معهد ليفانت للدراسات

القطاع الصحي في ظل الحرب في سورية

فبراير 12
10:08 2015

شهدت سوريا افتتاح اول كلية طب في بلاد الشام والمنطقة في عام 1903 عندما افتتحت المدرسة الطبية بفرعيها: الطب البشري والصيدلة وبعد فترة تم تعديلها لتصبح باسم المعهد الطبي العربي وتم اعتماد اللغة العربية في التدريس كرد على سياسة الاستعمار وقتها ،وحتى اليوم يتم تدريس المواد الجامعية بما فيها الكليات الطبية باللغة العربية وهذا ما اكسبها طابع مختلف عن الدول المحيطة وكان سببا لنجاحها بعض الوقت وقصورها عن متابعة التطور السريع للعلوم الطبية في كثير من الأوقات.

ومن المعروف أن الخدمات الطبية في سورية كانت تقدم بشكل مجاني أو بأجور رمزية ومن قبل وزارات مختلفة وهي (الصحة، التعليم العالي، الدفاع، الداخلية، التربية، الشؤون الاجتماعية)، وهذا ما أدى ذلك الى اختلاف سوية مقدمي الخدمة وسوية الخدمات الطبية المقدمة. مع العلم ان عدد المستشفيات الكلي 500 منها 131 مستشفى يتبع للجهات الحكومية و369 مشفى خاص، تشرف وزارة الصحة على 99 مستشفى والتعليم العالي يدير 14 مستشفى وهنالك 18 مشفى عسكري يتبع وزارة الدفاع .

القطاع الصحي في سورية  مراحل ومستويات مختلفة في العقود الماضية ففترة الثمانينيات شهدت أوضاع اقتصادية وسياسية عصيبة مما انعكس على تطور القطاع الصحي وأدى الى توقف بناء وتجهيز الكثير من المشافي التي وضع لها حجر الأساس او تم المباشرة ببنائها مع استثناءات قليلة كمستشفى الأسد الجامعي الذي يعتبر أهم وأكبر مستشفى تم تشييده في تلك الفترة، وكان للتغيرات السياسية في المنطقة في أوائل التسعينيات انعكاساته على الصعيد الصحي كما هو الحال في باقي المجالات. فبدأ العمل على تطوير القطاع الصحي حيث قامت وزارة الصحة بافتتاح ستة مشافي باسم مشافي الباسل في محافظات سورية مختلفة وكان أحدها مستشفى تخصصي لأمراض وجراحة القلب بعد أن كانت جراحة القلب حكراً على وزارة التعليم العالي كونها تحتاج لدقة عمل وكلفة مرتفعة ومن المعلوم أن عدد كبير من مرضى القلب كان يتلقى العلاج خارج سورية ، وبعد العام 2000 شهد القطاع الصحي قفزات كبيرة من خلال افتتاح عدد كبير من المستشفيات العامة والخاصة والمراكز الصحية حيث بات الاستثمار في هذا المجال ذو عائد مادي جيد وساعد في ذلك القروض المقدمة من الاتحاد الأوربي للحكومة السورية  ،وساهم تطور مصانع الدواء بتأمين الدواء داخل القطر حتى بات يغطي 90% من احتياجات السوق السورية و بلغ عدد الدول المستوردة للدواء السوري 53 دولة في العالم ، وهذا عمل على تطور سوق التجهيزات الطبية من خلال الشركات العاملة في هذا المجال كما ظهرت المعارض والمؤتمرات الطبية وزاد عددها وتخصصاتها ،كما بلغ إجمالي الإنفاق على الصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي  3.5% ونسبة الإنفاق الحكومي العام على الصحة من الإنفاق الحكومي العام 6.3% .

في عام 2002 بدء التغيير يدخل للقطاع الصحي وذلك من خلال تحويل المستشفيات الى هيئات مستقلة ذات إدارة ذاتية وبدء ذلك مع مشفى جراحة القلب – دمشق  في القطاع الصحي التابع لوزارة الصحة، فلم تعد هذه المستشفيات تقدم خدمات مجانية فقط وإنما عملت على تقديم خدمات طبية مأجورة ولو بحدها الأدنى وهذا تغير في الاقتصاد الصحي المعمول به سابقاً. والذي أوضحه القانون رقم 17 الصادر عام 2008 من رئيس الجمهورية، فيما أصدرت وزراه التعليم العالي قرار بوجوب توفر مستشفى لكل كلية خاصة تدرس الطب البشري مما ساهم في زيادة عدد المشافي الخاصة المقرر افتتاحها .

في عام 2010 كان يجري العمل على تجهيز وإنهاء 24 مشفى جديد بسعات متغايرة وتم وضع الدراسات الفنية والهندسية لإنشاء 14 مشفى إضافي وجرى العمل على زيادة عدد المشافي التخصصية وذلك برفدها بثماني مشافي تخصصية إضافة لما هو موجود في وزارة الصحة حيث كانت التوجيهات لإنشاء مشافي في المدن ضمن المحافظات. اما في وزارة التعليم العالي فكان العمل على تجهيز مشفى الأسد الجامعي في اللاذقية وزيادة القدرة الاستيعابية لمشفى الأسد الجامعي بدمشق.

ولكن في عام 2011 بدأ تغير سلبي يصيب القطاع الصحي وذلك من خلال استهداف الكثير من المشافي والمنشأت والمراكز الصحية إضافة الى استهداف سيارات الإسعاف مما أدى الى خروج الكثير من المنشأت الصحية خارج الخدمة إما بسبب دمارها التام او الأضرار التي حدثت لها او بسبب صعوبة او استحالة الوصول لهذه المنشأت الطبية وهذا ما وثقته منظمة الصحة العالمية .

لو نظرنا بعين المشاهد الإحصائي خلال سنوات الأزمة السورية التي بدأت في عام 2011 لتبين لنا تغير الأرقام الإحصائية بشكل يومي وفي معظم المحافظات السورية الأربعة عشر حيث انه من الممكن أن تدمر أو تخرج منشأة صحية عن العمل بأي لحظة كما انه من الممكن نقل او انشاء مراكز صحية حسب الحاجة والإمكانات الأمنية والمالية المتاحة فنلاحظ انه وحسب منظمة الصحة العالمية تم دراسة حالة المشافي والمراكز الصحية من نواحي متعددة مثل حالة المنشأة الطبية وسهولة الوصول لها وعملها

تم دراسة 113 مستشفى: 99 مستشفى تتبع وزارة الصحة و14 مستشفى تتبع وزارة التعليم العالي هذه هي القطاعات الطبية الأساسية في سوريا

تبين من خلال رصد حالة هذه المستشفيات ان حالة البناء كانت ضمن ثلاث مجموعات: الأولى fully damaged  دمار أو ضرر تام ،المجموعة الثانية partially damaged ضرر جزئي والثالثة not damaged غير متضررة ،بنهاية ديسمبر (كانون الأول ) من عام 2014 كانت التقارير تشير الى (44 مشفى ) 39% من المشافي متضررة (12% ضرر تام و27% ضرر جزئي ) و  (69 مشفى)  61% من المشافي كانت بوضع سليم .

من المستشفيات التي تعرضت للدمار الكامل وأضرارها كبيرة جدا مما أدى لإخراجها عن العمل مشافي ريف دمشق (دوما –حرستا –داريا) ومشافي حلب (الكندي الجامعي- زاهي أزرق –عزاز الوطني – ابن خلدون للأمراض النفسية) وفي حمص (مشفى القصير –المشفى -الوطني) ومشافي دير الزور (الفرات- الأطفال) ومشفى جاسم في درعا

اما عن حالة عمل هذه المستشفيات فكانت بثلاث مستويات: المستوى الأول يحدد ان المستشفى تعمل بشكل كامل والمستوى الثاني يحدد ان المستشفى تعمل بشكل جزئي اما المستوى الثالث فكان للمستشفيات التي لا تعمل، بنهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2014 فكانت 45% (51 مستشفى) تعمل بشكل كلي و34% (38 مستشفى) تعمل بشكل جزئي مثال (نقص في الكادر، التجهيزات، الأدوية، وتضرر بأقسام من المستشفى) بينما 21% (24 مستشفى) ذكرت في التقرير انها لا تعمل أبدا

ومن خلال رصد سهولة الوصول لهذه المستشفيات فكان 72% (81 مستشفى ممكن الوصول لها بسهولة) و 8% (9 مستشفيات من الصعب الوصول لها) و 20% (23 مستشفى لا يمكن الوصول إليها)

وأشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها الصادر للربع الثالث من عام 2014 ان المراكز الصحية العامة (مستوصف) والتابعة لوزارة الصحة والبالغ عددها 1750مركز صحي تم تقييمها من حيث الأضرار وسهولة الوصول والعمل فكانت النتيجة على الشكل التالي:

49% (857 مركز صحي) تعمل بشكل كامل، 21% (374 مركز) تعمل بشكل جزئي، 22% (387 مركز) لا يعمل وتم التنويه الى أن 8% (132 مركز) غير معروف حالته.           

وبينت الإحصاءات ان 80% (1396مركز) من الممكن الوصول إليه للمرضى والكادر الطبي فيما 20% (349 مركز صحي) لا يمكن الوصول إليه.

كما تم الإشارة الى حالة البناء فكانت المراكز الصحية المتضررة نسبتها 21% (369 مركز صحي) منها 2% دمار و19% ضرر جزئي. وكانت نسبة المراكز الصحية السليمة 61% (1063) فيما لم يعرف حالة 18% من المركز الصحية (318) ويظهر الدمار بشكل أساسي في مدينة حلب حيث أن نصف مراكزها الصحية مدمرة 50% (159/318) بينما الدمار في ريف دمشق بلغ 14% (43/318) وحمص (34/318)

هذا ولا يمكن حصر الأضرار المادية بشكل دقيق بسبب الظروف التي تمر بها سورية ولكن الذي يظهر ان حجم الدمار كبير والخسائر في القطاع الصحي كبيرة فحسب تصريح رئيس مجلس الوزراء السوري ان الاعتداءات أدت لتعطيل جزئي أو كلي لـ «34 مشفى و600 مركز صحي كما كان الاستهداف كبيراً على منظومة الإسعاف ووصل عدد سيارات الإسعاف المدمرة والمعطلة إلى 400 سيارة إسعاف إضافة لعدد من الشهداء والجرحى والمفقودين من الأطباء والممرضين والفنيين. ‏‏

ومن الأثار الواضحة للأزمة على القطاع الصحي هجرة الأطباء والكوادر العاملة في المجال الصحي لخارج القطر وذلك لأسباب كثيرة. ولا يمكننا حصر ضحايا القطاع الصحي الذي يعتبر الخسارة الأكبر في هذا المجال حيث تم تدريب هذه الكفاءات لسنوات وسنوات.

ورغم كل ماذكر سابقا من معوقات وصعوبات يواجهها الشعب السوري من ناحية عامة والقطاع الصحي من ناحية خاصة نجد ان المستشفيات والمراكز الصحية لازالت تقدم الخدمات الطبية الأساسية والنوعية وتعمل على تأمين اللقاحات والأدوية والمواد الطبية اللازمة لذلك، كما نشاهد افتتاح مستشفيات خاصة في الأماكن الأمنة كمستشفى الفيحاء الخاص في مدينة دمشق وتعلب المنظمات الدولية ذات الاختصاص في هذا المجال دوراً مهماً إلى جانب الحكومة السورية في تأمين الأدوية والمراكز والنقاط الطبية وتحسينها.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام

تقارير ذات صلة