معهد ليفانت للدراسات

الفلسطينيون والتحولات السورية

الفلسطينيون والتحولات السورية
يونيو 20
15:27 2014

نادرا ما استطاع الفلسطينيون تجنب التحولات الإقليمية، فهم على الأغلب يصبحون وقودها، ويدخلون ضمن خارطة الحدث ليشكلوا عاملا أساسيا في أي تغير يطرأ على المنطقة، فاللاجئين الفلسطينيين يشكلون بيئة نموذجية مهما اختلفت مناطق تواجدهم، فالشرط الوحيد هو "المخيمات" التي لا تشكل مناطق تجمع لهم فقط بل يمكن اعتبارها أماكن "التعبئة" ورمزا لحق العودة، فالمخيمات عمليا، سواء في سوريا أو لبنان أو الأردن، بيئة مشحونة بمختلف الاحتمالات، فمنها انطلق العمل المسلح أواسط ستينات القرن الماضي، وفيها أيضا تطور "الفكر الثوري" و "القومي"، وهي وفق هذا المشهد كانت تتفاعل مع الحدث وتُراهن بعض الأطراف عليها، كما حدث خلال الحرب اللبنانية، وكما يحدث في سوريا منذ عام 2011.
اللاجئون جذور في سوريا
على خلاف اللاجئين في لبنان والأردن يعيش الفلسطنيون في سوريا ضمن قانون مواطنة كامل باستثناء "حق الانتخاب"، فهم مُنحوا كل الحقوق دون أن يحصلوا على الجنسية، ووضعهم القانوني يشكل حالة استثنائية بالنسبة لبقية الشعب الفلسطيني في الشتات، ويبدأ تاريح لجوئهم في سورية مع النكبة الفلسطينية عام 1948، لكن اللجوء إلى سوريا من شمال فلسطين كان صعباً لوجود عائق جغرافي طبيعي متمثل في هضبة الجولان، وبلغ الترحيب باللاجئين الفلسطينيين في سوريا درجة كبيرة عام 1949 لدرجة أن رئيس الوزراء آنذاك (الزعيم أديب الشيشكلي) عرض استعداد سوريا لاستقبال 300 ألف مهاجر من خلال تسوية شاملة للقضية الفلسطينية. ويُقدر عدد اللاجئين الذين وفدوا الى سوريا جراء في تلك الفترة بنحو 90 ألف لاجئ، أما الدفعة الثانية فوصلت بعد العام 1956 قادمة من التجمعات الفلسطينية التي لجأت الى الأراضي اللبنانية، ولحق بهذه الدفعة مئات من الفلسطينيين الذين طردوا من المناطق المنزوعة السلاح على الحدود الفلسطينية – السورية من الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا بعد تجفيف بحيرة الحولة بين الأعوام 1951 و1958، وهؤلاء جاؤوا من قرى منصورة الخيط، يردة، كراد الغنامة، كراد البقارة، السمرة، النقيب، التوافيق، كفر حارب، جسر المجامع، ومنطقة غرب بلدة الحمة، وأقاموا في منطقة الجولان ثم لجأوا ثانية بعد عدوان حزيران 1967 الى مناطق دمشق ودرعا. ووفدت الى سوريا دفعات جديدة من الفلسطينيين بعد عامي 1970 و1971 مع تمركز فصائل المقاومة الفلسطينية فوق الأراضي اللبنانية والسورية، ولم يتم تسجيلهم في سجلات اللاجئين الى سوريا.
كانت إقامة اللاجئين في سوريا تتسم في البداية بعدم الاستقرار، وبقناعة أن اقامتهم لن تطول كثيرا  فتجمعوا في مواقع وتجمعات ومخيمات تركزت في منطقة دمشق وباقي المدن السورية، وامضى بعضهم سنوات داخل ثكنات الجيش الفرنسي الذي غادر سوريا بعد استقلالها (مخيمي النيرب وحمص)، فيما استقر آخرون داخل المنشآت الحكومية والجوامع الكثيرة المنتشرة في دمشق، وأقام آخرون في (حي الأمين) وسط العاصمة دمشق، لكن "نكبة" اللاجئين التي طالت، وعدم قدرة هيئة الأمم المتحدة فرض حق العودة على "إسرائيل"، دفع الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الى توزيع الأراضي على اللاجئين للسكن الموقت (24 متراً مربعاً للعائلة الواحدة مع دعم متواضع من الاسمنت والمواد الأولية). وتم بناء التجمع الفلسطيني الأكبر في سوريا في منطقة بساتين الميدان والشاغور (أرض المهايني والحكيم) جنوب دمشق، واطلق عليه مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني تيمنا بمعركة اليرموك اسم "مخيم اليرموك".
ويخضع اللاجئون في سوريا المسجلون في قيود الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب للقوانين السورية من حيث المساواة مع المواطن السورية في كل المجالات، ما عدا حق الانتخاب والترشيح للبرلمان السوري وللإدارة المحلية (مجالس المحافظات والمدن). وجاء القانون الرقم (260) الصادر بتاريخ (10/7/1956) الذي ساوى الفلسطيني بالمواطن السوري من حيث الأنظمة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم في القوات المسلحة العربية السورية منذ سنة 1949، ولاحقاً في جيش التحرير الفلسطيني، مع الاحتفاظ بالجنسية الفلسطينية، ووفر هذا الوضع تفاعل الفلسطينيين في سوريا مع الحياة الاجتماعية والاقتصادية في سوريا. وفي 2/1/1963 صدر القرار رقم (1311) الذي نظم استصدار وثائق السفر للاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا، وأصبح من تملك أكثر من محل تجاري، والانتفاع بالحقوق الناتجة عن الايجار، واستثمار المتاجر، والانتساب للنقابات المهنية السورية، لكن لا يحق للفلسطيني اللاجئ التملك إلا شقة سكنية واحدة.
عمليا فإن تقديرات "الأونروا" قدرت عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية بعد 64 عامًا من نكبتهم بنحو 510.444 لاجئ، وذلك وفق احصاءاتها بتاريخ 1/1/ 2012، أي بعد عام تقريبا على بداية الأزمة، وهم يعيشون  في تسعة مخيمات معترف بها من قبل الأونروا وثلاثة غير معترف بها.

