معهد ليفانت للدراسات

المبادرة الروسية للسلام بين الفلسطينين والإسرائيليين

المبادرة الروسية للسلام بين الفلسطينين والإسرائيليين
يناير 27
07:45 2017

بعد أن هُمِّشت روسيا قبل أربعة عقود كلاعب أساسي في الشرق الأوسط ، لتحل الولايات المتحدة الأميركية مكانها كقوة مؤثرة في المنطقة، عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للعمل على استثمار تراجع التأثير الأميركي لتعزيز مكانة روسيا في الشرق الأوسط، وهذه المرة من بوابة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، خاصة بعد أن نجح تدخلها العسكري في سورية في تقديمها كلاعب مهم في صياغة المعادلات السياسية بالمنطقة، ويبقى التساؤل المطروح أن الفلسطينيين والإسرائيليين لم يليّنوا مواقفهم لواشنطن فهل سيفعلون مع موسكو؟
 

تعمل موسكو اليوم لتقديم مبادرتها حول الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني، بداية عبر عقد قمة في موسكو بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ورئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لدفعهما إلى استئناف المفاوضات.

الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي لم يجيبا بحماسةٍ في بادئ الأمر، برغم أنه خلال العاميين الماضيين، جرت أربعة لقاءات رفيعة المستوى بين تل أبيب وموسكو، في جزء منها نوقش الموضوع الفلسطيني، كما طرح ذلك خلال زيارة عباس، ووزير خارجيته، رياض المالكي، إلى موسكو.

وفي 25 تموز الماضي، بعث بوتين بخطاب إلى المشاركين في اجتماع جامعة الدول العربية، في موريتانيا، عرض فيه الصيغة الروسية المقترحة لحل الصراع، قائلاً إن "الوضع الراهن للقضية الفلسطينية لم يعد مقبولاً، لذلك يجب استئناف عملية السلام، الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية، تكون عاصمتها القدس الشرقية، وتعيش بسلام إلى جانب جيرانها".

بداية طرحت موسكو مبادرتها على الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي بادر بدوره إلى الدعوة إلى قمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في مصر، لكن الروس يسعون إلى "تعريب" المبادرة عبر الحصول على دعم من جامعة الدول العربية.
 

أما الفلسطينيون، فأعربوا من حيث المبدأ عن موافقتهم على حضور القمة في موسكو، شريطة أن توقف إسرائيل بناء المستوطنات في الضفة المحتلة وتطلق الأسرى الفلسطينيين، وفي الجانب الإسرائيلي، لم تكن تل أبيب راضية عن المبادرة الروسية، ورفضت في البداية التعليق على الموضوع، ما دفع إلى سلسلة ضغوط روسية، ظهرت في الانتقاد الذي وجهه دبلوماسيون روس في الأمم المتحدة ضد سياسة إسرائيل بشأن بناء المستوطنات في القدس، كما أعلنت موسكو أنها لن تدعم تل أبيب في الأمم المتحدة، إذا جرى التصويت على مشروع قرار بشأن الصراع، لذلك قررت إسرائيل في النهاية الرد إيجاباً على المبادرة الروسية، بعدما أجرى كل من نتنياهو وبوتين اتصالاً ناقشا فيه الشروط والتبعات.
 

وفي أواخر العام الماضي، وصل إلى إسرائيل بوغدانوف لتنسيق قضية "قمة موسكو"، برغم أن الظروف التي ستمكّن من تحقيق هذه المبادرة تقابلها صعوبات كثيرة قد تعيق تحقيقها، فضلاً عن الاعتراضات الفلسطينية والإسرائيلية الحالية واللاحقة.

الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني يجدان صعوبة في تحديد الوقت المناسب للّقاء، كما أن الفلسطينيّين متمسكون بشروطهم المسبقة، أمّا الولايات المتحدة، التي قادت مسار التسوية لمدة طويلة، فلم تصدر منها إشارة واضحة حتى اللحظة، كذلك الأمر بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي لم يأخذ موقفاً واضحاً، ولا يبدي من جهته تغييراً في موقفه المتعلق بالمبادرة الفرنسية، بل إنه غير معني بتغيير سياسته اتجاه روسيا نتيجة نزاع الأخيرة في أوكرانيا.

قد تجد روسيا دعماً من الرئيس الفلسطيني الذي يعيش وضعاً داخلياً صعباً، في ظل رغبته بالاستمرار في الرئاسة، لكن أي حل سيمضي فيه، بما في ذلك المبادرة الروسية، سيحتاج إلى توافق فلسطيني واسع، لن يتم قبل حسم الخلافات داخل المؤسسات الفلسطينية
.

أما إسرائيل فيبدو إبداء اهتمامها بالمبادرة الروسية نابع من رغبة نتنياهو في ألّا يفهم أنه رافض للسلام، بجانب خوفه من الإضرار بعلاقته الحساسة مع روسيا، وقد يكون الدافع أيضاً الاعتقاد بأن مبادرة موسكو وتوقيتها من شأنهما تحييد مشكلات مثل قرارات مجلس الأمن، لكن يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار أن موافقة تل أبيب على المشاركة في القمة تجري بمشاورة واشنطن.

كما أن إسرائيل باتت تدرك أن مواقف روسيا الأساسية المتعلقة بالصراع تميل إلى مواقف الفلسطينيين، وكذلك الحال بالنسبة إلى القضايا الإقليمية الأخرى، بما في ذلك مكانة إيران الإقليمية، ومستقبل سورية والمحور المؤيد للرئيس السوري بشار الأسد، وسيكون لكل ذلك تأثيره على تجاوب تل أبيب مع مبادرة موسكو.
 

ربما تنجح روسيا في جمع نتنياهو وعباس لديها، لكن فرصة تحقيق انفراج يقود في النهاية إلى اتفاق إسرائيلي ــ فلسطيني ضعيفة جداً، وسيكون صعباً تحقيق اختراق لدفع قطار متوقف منذ نصف قرن في ظل التعقيدات التاريخية التي تلفّ القضية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة