معهد ليفانت للدراسات

الليرة السورية تنهض مجدداً

الليرة السورية تنهض مجدداً
نوفمبر 18
11:32 2017

احتلت الجبهة الاقتصادية موضعاً حساساً وفاعلاً في الأزمة السورية، وعليه حتّم الواقع ضرورة المناورة بسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، للحفاظ عليه بحدود مقبولة بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة..

بالعودة لما قبل الأزمة السورية، نجد أن أعلى سعر لصرف الدولار قد بلغ ما لا يتجاوز الـ50 ليرة سورية، ليرتفع لـ75 ليرة قبل أشهر من بدء الأزمة، وبعد الأزمة بدأت سلسلة الارتفاعات التي وصلت لحدود الـ 600 ليرة سورية في العام الماضي، والآن يبدو مستقراً منذ حوالي خمسة أشهر بما يقارب 450 ليرة سورية..

لا شك أن ما يجري على الصعيد السياسي والعسكري سينعكس اقتصادياً، فحين اشتدت الأعمال العسكرية، بالتزامن مع الانخفاض التدريجي للناتج المحلي الوطني السوري، الناجم عن الدمار بمناطق شاسعة في المدن الكبرى، كحلب وحمص وحماه وفي الريف أحدث نقصاً في العرض المحلي للسلع نجم عنه ندرة وطلب زائد مما أدى إلى ارتفاع السعر لهذه المواد، ولم يتوقف هذا عند السلع بل امتد ليتحول إلى نقص في عرض الدولار في السوق، ما أنتج انخفاض في قدرة الدولة على تحصيل مداخيلها بالعملات الصعبة. وبالتالي نتج طلب زائد على العملات الصعبة، أو الدولار، وكان هذا ضاغطاً باتجاه رفع سعر الدولار. واستمرت الحالة هذه حتى النصف الثاني من 2016 مترافقةً مع عمليات تهريب لليرة السورية خارج حدود الدولة، بينما فيما بعد ذلك، وحين تغيرت الموازين العسكرية على الأرض لصالح الجيش السوري وداعميه من الحلفاء حدث الاستقرار الأخير لسعر صرف الدولار، والذي يرى بعض الباحثون الاقتصاديون أن حدوده الآن هي حدود طبيعية في ظل الضغوطات الخارجية، ويقدّرون بأنه من الممكن أن تنخفض قيمة الدولار لحدود الـ 400 ليرة.

واجهت الدولة السورية الحالة الاقتصادية الضاغطة بالإيعاز إلى الموالين لها في أوساط رجال الأعمال، بمواجهة الطلب الكثيف على العملات الصعبة بعرض معاكس للدولار. وهي مقاربة أدت إلى صدّ عمليات المضاربة تلك. أي استطاع المصرف المركزي أن يعوّل على احتياطيه بالعملات الصعبة لمواجهة المضاربة، وعلى تعبئة في أوساط القطاع الخاص لصون سعر صرف العملة الوطنية السورية. وهذا ما جعل التجار الكبار يد أخرى لها فعلها وتأثيرها في المعادلة الاقتصادية، وخصوصاً أن هناك بعض السلع التي لم تعد الحكومة السورية قادرة على استيرادها باسمها، فلجأت إلى بعض التجار، وكانت تجري عمليات الاستيراد عن طريقهم، وهذا كان بمثابة حل، ووفر معظم الحاجات السورية، وجعل السوق السورية لا تخلو من أي منتج رغم الحصار الخارجي.

كان دخول رجال الأعمال في المعادلة الاقتصادية السورية سلاح ذو حدين، فمن ناحية خدموا السوق ومتطلباتها، ومن ناحية أخرى فرضوا أسعار تناسبهم بهوامش ربح عالية وأجبروا الحكومة والناس على الالتزام بها، ويظهر الحديث هذا جليّاً في بعض المعارك الاقتصادية الأخيرة بين الحكومة وأحد رجال الأعمال بما يتعلق بمادة المتة.

تحتل سورية المرتبة الثانية عالمياً باستيراد مادة المتة، وبنسبة 28% من إجمالي المستوردات عالمياً خلال عام 2016 موزعة على 19,6 ألف طن وفقاً لبيانات مركز التجارة الدولي (ITC).

إجمالي مستوردات مادة المتة تستورد من الأرجنتين، عبر تاجر واحد يقوم بعملية الاستيراد وتوزيع المادة في السوق، حيث استورد في عام 2015: 27,6 ألف طن من المتة بمبلغ: 80.7 مليون دولار. وانخفضت هذه الكميات في عام 2016 لتبلغ: 19,5 ألف طن بمبلغ يقارب الـ 49.1 مليون دولار.

وتبيّن في سجال التصريحات خلال الفترة الماضية، بأنه وبناء على سياسة المصرف المركزي لتمويل المستوردات، فإن المستوردين يخفضون أسعار الاستيراد مقابل الحصول على تمويل، وعليه قررت الحكومة السورية تخفيض سعر بعض المواد المستوردة، وبذلك جرى نقاش حاد حول مادة المتة، انتهت نتيجته بإصرار الحكومة على سعر 300 ليرة سورية للعلبة الواحدة بعد أن كانت بسعر 450 ليرة سورية. أدى ذلك عملياً لانخفاض نسب المادة في السوق نتيجة عدم القبول من التاجر بالسعر المحدد من قبل وزارة التجارة الداخلية، وفي إطار استكمال الضغط على التاجر، جرى حديث حول إمكانية استيراد المنتج من قبل الحكومة لتكوّن خط استيراد بديل عن التاجر، مع الإشارة الى وجود إمكانية التعبئة المحلية، وهذا ما سيجعل المعركة محسومة لصالح الحكومة حسب بعض المتابعين للشأن.

وفي معارك أخرى، جرى إعادة تعيين لأسعار بعض المأكولات كالفلافل والشاورما (التي وصل سعر السندويشة 700 ليرة سورية والوجبة 800 ليرة)، وكانت النتيجة ضبط المحلات التجارية، وإلزامها بنشرة غذائية صادرة عن وزارة التجارة الداخلية أيضاً، وتحدد من خلالها سعر سندويشة الشاورما 400 ليرة سورية والفلافل 200 ليرة، وترافق ذلك مع جولات تموينية وغرامة مالية يدفعها كل من لم يلتزم بالسعر، وبلغت الغرامة لإحدى محلات الشاورما في منطقة المزة مبلغ 25000 ليرة سورية.

بالمحصلة، ساعد استقرار سعر الصرف الدولار بمقابل الليرة السورية الحكومة السورية ببدأ فتح الملفات المتعلقة بسعر المواد والسلع التي تفلتت لدرجة عالية في سنوات التصعيد العسكري العالي، القادم سيحمل تغيرات لصالح الشارع السوري، ولابد أن الخطوط الائتمانية التي تفتحها الدول الداعمة لسورية ستسرع في هذه العملية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات 

تقارير ذات صلة