اللاجئون المقيمون في المخيمات غير الرسمية عام 2008:

المخيم

اليرموك

اللاذقية

عين التل

2008

112,550

6,354

4,329

 

أعداد الفلسطينيين في الخيمات في سوريا:

المخيم

1995

2000

2005

2008

النيرب

14387

16951

18729

18840

خان الشيخ

12619

15352

17189

18488

حمص

11331

13349

13628

14168

قبر الست

9245

13066

20601

21643

جرمانا

8879

8950

3767

3721

سبينة

7303

15857

19182

20558

خان دنون

6014

7973

9024

9625

حماة

5920

7223

7837

8100

درعا

4177

5808

9548

5203

مخيم درعا

3445

5380

؟؟؟

4663

المجموع

83,320

109,909

119,055

125,009

 

واقع اللاجئين بعد 2011
دخلت المخيمات سريعا في الصراع الدائر في سوريا منذ عام 2011، فالمخيمات لم تكن بعيدة عن الاحتجاجات والأعمال العسكرية، واضطر بعض اللاجئين للنزوح عدة مرات لأماكن أكثر أمنًا من المخيمات خصوصاً بعد عام 2012 مع اندلاع المعارك في مخيم اليرموك في دمشق، وسجل شهر كانون الأول 2012 حيث سقط حوالي 145 فلسطينيا موثقا، بينما بلغت الحصيلة الموثقة للضحايا الفلسطينيين حتى نهاية الشهر الثاني 2013 وبحسب "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية" (1036)، نحو نصف الضحايا الفلسطينيين في سورية سقطوا في دمشق (531)، إضافة إلى (223 ضحية) في ريف دمشق. كما أن أكثر من 65 % منهم سقطوا داخل مخيماتهم وتجمعاتهم، وسقط في مخيم اليرموك وحده 398 فلسطينياً.
وحسب الاحصاءات فإن إجمالي عدد النازحين الفلسطينيين من سورية إلى خارجها حتى نهاية عام 2013 بلغ 15% من مجمل فلسطينيي سورية، في حين بقي مثلهم تقريبًا داخل المخيمات، والباقون نزحوا إلى مناطق أخرى في سورية ومعظمهم في العاصمة دمشق، وتلقت لبنان الموجة الأكبر من العائلات الفلسطينية التي كانت مقيمة في سورية، وتشير الإحصاءات غير الرسمية إلى دخول ما يزيد عن 53715 لاجئاً فلسطينياً من مخيمات سوريا إلى لبنان حتى تاريخ نهاية شهر كانون ثاني 2013.

اللاجئين الفلسطينيين من سوريا إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان حتى تاريخ 1/3/2013

المنطقة

الرقم

إسم المخيم

عدد العائلات

صيدا

1

مخيم عين الحلوة

2400

2

مخيم المية ومية

200

3

صيدا

700

4

إقليم الخروب

1100

بيروت

5

مخيم شاتيلا، صبرا، أرض جلول

650

6

مخيم برج البراجنة

844

7

مخيم مار الياس

11

الشمال

8

مخيم البداوي

1079

9

مخيم نهر البارد

569

صور

10

مخيم برج الشمالي

650

11

مخيم الرشيدية

250

12

مخيم البص

120

13

تجمعات الساحل

370

البقاع

14

مخيم الجليل

1100

15

تجمعات البقاع الأوسط

700

المجموع

10743

أما في الأردن فمنع تشدد سلطاتها الأردنية تدفق اللاجئين الفلسطينين إلى أراضيها من سورية، لكن هذا الأمر لم يمنع من دخول أعداد محدودة منهم فالتوقعات تتحدث  عن 3448 لاجئا فلسطينيا، لكن هذه التقديرات كانت قبل أحداث مخيم اليرموك، ومن المرجح ان هذا الرغم تضاعف، ويتركز وجودهم في الأردن في سكن "سايبر ستي" (المؤلف من بناية سكنية واحدة تتألف من 6 طبقات تحو 140 عرفة)، حيث تتحدث الحكومة الأردنية عن عبور نحو 150 لاجئاً فلسطينياً عبر السياج الحدودي بين سورية والأردن منذ بداية الاحتجاجات، بينما أعلنت وكالة الأونروا أخيراً ارتفاع أعداد اللاجئين إلى أكثر من 1000 لاجئ مسجلين ضمن سجلات وكالة الغوث. إلا أن مصادر إغاثية تتحدث عن ارتفاع أعداد اللاجئين إلى 2500، غير المسجلين ضمن سجلات وكالة الغوث، ويحملون وثائق سورية.
ويعود اختلاف تقديرات أعداد اللاجئين الفلسطينيين السوريين في الأردن إلى تداخلهم عدد من مع اللاجئين السوريين، فهناك أعداد منهم دخلت مخيم الزعتري دون الكشف عن وثائقهم الفلسطينية حتى لا يتم إعادتهم، وتقدّم "الأونروا" دولارًا واحد يوميًا لكل شخص مقيم في "سايبر ستي"، وهذا لا يكفي في ظل أوضاع مادية وإنسانية صعبة يعيشها اللاجئ. وتفرض السلطات على هؤلاء إقامة جبرية داخل المجمع المذكور ولا يسمح لهم بالخروج إلا ضمن قيود مشددة وكفالات ليوم أو يومين وفي ظل وجود كفيل أردني يلتزم أمام الدولة بإرجاع اللاجئ الفلسطيني إلى السكن.

المشكلة السياسية
فرضت الأعمال العسكرية داخل سوريا ترتيبات خاصة بالنسبة للمخيمات، فكان جيش التحرير الفلسطيني وبعض التشكيلات الفلسطينية الأخرى مسؤولة عن أمن المخيمات، لكن الانقسام طال اللاجئين أنفسهم وذلك وفق توزعهم على التشكيلات الفلسطينية، وهو ما أدى لاجتياح مسلحي المعارضة لبعض المخيمات، وعلى الأخص مخيم اليرموك، فهذا المخيم ومع بداية الأحداث دخل إليه نحو 600 ألف مواطن سوري على الأقل من أحياء دمشق الجنوبية (كأحياء التضامن، والعسالي، والقدم، ويلدا، والحجر الأسود، والقاعة، والميدان, وحي الزهور، وغيرها من الأحياء) مما ساعد وبشكل سريع على تفاقم أزمته، وانخراطه بالأحداث السورية، ومن الصعب اليوم تقدير ما يمكن أن يحدث مستقبلا على التوزع الفلسطيني داخل سوريا، وحتى على طبيعة التعامل مع الفلسطينيين أنفسهم سواء داخل المخيمات أو خارجها، حيث يتعدى الأمر إعادة رسم التوزع الديمغرافي لأنه دخل في صلب الاستقطاب السياسي الذي طال التنظيمات الفلسطينية العاملة في سوريا، ووفق المؤشرات الحالية فهناك احتمالين أساسيين وفق شروط الأزمة السورية:
– الأول دخول الفلسطينيين كعامل في حزمة الحلول المطروحة دوليا، فالأزمة السورية وبعد تدويلها أصبحت تستوعب كافة المسائل المتعلقة بالمراحل السابقة، وهذا الأمر يعني أن الحلول الدولية ستدخل ضمن إطار تثبيت الوضع القانوني للاجئين الفلسطنيين وربما تفكيك منظمة غوث اللاجئين بعد اسقاط حق العودة، وهذا الأمر سيفتح صراعا جديدا على المستوى الداحي للفلسطينيين داخل سوريا.
– الثاني مع استمرار الأزمة السورية وامتدادها زمنين، وعدم قدرة الأطراف الدولية على فرض تحولات عميقة فيها، فإن الفلسطينيين سيدخلون ضم خارطة شتات جديدة داخل سورية، ما يعني انتهاء رمزية المخيمات، وربما تلجأ السلطات السورية إلى عمليات تجميع جديدة، وهو أمر مستبعد على المدى القريب، لكنه سيخلق حالة سياسية جديدة مختلفة كليا عن السابق، فالتنظيمات الفلسطينية سيضعف تأثيرها على اللاجئين أنفسهم، وبالتالي سترتسم خارطة سياسية جديدة لهم.
 في النهاية لا تبدو ازمة اللاجئين الفلسطينيين في سورية حالة استثنائية في ظل الأزمة القائمة، لكنها عامل منصل له مفرداته وتأثيراته العامة، وربما كان انخراط الفلسطنيين بهذه الأزمة هو الأقل مقارنة بالحرب اللبنانية أو بأحداث أيلول 1970 في الأردن، لكنه الأبعد تأثيرا نظرا لعمليات التدويل التي طالت الحدث السوري، مما جعل الوضع الفلسطيني ضمن عنوان عريض خاص به يتعلق بالترتيبات الإقليمية القادمة أكثر من اي ترتيبات داخلية سورية.

 

 

تقارير ذات صلة