والشوف والمتن وزحلة قتل فيها اكثر من 82 ألف لبناني.

ضمن نطاق صراع النفوذ أيضا جرت مذابح 1860 بين السكان في المنطقة الممتدة من دمشق الى ساحل لبنان والبقاع، وكانت الدولة العثمانية ترى في هذا الأمر تصفيات حسابات، فالصراع حدث بين السكان بسبب وقوف المسيحيين مع محمد علي باشا، وأدى هذا الاقتتال إلى زيادة نفوذ القناصل البريطانيين في المنطقة، ففي دمشق تم قتل 25 الف من السكان من قبل مواطنيهم تحت نظر السلطنة العثمانية وبمساعدة جيشها، ونهبت بيوتهم وأحرقت وتشردوا وبيعت ممتلكاتهم.

في نهاية القرن التاسع عشر أصبحت المجازر تعبر عن ضعف الدولة في مواجهة النفوذ الخارجي، حيث نفذت بهدف التهجير ومنع البعثات الأجنبية من التواجد، ومابين  1894-1896 حدثت مجازر في ولاية ديار استهدفت سكان المنطقة من المسيحيين. 1895، وتتحدث المصادر عن سقوط  15 ألف من الأرمن والسريان والآشوريين، وتكرر المشهد عام 1909 فقتل 30 الف أرمني في أضنة على يد جيش العثمانيين، وما بين 1914 – 1916 سقط 600 ألف من السريان والكلدان و الاشوريين في منطقة جبال طوروس وجبل آزل وماردين والهاكاري، أما في الأعوام الممتدة من 1915 – 1916 فقتل حسب بعض الروايات مليون وربع المليون أرمني في منطقة ديار بكر – ارمينيا – اذربيجان – شمال العراق – شمالي حلب -الشدادة الحسكة و دير الزور- الاناضول – اضنة – طور عابدين – طوروس، ومن عام 1916 وحتى عام 1920 حدثت مذابح "سيفو" التي راح ضحيتها ما بين 400 – 500 الف في سهل اورميا من الآشور والكلدان والسريان.

والواضح أن رسم ملامح "ظاهرة" المذابح كان متوافقا مع التشكيل السياسي الحالي لدول المنطقة، فهي تسبق أي محاولة لإحداث تحولات عميقة، وهذا الأمر يدفع إلى فهم انتشار "داعش" اليوم على امتداد خط الحدود مع تركيا، وربما عمليات الإفراغ السكاني التي تحدث على امتداد سورية أيضا، واسترجاع مذابح الأرمن على المستوى الدولي لا يملك سوى أهمية واحدة: هي الواقع الخطير للعبث بالتوزع الديمغرافي في مناطق التنوع، لأن هذا الأمر ينعكس في ظل عالم متصل إلى أزمات متعددة تبدأ بالهجرة وربما لا تنتهي بانتشار الإرهاب.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة