معهد ليفانت للدراسات

القبائل في خارطة بلاد الشام

أغسطس 31
14:18 2014

   بعد أربعة أشهر من بدأ الأزمة السورية أطلق البعض على وسائل التواصل الاجتماعي تسمية "جمعة العشائر"؛ فحاولوا استنفار القبائل والعشائر ضمن جملة سياسية أيضا انتهت بمؤتمرات متعددة للعشائر، وتكوّن "مجلس العشائر السورية" المعارض، وذلك في مقابل تكتلات عشائرية أخرى ظهرت في حمص وحلب كانت محسوبة كقوى موالية للدولة السورية، لكن هذا الاستنفار القبلي ليس جديداً في التاريخ السوري فضمن عمل درامي قدمه التلفزيون السوري في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وعن نص للروائي عبر النبي حجازي، ظهر مسلسل "هجرة القلوب للقلوب"؛ ليصور في حلقاته الأولى الصراع المرير بين "البدو" وسكان القرى، ورغم أن هذا العمل الدرامي يتحدث عن بداية القرن العشرين، إلا أن مسألة المواجهة بين المجتمع الزراعي والرعوي في بلاد الشام والرافدين قديمة جداً، وناتجة عن واقع جغرافي شكل الحدث التاريخي منذ فجر الحضارة، حيث تظهر في الميثولوجيا السورية عبر حوار الراعي والمزارع التي أصبحت قصة هابيل وقابيل في الروايات اليهودية، وغالباً ما تبرز عند التحولات الكبرى، فهذا الاحتكاك بين مجتمعين يؤدي عبر فترات زمنية إلى تحول في صورة الحضارات، لكنه في الزمن المعاصر يدخل ضمن التكوينات السياسية وعوامل التأثير على الدولة بشكلها الحديث.

   عملياً فإن قراءة التوزع القبلي في سورية اكتسب أهمية سياسية خلال القرن التاسع عشر؛ عندما بدأ المستشرقون يدرسون البنية السكانية لبلاد الشام، ورغم أن العديد من المؤلفين العرب اهتموا بهذا الأمر خلال المراحل التاريخية المختلفة، لكن دراساتهم كانت تتعلق بالأنساب لهذه القبائل، بين اهتمت الدراسات الحديثة بالعلاقة ما بين سلطة القبائل والبنية السياسية لمراكز الولايات العثمانية، إضافة للدراسات السكانية التي أجريت كمدخل لفهم البنية الثقافية للمجتمع البدوي، وقبل أي إطلالة على هذا الواقع لابد من ملاحظة الأمور التالية:

  • الانتشار القبلي الواسع الذي يصل إلى مختلف أرجاء الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة سلطة على هذه الجغرافية، بل هو يوضح بعضا من الترابط الثقافي لهذه القبائل.
  • القبيلة وفق الدراسات الانتربولوجية هي سلطة تنظيمية وطابعها السياسي مرن، فولاؤها غالبا للدولة التي تنتمي إليها، لكن هذه المرونة خطرة لأنها تعني من جهة أخرى ولاءاً عشائريا ضيقا خارج مفهوم المواطنة.
  • علاقة القبيلة بالدولة المعاصرة هي التي فرضت دراسات مختلفة ورؤية جديدة للمسألة القبلية، فالدولة حددت جغرافية القبيلة وبالتالي انتزعت منها أهم مكون في مسألة انتمائها الذي لم يكن خاضعاً لمكان محدد.
  • لا يعني الوجود القبلي انفصالاً عن المجتمع فالتجربة السورية وعلى الأخص في حلب تقدم صورة القبيلة المستقرة داخل المدن (حي الشيخ نجار وبني زيد على سبيل المثال)، لكنه يخلق أزمة في طبيعة التكتل السكاني للقبيلة التي تبدو وكأنها تجمع سكاني يحمل أزمة في ثنائية ولائه للدولة والقبيلة .

  وظهرت الأمور السابقة بشكل واضح خلال الأزمة السورية، لتعيد من جديد ضرورة البحث في العلاقة القائمة ما بين التكوين السياسي الممثل بالدولة والطبيعة السكانية، على الأخص أن القبائل السورية تشغل المساحة الأكبر للبلاد، وتنتشر في مناطق تعتبر حساسة اقتصاديا، ابتداء من ريف مدينة حمص ووصولاً إلى الحدود العراقية السورية شرقاً وإلى الأردن في الجنوب.

بانوراما التوزع القبلي (الجزيرة نموذجاً)

  يختلف المجتمع السوري في موضوع القبائل ما بين الشمال والجنوب، ففي حوران تبدو العائلة أهم من العشيرة بسبب البيئة الريفية والزراعية للمنطقة، أما في شرق سوريا من الحسكة إلى الرقة ودير الزور والبادية، وصولاً إلى أطراف حلب وحمص، فهناك عصبية قبلية مختلفة، ما زالت أعراف العشيرة تحكم وذلك بسبب التهميش التاريخي، أي منذ أن انتهت خطوط التجارة التي تعبر البادية السورية في بداية المرحلة العثمانية، الانتشار الأوسع للقبائل السورية هو في منطقة الجزيرة، حيث يحدها غرباً نهر الفرات وشرقاً نهر دجلة على الحدود السورية – العراقية – التركية، وتضم هذه المنطقة محافظتي الحسكة ودير الزور، وتقع محافظة الحسكة في الشمال الشرقي من سوريا، وتبلغ مساحتها 26000 كلم مربع، ، ومفردة الحسكة هي تعريب لاحق للكلمة التركية "الحسجة" والتي لا يزال البدو يلفظونها كذلك، ومعناها الأرض التي يكثر فيها غيض الماء وذلك عندما كان يفيض نهر الخابور على الجانبين، والذي ينبع من مدينة رأس العين على الحدود التركية ويمر بالحسكة ليصب في نهر الفرات في محافظة دير الزور.

يوجد في محافظة الحسكة مجموعة من المدن أهمها مدينة القامشلي وهي تسمية تركية تعني مدينة القصب، وأنشئت مع بداية القرن الماضي، وبالضبط في 1928 فسكنها في البداية مجموعة من المهاجرين المسلمين والمسيحيين الذين نزحوا من مدينة ماردين التركية بعد أحداث سفر برلك، وهناك أيضا المالكية (ديريك سابقاً) والقحطانية (قبور البيض سابقاً) وعامودا والدرباسية ورأس العين، وهي مدن تحاذي الحدود السورية التركية لمئات الكيلومترات.

  إن البنية القبلية أثرت بشكل مباشر على مختلف مدن الجزيرة فكان تنظيمها يتبع التشكيلات القبلية المحيطة فيها، فظهرت المدن هشة وعاجزة عن حماية نفسها تجاه محيط القبلي يفرض نفسه عليها. فالمجتمعات القبلية بقيت حتى الثلث الأخير من القرن العشرين "مجتمعات من اجل الحرب"؛ تمجد الغزو وتحتقر الزراعة والفلاحة وحتى السكن في المدن التي اشترى فيها زعماء القبائل بيوتاً جميلة لارتيادها في المناسبات القليلة، ولكن في النصف الثاني من القرت الماضي تضخمت المدن بفعل الهجرة الريفية وظهر نظاما أكثر قوة والتزاما بسلطة الدولة.

  من الناحية الجغرافية تنتشر القبائل العربية على مساحات واسعة، تمتد من الحدود التركية السورية باتجاه العمق العراقي، وتشمل قبائل الجزيرة:

  • شمّر : التي كان نفوذها يمتد في القرن التاسع عشر من نجد وامارة حائل في السعودية، الى الجزيرة السورية، مروراً بالعراق. وشمّر فرع من طيء ولكنها الفرع الذي أصبح اصلاً بذاته، ويتوزع الشمّريون داخل الحدود السورية على مئات القرى، ابتداءً من الحدود العراقية حتى القسم الشمالي من محافظة الحسكة. وقطعت اتفاقية سايكس – بيكو امتداد القبيلة فأصبحت شمّر في سوريا أقل تعداداً، ومن أبرز شخصيات هذه القبيلة الشيخ دهّام الهادي الذي شارك في الحياة السياسية السورية وانتخب عضواً في البرلمان السوري، ورفض الانضمام الى المحاولات الرامية في النصف الاول من القرن العشرين الى تقسيم سوريا.
  • قبيلة طيء  : وتحيط بالقامشلي من جميع الجهات، وتتكون من مجموعة عشائر المتحالفة معها وهي: طيء الاصلية المكونة من مجموعة من الأفخاذ (العساف والحريث واليسار) وعشائر الجوالة والبني سبعة وحرب والراشد والبوعاصي والغنامة والمعامرة والشرايين. وتمتد هذه القبيلة حتى شمال الموصل في العراق، وتنتشر داخل الاراضي السورية على مساحة تزيد على 6000 كلم مربع.
  • الجبّور: وتمتد هذه القبيلة من جنوب غرب مدينة القامشلي الى مدينة الحسكة التي تحيط بها من جميع الجهات، كما تنتشر في العراق الى جنوب الموصل وشمال بغداد. وكان شيوخ هذه القبيلة الحكام الفعليون لمدينة الحسكة.
  • عدوان: من القبائل الصغيرة المنتشرة غرب مدينة رأس العين وجنوبها. وتتواجد بكثافة في مدينة رأس العين.
  • عشيرة حرب: تحيط بمدينة رأس العين من الشرق والجنوب، وابتداء من الحدود التركية وانتهاء بجنوب مدينة رأس العين.
  • عشيرة بقارة الجبل: وتمتد من جنوب الحسكة الى دير الزور وحلب.
  • عشائر الشرابين: وهي موزعة بين القبائل السابقة، فهناك شرابين شمر وشرابين طيء، ويمتدون من جنوب الحسكة الى شمالها وعلى طول نهر الخابور، وصولاً الى مدينة رأس العين ومدينة الدرباسية.
  • عشائر المغمورين: وهم قبائل الولدة غمرت مياه نهر الفرات قراهم بعد اقامة سد الفرات، فعوضتهم الدولة بإعطائهم أراضي في الشريط الحدودي السوري – التركي.

   بالنسبة لمنطقة دير الزور فأغلب سكانها من القبائل العربية التي استقرت في المدينة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لزراعة الأرض واستثمارها، وأكبر القبائل هي البقارة وفيها عشيرة العابد وعشيرة العبيد، وهناك قبيلة العقيدات وهي أقدم القبائل من حيث الاستقرار وتشمل عشيرة الأبو سرايا والبو خابور، والبو ليل وعشيرة المدالجة. وتنتشر هذه العشائر باتجاه البادية غرباً ونحو العراق شرقاً

   وفي محافظة الرقة تنتشر عشيرة الأبو شعبان التي ينتمي إليها "العفادلة"، وهي عشيرة كبيرة تنتشر في البليخ جنوب الرقة إلى تل خنيز في الشمال وعلى الفرات حتى خس دعكور وفي الشامية جنوبي الرقة، وفرق العفادلة هي الذياب والمدلج وموسى والغانم والشبل والبريج والجماسة والحليسات والحواس والمجادمة . كما ينتمي إلى الأبو شعبان "الولدة وتمتد على ضفتي الفرات وفي الشامية من شمس الدين إلى الرقة, وفرقها الناصرة والشواخ والأبو جابر والشفرات والمرادات والجعابات والعامر والبو ظاهر والعلي وأما الأفخاذ فهي العجيل والحمدون والعمامرة وإنفصلت فرقة كبيرة هي الغانم في زمن محمد الباشا القبرصي إلى جنوب قضاء منبج وأخرى إلى جبل سمعان وشرق ادلب .

  ومن عشائر الرقة الأبو عساف وتقطن في تل حمام وتل أبيض وعين عيسى، وعشيرة الأبو جرادة وهي فرقة من جيس، إضافة لعشيرة السبخة المنتشرة في السبخة (الشامية)، والأبي سبيع والجماسة، إضافة إلى عشائر التركماني والجيام والمشهور والنعيم والفدعان.

مستقبل التوزع القبلي

  منذ أن تم إطلاق "جمعة العشائر" في الشهر الرابع من عمر الأزمة السورية، بدأ هذا المكون الاجتماعي يدخل كعامل في الصراع، فكان هناك سعي لاستعادة روح القبلية وظهرت ملتقيات لشيوخ العشائر داخل سورية وخارجها، كما بات الحضور القبلي دائماً في مختلف مؤتمرات المعارضة التي كان طموحها استنفار العصبية لتؤدي لانتفاضة مسلحة بحسب مبدأ «الفزعة»، الذي تعمل به العشائر إجمالاً، يُضاف إلى ذلك انشقاق أبنائها عن صفوف الدولة ، وبالتالي اندلاع ثورة مسلحة من شأنها إسقاط النظام، وأنتجت هذه التحركات عدة كتل وتجمعات، فتم إنشاء "تحالف قبائل وعشائر الجمهورية العربية السورية" ليكون أول تجمع لشيوخ العشائر السورية. كما أعلن رموز عشائرية في سوريا عن تشكيل" تكتل أحرار العشائر العربية المعارض" الذي ضم 70 قبيلة. إضافة إلى انبثاق "مجلس القبائل العربية السورية" عن المجلس الوطني السوري.

   فإن العشائر في الشمال والشمال شرقي لم تشهد ولاءً واحدا طوال الأزمة السورية، فانقسم بعضها، بينما تبدل ولاء الآخر وفق مسار الأحداث، فمنذ دخول داعش إلى الرقة استعان بأفواج من شباب عشيرة البريج الذين بايعوا التنظيم، فإن بيعة العشائر لداعش شملت: البرَيج والعجيل، والبوجابر، والسبخة، والعفادلة، والبوعساف، والهنادة، والشبل، والسخاني، والحويوات، وزورشمر، أما في مدينة حلب فبايعه البوبنة في منبج وعشيرة خفاجة في مسكنة، إضافة إلى عشائر البري والحديديين والنعيمات، وبعض هذه العشائر كانت حتى العام الأول من الأزمة تقف إلى جانب الدولة السورية.

   أما في الشرق حيث تنتشر العقيدات والبقارة على الحدود العراقية – السورية، فظهرت انقسامات بين مبايع لـ "جبهة النصرة" أولـ"داعش"، وهي نفس الانقسامات التي ظهرت داخل نفس القبائل في بداية الأزمة بين موالين ومعارضين، فالعشائر متنافسة اليوم على مدخول النفط، الذي لا تعم منافعه على القبيلة الواحدة، ما دفع عدداً من العشائر إلى اتخاذ موقف حيادي كونها خارجة عن نطاق المنفعة، منها عشيرة البوسرايا.

   واشتعلت منطقة دير الزور بعد مقتل (عامر الرفدان) رجل العقيدات الذي انقلب على الجولاني مبايعاً البغدادي، لأن الأخير قدم العرض الأقوى على صعيد مدخول الآبار، وهي بيعة ضمنت للبغدادي السيطرة على حقول الجفرة، وكونيكو، وآبار خشَام وجديد العقيدات، وصعّدت الشرخ العشائري متمثلاً بالخلاف الحاد بين عشائر البوجامل المبايعين "النصرة" وعشائر البكير المبايعة "داعش"، وترافق ذلك مع انشقاق قادة من المجلس العسكري التابع لهيئة أركان الجيش الحر في دير الزور ومبايعتهم "داعش"، فسيطرت على مناطق: الحريجي، وضمان، وماشخ، والطكيحي، والشحيل، والموحسن وحقول العمر والتيم للنفط، إضافة إلى جميع خطوط الغاز في البادية (ثروة قوامها مليارات الدولارات)
مجبراً عشائر تلك المناطق على مبايعته (خوفاً لا طمعاً) ومنها عشيرة البوعزالدين العقيدية وقبيلة البقارة.

   إن الصورة الحالية لمسألة القبائل والعشائر في سورية ربما لا تقدم نموذجا واضحا لتأثيراتها المباشر على مستقبل الأزمة السورية، لكنها تنقل حالة التعقيد والتشابك وصعوبة النظر للعشائر على أنها بنية تنظيمية صلبة، فهي وفق ما قدمه الحدث السوري يمنها التحول بشكل السريع وفق موازين القوى، كما تستطيع التكيف مع طبيعة الصراع والمصالح الاقتصادية التي تبدو أنها الأقوى فيما ما يجري اليوم شرق سورية.

* حقوق النشر محفوظة لمعهد ليفانت للدراسات راجع شروط الاستخدام .

 

تقارير ذات صلة