معهد ليفانت للدراسات

المبادرة الفرنسية تحرك المياه الراكدة بين الفلسطينين والإسرائيليين

المبادرة الفرنسية تحرك المياه الراكدة بين الفلسطينين والإسرائيليين
يوليو 06
11:19 2016

بعد أحداث الشرق الأوسط المتسارعة والصراع الكبير على النفوذ بين أمريكا وروسيا، ترى باريس نفسها بعيدة أو مقصاة بفعل فاعل عن منطقة لطالما كانت اللاعب الأول فيها، ويكفي أن تذكر أن أحد مهندسي تقسيم المنطقة بداية القرن العشرين كان الفرنسي فرانسوا جورج بيكو مع زميله البريطاني مارك سايكس.
 

هذا كله كان دافعاً لـ"الكي دورسيه" وقصر الإليزيه للبحث عن موطأ قدم جديد في المنطقة تعيد للدبلوماسية الفرنسية هيبتها الضائعة، فكانت المبادرة الفرنسية الجديدة لتنشيط عملية السلام المتوقفة بين الفلسطينين والإسرائيليين، والتي تتمحور حول خمسة بنود: أولها مبادئ لحل الصراع على غرار تثبيت حدود الرابع من حزيران 1967 مع تبادل أراض بين الطرفين، وجعل القدس عاصمة مشتركة بين الدولتين، إلى جانب تحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال، وعقد مؤتمر دولي للسلام.
 

هذه الأفكار طرحها وزير خارجية فرنسا السابق لوران فابيوس خلال زيارة لفلسطين المحتلة ولقائه كل من محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، وبنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل.
 

ولكن ما الجديد في المبادرة الفرنسية أليست مشابهة لكل المبادرات الخاصة بعملية السلام بين طرفي النزاع، أليست نسخة طبق الأصل عن مبادرة الملك عبد الله التي أقرت في قمة بيروت 2002، ولكن المتابعين للمبادرة الفرنسية يؤكدون أنه عندما أطلقها لوران فابيوس كانت تتضمن مهل زمنية تمتد إلى سنة ونصف من المفاوضات، وتهديد فرنسي جدي بالاعتراف من طرف واحد بالدولة الفلسطينية في حال عدم رضوخ إسرائيل لشروط المبادرة، ولكن بفعل الضغوط الإسرائيلية واللوبي الكبير الموالي لها في فرنسا، فقد تراجعت باريس عن شرط المهلة الزمنية، إضافة إلى تمييع مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعدم وضوحها في الطرح النهائي.

 

أما الجديد في المبادرة الفرنسية والتي يجعلها مختلفة عن سابقاتها فهو تضمينها في أحد بنودها أنه بحال نجاح المفاوضات والتزام الطرفين بما تم الاتفاق عليه، فيجب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية لكل يهود العالم، مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهذا ما تطمح إليه القيادة الإسرائيلية وتصر عليه في كل لقاء دولي بين الطرفين، وهو هدف جميع الأحزاب اليمنية التي تقود إسرائيل هذه الأيام.
 

والأمر الثاني هو رعاية المفاوضات من قبل مجموعة دعم دولية تضم دولاً عربية ومن الاتحاد الأوروبي وأعضاء من مجلس الأمن الدولي، ما يعني نعياً رسمياً للرباعية الدولية ودورها، وإسناد الدور لمحور إقليمي تقوده السعودية، حيث تسعى بنفوذها المالي لتمرير المبادرة والقبول بها.
 

بعد الطرح ودعوة باريس لعقد ملتقى دولي في ربوعها لتنشيط العملية السلمية بين الطرفين، أبدت الإدارة الأمريكية تململها من الطرح الفرنسي، وهذا بدا واضحاً من خلال عدم رغبة وزير خارجيتها جون كيري في الحضور بالموعد الأول الذي حددته الخارجية الفرنسية بحجة ضغط المواعيد، قبل أن يقبل ويحضر لاحقاً..
 

الطرفين المعنيين بالمبادرة، فالفلسطيني وعبر سلطة رام الله رحبت بالمبادرة واعتبرتها فرصة جيدة لتنشيط عملية السلام، في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها المنطقة، فيجب استغلال الفرصة والعودة إلى طاولة المفاوضات، أما فصائل المقاومة التي تتبنى الخيار العسكري فقد رفضت المبادرة جملة وتفصيلاً واعتبرتها في حال تطبيقها نكبة جديدة لفلسطين بعد نكبة 48.
 

و إسرائيل ورغم كل الشروط التي صيغت وفق ما يتمناه فقد رفض المبادرة أيضاً جملة تفصيلاً وعلى لسان كل قادته والتي كان آخرها ما قاله بنيامين نتنياهو مؤخراً عندما هاجمها واعتبرها مبادرة داعمة للجانب الفلسطيني، ومعتبراً أن الظرف الذي تمر به المنطقة لا يسمح بفرض شروط على تل أبيب.
 

أما عربياً فقد رحبت جامعة الدول العربية على عجل بها داعية كل الأطراف إلى اقتناص الفرصة وتحقيق السلام في المنطقة، وإن كان موقف الجامعة مريباً خصوصاً أن قراراتها ومبادرتها تدعو إلى حل دولتين وليس دولة يهودية الذي هو صلب المبادرة الفرنسية، ومرد الترحيب إلى الضغط السعودي الكبير الذي مورس على مجلس وزراء الجامعة العربية للقبول بها، والذي يأتي في ظل العلاقات المتنامية باضطراد بين الرياض وتل أبيب في الآونة الأخيرة.
 

لاشك أن المبادرة الفرنسية رغم كل ما تضمنته من شروط يراها البعض بأنها قيست على مقاس قادة تل أبيب ومطالب إسرائيل التاريخية، وقضمت قسماً جديداً من الحقوق الفلسطينية، إلا أنها حركت المياه الراكدة بين الطرفين وفتحت الطريق أمام الكثير من الاحتمالات والمبادرات التي قد ترضي طرفاً وتزعج أطرافاً أخرى.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة