معهد ليفانت للدراسات

الليرة السورية .. نقطة اللاعودة

فبراير 18
09:59 2015

أصبح من الواضح لمتتبع خطة سير الليرة السورية أمام العملات الأجنبية وسلة العملات العالمية أنها ماضية في طريق لا رجعة فيه وهو "التراجع" ما لم تستأنف عجلة الإنتاج الاقتصادي الدوران، وبالتالي إيجاد حل حقيقي وجذري للمشكلة وهي اقتصادية بحته كما يقول الخبراء والمنظمات الاقتصادية الدولية. فبعد مضي 4 أعوام على الأزمة السورية بات هذا الخط واضحاً وأن كل ما يبذل من جهود لكبح جماح هذا التراجع ما هو إلا وصفات للحفاظ على سعر الصرف عند حد معين دون مزيد من القفزات.

فسعر الصرف في السوق السوداء انطلق خلال السنوات الأربع الماضية منذ 2011 من 47 ليرة ووصل اليوم إلى 230 ليرة أمام الدولار، وفي السعر الرسمي تجاوز مؤخراً 200 ليرة لأول مرة. وخلال هذه الفترة بقي السعر الرسمي يلحق السوق السوداء إلى أن تجاوز 200 ليرة خلال شباط الجاري. 

 

وفي الكلام عن السوق السوداء والمضاربة على الليرة السورية في الداخل والخارج نجد أن جهود المصرف المركزي وهو اللاعب الأساسي في العملية كانت تسير في الاتجاه الصحيح عبر قمع المخالفين ومعاقبة الشركات التي تخالف القرارات الناظمة للسوق، لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة حقيقية، هو هل نجح المركزي في ذلك؟ لماذا لا تزال الليرة تتراجع؟ هل المضاربون ووسائل الإعلام هي السبب فعلاً كما يعلمنا تصريحات المسؤولين؟ اقتصادياً بالطبع لا، السبب هو أنه لا يوجد روافع داعمة لليرة السورية وهنا نقصد قطاعات اقتصادية كانت تدر قطعاً أجنبياً يحافظ على سعر الليرة عند مستوى محدد ويساهم بالناتج القومي، فقطاع السياحة منهي تماماً، وكذلك النفط، أرقام الصادرات خجولة، تحويلات العمالة في الخارج لا تذكر، هنا المشكلة الحقيقية. متى انطلقت هذه القطاعات صار وضع الليرة أفضل ووقتها ستبدأ باستعادة عافيتها.

وفي جانب آخر، يمكن طرح السؤال التالي، إلى متى سيبقى المصرف المركزي يتدخل بالسوق عبر بيع القطع للشركات ومن ثم بيعه للمواطنين، ألا يوجد طريقة أنجع من هذه؟، يقول رئيس قسم المصارف في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق أكرم الحوراني لصحيفة الوطن: يجب إعادة النظر في مختلف جوانب إدارة السياسة النقدية، وأن تعمل هذه الإدارة على استخدام أدوات أخرى غير التدخل بيعاً للقطع الأجنبي.

ويعلق على قرار المركزي الأخير بالتدخل في سوق القطع اللبناني: أن "انتقال مصرف سورية المركزي من سوق دمشق لسوق بيروت أعطى للقائمين على إدارة السياسة النقدية المزيد من التخطيط والعشوائية، متسائلاً "من أين خرجت هذه الكتل النقدية الضخمة من الأموال؟ وكيف تواجدت في الأسواق خارج سورية؟ وأكد رئيس قسم المصارف أن هناك بعض قرارات الحكومة تؤثر بشكل سلبي في سعر الصرف مثل تخفيض رسم الإنفاق الاستهلاكي على السيارات والجوالات أو التلويح بإمكانية استيراد السيارات المستعملة، مبيناً أن هذا ما يؤدي إلى زيادة الطلب على القطع الأجنبي، ما يسهم في إضعاف الليرة.

وعن الرقم الذي من الممكن أن تصل إليه الليرة أمام العملات العالمية وخاصة الدولار، فإن الإجابة على هذا السؤال غير دقيقة من أي طرف، لأن وضع الليرة مرتبط بالاقتصاد ككل وبإقلاع القطاعات كافة وإن سعر الصرف اليوم "مناسب" أمام الوضع الذي تمر به سورية كما يقول أحد رجال الأعمال السوريين، ويجري مقارنة بين وضع الليرة الآن وبين ثمانينيات القرن الماضي خلال الحصار الاقتصادي الذي تعرضت له سورية، حيث قفز سعر الصرف ووصل إلى 45 ليرة من 5 ليرات، واليوم بعد 4 سنوات من الأزمة قفز السعر من 48 ليرة إلى 250 ليرة في السوق، وبرأيه السعر منطقي ومقبول مقارنة بحجم الصراع. ويعزي رجل الأعمال هذا الارتفاع "المقبول" برأيه إلى سياسة المركزي الضابطة لسعر الصرف ولو أن فيها مآخذ على بعض القرارات في السوق.

فعملية التدخل في السوق عبر بيع القطع الأجنبي لشركات الصرافة ومن ثم للمواطنين فسحت المجال لكثير من المواطنين استبدال العملة بالدولار رغم عدم حاجتهم له، لكن إعلان المركزي وشركات الصرافة بأن أي مواطن يمكنه شراء الدولار مهما كان حجم المبلغ ساهم بخلق حالة نفسية تجعل المواطن يقدم على الشراء لسبب ما وادخاره ما رفع الطلب على الدولار وأثر على الليرة. أما عن الوضع المستقبلي لليرة السورية فهو رهينة التطورات والحل السياسي للأزمة السورية ومتى وجد الحل انسحب الحال على انتعاش الاقتصاد والمباشرة في إعادة الإعمار والانطلاق من جديد في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية والنفط وغيره. وحتى ذلك الوقت سنبقى نترقب حركة الليرة على وقع التطورات وقرارات التدخل الجديدة في دمشق.

وفقا لمنظمة البنك الدولي :

الناتج المحلي الإجمالي في سورية يعتمد على قطاعي النفط والزراعة  , والقطاعين عرضة لتذبذب أسعار النفط ومستويات الأمطار. وكانت من أهم المصادر الرئيسية أيضاً عائدات صادرات النفط الأجنبية، والصادرات من الخدمات والتحويلات المالية. لكن هذه المصادر تقلصت بشدة من جراء الأزمة وذلك على المدى القصير والمتوسط، والانتعاش سورية يعتمد في نهاية المطاف على نهاية النزاع والذهاب باتجاه الإصلاح السياسي والاقتصادي .

سيكولوجية السوق

مثل أي سوق آخر في العالم، يستند السوق المالية على الضوضاء وليس الأخبار، ومصرف سورية المركزي يعلن أنه سوف يتدخل في السوق ولا يفعل ذلك،  كذلك البدء في بيع الدولار إلى أي مواطن سوري وتقدم بعض القرارات أيضاً على نطاق سوق الاعمال بوقف كافة التسهيلات المصرفية الممنوحة لرجال الاعمال وشركاتهم في حالة " ضمانات بالعملة الصعبة " حيث طلب البنك المركزي "تعهد الملكية" .
 
مثل هذا القرار خلق الطاقة السلبية في السوق للعديد من الشركات وصار همّ الشركات تأمين "التسهيلات المصرفية عن طريق إيداع العملات الصعبة في البنوك المحلية، هذا القرار جعل السوق في حالة سيئة وسلبية ومتقلبة , إضافة للمزيد من الضغوط على العملة المحلية.

طالما هناك حرب وعدم وجود الاستثمار المباشر والصادرات لمساعدة الخزينة السورية، وليس هناك خطة حكومية واضحة حول كيفية إدارة الليرة سورية، فإن الليرة سوف تبقى في حالة تقلب حتى وصلت إلى "نقطة اللاعودة" .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

 

 

تقارير ذات صلة