معهد ليفانت للدراسات

الفضائيات السورية.. دروس الحرب غير المجدية

الفضائيات السورية.. دروس الحرب غير المجدية
سبتمبر 29
08:49 2015

لاشك أن أحد أبرز وجوه الأزمة السورية هو الاعلام بل ويعتبره البعض المحرك الرئيسي والفاعل الأبرز في تحوّل وتصعّد الاحداث, كما يلقي الكثيرون اللوم على الاعلام الرسمي في سورية وتجاهله للحقائق منذ بداية الأزمة بل ويشير خبراء إلى أنه لعب دوراً كبيراً في تأجيج الاحداث سلباً بالنسبة للحكومة السورية نفسها .

في مقدمة وسائل الاعلام التي كانت فاعلاً حقيقياً بالأزمة السورية هي القنوات الفضائية الرسمية والمقرّبة والتي لعبت ومازالت تلعب دوراً كبيراً بمواجهة القنوات العربية واللبنانية والقنوات السورية المعارضة اضافة للقنوات الدينية والطائفية التي عملت على اذكاء شرارة الصراع طائفياً وبشكل صريح ومباشر .

تسيطر على الواقع الاعلامي في سورية وزارة الاعلام مع سلطات ظاهرية ومحدودة لاتحاد الصحفيين وهيكلية حديثة هي المجلس الوطني للاعلام ومنذ سنوات قليلة كانت الحكومة تحكتر الاعلام في سورية بكامله ومختلف وسائله لكن منذ عهد قريب بدأت التجارب الاعلامية السورية تظهر في منافسة الوسائل الاعلامية الرسمية .

الهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون التابعة لوزارة الاعلام لديها عدة قنوات رسمية تتناقل أخبار وكالة الانباء الرسمية الوحيدة وتحاول تقديم الخطاب الرسمي وخطط الحكومة بشكل روتيني , برامج لاتثير الرقابة تصوّر الحياة اليومية بشكل سطحي , برامج سياسية لاتحظى بنسب مشاهدة ودراما تلفزيونية سورية مميزة باتت سلعاً مميزة موسمية للقنوات الخليجية بعد أن خسرتها القنوات السورية , ولسنوات طويلة بقيت هذه القنوات الرسمية وهي الفضائية السورية والأرضية الأولى والثانية عاجزة عن التعبير الحقيقي عن هموم السوريين وتطلعاتهم رغم الاعداد الكبيرة من الموظفين الذين يعملون بها ويقدرون بالآلاف أضف الى ذلك قنوات تلاقي والاخبارية السورية وأوغاريت المحلية في الساحل وليدات الأزمة , اضافة لقنوات متخصصة كالتربوية ودراما .

جاءت الاحداث لتطرح الواقع المأزوم للاعلام بشكل مباشر فقد توجه السوريين لمشاهدة القنوات العربية واللبنانية لتجيب عن أسئلة السوريين التي لم يستطع التلفزيون الحكومي حتى اثارتها او أنه قد أثارها بطرق غير منطقية نفّرت السوريين منها بحثاً عن الحقيقة .

بل ووصلت الامور أحياناً حدّ الاستخفاف بالمشاهد وتسطيح وعيه ومن الحوادث ذائعة الصيت موجز للاخبارية السورية أثناء بثّها التجريبي تدعي فيه المذيعة بأن السوريون خرجوا ليشكروا الله على نعمة المطر في منطقة الميدان وسط دمشق على حين كانت التظاهرة بعد صلاة الجمعة مطالبة بالحرية واسقاط النظام !

حاولت الادارات الاعلامية احداث تغييرات داخل هذه المؤسسات وقد تطور الخطاب الاعلامي قليلاً لكنه بقي عاجزاً عن التغيّر فبدأ اطلاق قنوات جديدة ترفد الجسم الاعلامي المأزوم , فأطلقت قناة تلاقي الفضائية لتكون مساحة لتلاقي السوريين بحسب وزارة الاعلام ولكن لم تمض ساعات قليلة على البث حتى انضمت لسرب القنوات السورية الرسمية مع بعض البرامج الاجتماعية المختلفة , أما قناة الاخبارية السورية فاطلقت بعد شهور طويلة من البث التجريبي لتكون أيضاً في عداد القنوات فقط دون أي خطاب مغاير أو جامع للسوريين المتعطشين لمنبر سوري مستقل .

تصاعد وتيرة العنف والارهاب جعل الصراع مفتوحاً على مصراعيه تماماً , فدهبت قنوات خاصة مثل "أورينت" لتكون صوت المعارضة , بثت برامجها دعوةً للتحرك واسقاط النظام وصوّرت الحراك المسلح على أنه دفاع عن النفس في مواجهة العمليات العسكرية الحكومية التي ترتكب المجازر منذ اليوم الأول وذلك مفهوم أساسي في صلب خطاب القنوات المعارضة.

 في ذات الوقت ذهبت القنوات الموالية لتصوير جرائم الارهاب والقبض على المجموعات المسلحة والمتطرفة في مختلف المدن وتقديم تغطية خجولة للتحركات الشعبية وتخصيص ساعات التحليل السياسي لدحض هذه التحركات وتصويرها على أنها جزء من المؤامرة الكونية التي تستهدف سورية ومحور المقاومة .

استعانت القنوات السورية الحكومية والخاصة باعلاميين لبنانيين وقدمتهم كمحللين سياسيين يتحدثون عن مخططات المؤامرة والحرب على سورية وكأنهم يملكون نسخ طبق الاصل عنها حتى وعد بعضهم السوريين بأيام فقط لانتهاء الاحداث ومنهم من مدد اعلان النصر لأشهر فقط ما كان له وقع الأثر الكبير على مصداقية هذه القنوات وثقة السوريين فيها .

قناة الدنيا المقرّبة من الحكومة والتي ولدت عنا فيما بعد قناة سما بسبب العقوبات الغربية لعبت دوراً كبيراً فعرفت هاتين القناتين بدفاعها المستميت عن سياسة الحكومة السورية والخطوات المختلفة التي قامت بها خلال سنوات الأزمة فأهملت الأخطاء وراحت تصور خطوات اصلاحية على أنها ستنهي الأزمة وتعيد السوريين إلى انتمائهم للدولة والخط السياسي .

واليوم قليلاً ما تغيّرت سياسات هذه القنوات لتقدم جرعات أكبر من الحقيقة وتنتقد وتشير للأخطاء الحكومية مع تركيز أكبر على الجيش السوري وتقدمه بمواجهة المجموعات المسلحة المعارضة والفصائل الاسلامية المتشددة ولم تكن الدروس المختلفة للحرب منذ 5 سنوات مجدية لهذه القنوات .

منذ بدأ الأزمة ضبط السوريون أجهزة الاستقبال بحسب انتماءاتهم السياسية موالاةً ومعارضة فيما بقيت النسبة الأكبر من السوريين تتابع الجميع بصمت .

شنّ الموالون الكثير من الحملات لاغلاق مكاتب القنوات العربية والاجنبية  نعتوها بالمغرضة و قنوات سفك الدم السوري لما رأووا فيها من تحريض على القتل واثارة للنعرات الطائفية فانطلقت تظاهرات شعبية لمكاتب هذه القنوات للمطالبة بطردها وهذا ما تم تلقائياً .

فيما قاد المعارضون حملات ضد القنوات الحكومية والمقرّبة متهمين اياها بالكذب وتجاهل الحقيقة فارتكبت مجموعات منهم أعمال شغب وقتل ضد مقرات القنوات الحكومية وموظفيها.

لايعني توجه السوريون إلى القنوات الاخرى انهم لم يعودوا يتابعون القنوات الرسمية على العكس يشير خبراء في معهد ليفانت للدراسات إلى ارتفاع نسب المشاهدة عموماً وذلك نظراً لجدلية مايقدم وارتفاع نسب المشاهدة الاخبارية لانتشار الاحداث في مختلف المناطق والمدن السورية ومسها مصالح الجميع بشكل مباشر .

ويؤكد متابعون أن مشاهد اكتشف السوريون لاحقاً أنها مزورة غيّرت شكل الحراك في سورية ونقلته من مكان لآخر , الجميع استخدم البروباغندا الاعلامية لتقوية حجج فريقه السياسي والقليل من بحث فعلاً وراء الحقيقية.

اليوم وفي ظل خمس سنوات من الأزمة في سورية لم تعد القنوات التلفزيونية هي المصدر الاول للمعلومات ولم تعد المشاهد التي تعرض فيها بذات التأثير والاهمية , لقد ملّ الجميع مظاهر الدماء والدمار ونشرات الاخبار وساعات التحليل الكاذبة .

 يبحث السوريين في داخل سورية اليوم عن كل شيء في التفزيون عدا عن الاخبار فقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي الدور الابرز في تصوير ونقل وتحجيم واذكاء الصراع في سورية وباتت القنوات التلفزيونية مجرد أرشيف للاحداث اليومية بحسب وجهات نظر مالكيها ومموليها .

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة