معهد ليفانت للدراسات

الفراغ السياسي وأزمة الأحزاب اللبنانية

الفراغ السياسي وأزمة الأحزاب اللبنانية
سبتمبر 09
21:13 2014

    منذ شهر حزيران (2014) ولبنان يعيش فراغا دستوريا بلا رئيس للدولة، وهو ليس الأول من نوعه حيث عاش لبنان واقعا مماثلا في عام 2008 مع نهاية الفترة الدستورية للرئيس أميل لحود، وبعكس هذا الفراغ طبيعة التوازن السياسي الهش الذي لم تستطع الأحزاب السياسية التعامل معه، فلبنان رغم كونه محكوما بتوازن طائفي، لكنه أحزابه تعتبر من أقدم التشكيلات السياسية في المنطقة، وهي تتشابك اليوم مع الواقع الطائفي، وتشكل حالة من التبادل في الأدوار أو حتى تقديم الشرعية لحالات التوازن الهش، ويبدو الانقسام الحاصل على مستوى ما يسمى 14 آذار (تيار المستقبل) أو 8 آذار (حزب الله وحلفائه)؛ نوع من المحاصصة الإقليمية التي تسِم المشهد اللبناني بالكامل، فالحياة السياسية لم تكن محكومة فقط بالمشهد الطائفي، بل أيضا باستقطاب التكوينات المذهبية إقليمياً، فهل يقدم نموذج أحزابها صورة للمؤسسات السياسية المستقبلية في بلاد الشام عموما؟

صراع الطائفية السياسية

   أول حزب لبناني تأسس عام 1924، وهو الحزب الشيوعي الذي ظهر على مستوى مناطق الانتداب الفرنسي، وكان هذا التأسيس بعد أربع سنوات فقط من دخول القوات الفرنسية إلى لبنان، وربما ليس مهماً عملية التأسيس بذاتها بل بما سبقها من ظهور للنقابات؛ كانت أيضاً الأولى من نوعها؛ ومهدت لظهور الحزب الشيوعي لاحقاً، والغريب أن لبنان شهد قبل هذا التاريخ ظهور أحزاب "غير لبنانية"، أرمنية تحديداً، مما يؤكد على أن البيئة الاجتماعية كانت مؤهلة لتأثيرات مختلفة، فتأسس حزب الطاشناق عام 1890، وحزب الهنشاق الاشتراكي الديمقراطي اللبناني 1908، وحزب الرامغفار (الحزب الديمقراطي الليبرالي) عام1921.

  لكن هذا الخطوات السياسية المبكرة لم تؤثر في المسار اللبناني العام، ولم تدخل الأحزاب في تكوين الدولة الحديث، فأول مجلس نواب لبناني (كان يُدعى مجلس تمثيلي) ظهر عام 1922 بعد عامين من الانتداب، وقبل ظهور الأحزاب على المشهد العام، وأما الدستور اللبناني فتم وضعه من قبل المندوب السامي الفرنسي (ساراي) عام 1926 وجاء على قياس طائفي، كما ان ميثاق 1943 كان أيضا توافقا للإرادات الطائفية، ورغم أن الدستور اللبناني نص على فصل السلطات، لكن "السلطة التنفيذية" شكلت الاهتمام الأكبر ومنحت رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، ثم أعاد اتفاق الطائف توزيع هذه الصلاحية باتجاه رئيس الوزراء، والنقطة المهمة هنا أن الاهتمام الأساسي منذ أول دستور كان باتجاه "المؤسسات التنفيذية"، ولم يكن متجهاً نحو القضاء أو التشريع، وهو ما أبعد إمكانية التغيير عبر الأحزاب، والملاحظ أن الأزمات السياسية كانت تعطل التعيينات الحكومية، كما يحدث اليوم، وهو ما يؤكد على أن صراع "الأحزاب السياسية" مازال عند نفس النقطة منذ ما قبل الاستقلال، فالمؤسسة التنفيذية تعبر عن محاصصة طائفية وهي تفرض برنامجها السياسي الذي يحرص على عدم الإخلال بالتوازن القائم.

فقدان البيئة التشريعية

   من المفترض أن النظام الحزبي اللبناني هو نمط تنافسي لتعددية سياسية، لكن كثرة الأحزاب والتنظيمات تجعل من الصعب مقاربته مع النماذج القائمة في البلدان الديمقراطية المتطورة، فالتعددية الحزبية اللبنانية أدت وفق التجربة التاريخية إلى تفتيت التمثيل الوطني وتدهور الدولة، ولا يقدم الدستور اللبناني نصاً خاصاً بالأحزاب، فهو يكتفي بالتأكيد على الحريات الفردية والعامة، ولا يوجد حتى اليوم إطار قانوني لهذا الموضوع، فالدستور اللبناني يتمثل الحالة الفرنسية في عدم وجود قانون خاص بالتنظيمات السياسية، ويكتفي بقانون الجمعيات الصادر في المرحلة العثمانية (1909)، وهذا الأمر أدى لتكريس ظهور تجمعات سياسية تحمل هوية "مناطقية – طائفية"، فالأحزاب التي ظهرت بوقت مبكر مثل الحزب الدستوري والكتلة الوطنية مثّلا وجهاء وقيادات محلية لا تعكس انتماءاً بل انسجاماً مع الظرف السياسي في فترة الانتداب، أما "الكتائب" و "النجادة" فكانتا حركتين لا حزبين في المعنى الحزبي الحديث. ويبقى هنا الحزب الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي اللذان قدما اطاراً عاما للسياسة والاقتصاد والمجتمع. وهما حزبان سياسيان بالمعنى الحديث للكلمة.

وما بين 1943 – 1958 لم يظهر على الساحة الحزبية سوى حزبان: التقدمي الاشتراكي الذي تأسس عام 1949 والوطنيون الأحرار (1958) بزعامة كميل شمعون، وبعد عام 1967برزت الأحزاب القومية و الماركسية إلى واجهة الحدث، كحزب البعث الذي كان قد تسلم مقاليد السلطة في كل من سوريا والعراق. لكن ذروة الحياة الحزبية ظهرت مع بداية الحرب اللبنانية 1975، واستمرت حتى الاجتياح الاسرائيلي عام 1982. واتسمت الأحزاب في تلك الفترة بالطابع العسكري (ميليشيات)، وانسجاماً مع الصراع الدائر برزت كتلتين أساسيتين: الجبهة اللبنانية ( كتائب- أحرار) وعبرت عن توجه القوى المسيحية وظهر فيها لاحقاً "القوات اللبنانية" الذي هيمن على القرار والمسار العسكري.

   أما الكتلة الثانية فكانت الحركة الوطنية فعبرت عن الاتجاه العروبي – اليساري وحتى بعض القوى الإسلامية، وكانت الكتلتين بداية لعملية فرز سياسي باتجاه تكريس "طائفية حزبية"، وهو ما يحدث اليوم من خلال "تيار المستقبل" الذي لا يعبر عن تحالف حزبي بقدر تعبيره عن جبهة لتجمعات طوائف تنضوي ضمن أحزاب وحركات. وأدت الحرب اللبنانية أيضا لتشكيلات راديكالية أو ذات بنية طائفية، كـ: المرابطونّ والتنظيم الناصري وحركة أمل وحزب الله وحراس الأرز. ويبقى العامل الأقوى في إعادة رسم المشهد الحزبي اللبناني هو الاجتياح الإسرائيلي وخروج منظمة التحرير من لبنان، فالأحزاب فقدت العامل الإقليمي في صراعها، وأصبح الموضوع الفلسطيني الذي صارعت هذه الأحزاب من أجله خارج إطار السياسية اللبنانية عموماً.

    والملاحظ أن المشهد الحزبي في لبنان اليوم يجعل من الصعب تصنيف تلك الأحزاب وفق معيار محدد، فمعظمها أحزاب ذات منشأ خارجي (خارج إطار مجلس النواب)، وأبرز سمة لمعظمها هي "الطائفية"، فهي تنادي بالعلمانية لكنها في الواقع أحزاباً طائفية، وتركيبتها التي من أبناء طائفة واحدة وتسعى لتأطير الطائفة وتمثيلها بشكل أفضل في المجتمع و النظام، في المقابل فإن تعدد برامجها التي تتأثر بالظروف السياسية اللبنانية يجعل هذه الأحزاب قادرة على استيعاب كل الاتجاهات.

   إن كل المسائل المرتبطة بالأحزاب اللبنانية تظهر اليوم ضمن المشهد العام، فكثرة الأحزاب يقابلها في مجلس النواب تظاؤل في تمثيل لصالح النواب المستقلين، ومعظم ممثلي التيارات الحزبية فازوا بفضل عوامل و أسباب لا تتصل بقوة الحزب الذي ينتسبون إليه، يضاف الى ذلك أن الكتل البرلمانية داخل المجلس النيابي لا تتشكل على أسس واضحة وبرامج علمية وموضوعية، بل ما يجمع بينها في أغلب الحيان الانتماء المناطقي أو الطائفي أو الارتباط بشخصية سياسية طائفية لها وزنها في داخل النظام أو على صعيد المنطقة التي يترشح النائب عنها.

صورة مستقبلية رمادية

   يعتبر بعض الباحثين أن البيئة القانونية يمكن أن تتيح حياة حزبية أفضل في لبنان، وذلك عبر قانون جديد للأحزاب، إضافة لإعادة بقانون الانتخاب الذي تُراعى فيه مصالح الطوائف، في المقابل فإن التشريعات تحتاج لرؤية مختلفة في موقع الحزب السياسي داخل المشهد العام، ويبدو من الصعب البحث عن مخارج حقيقية للمشهد اللبناني التي تبدو فيه الأحزاب تؤدي دور منح الشرعية فقط للتحركات سياسية، وهو ما يؤدي اليوم إلى تحركات شعبية خارج إطار الحياة السياسية تقوم بعمليات قطع الطرق أو أي أعمال شغب عند أي أزمة داخلية.

   والملاحظ هنا أن تأثير الأحزاب على الحياة السياسية يبدو هامشياً أمام العوامل الإقليمية والدولية، وهي مسألة بقدر كونها ظاهرة قديمة، لكنها اليوم مهددة بفعل الأزمة السورية وتداعياتها على لبنان، وعلى الأخص انتشار الإرهاب الذي يكون شبكة واضحة على امتداد بلاد الشام، وهو ما يدفع إلى إعادة النظر في مسألة "فك الارتباط" ما بين الأحزاب والتحالفات الطائفية والمذهبية، وهي تحالفات تتخذ منحى إقليمي، فهناك ثلاث نقاط أساسية هنا:

  • الأولى: أن التركيز على المؤسسات التنفيذية منذ تأسيس لبنان؛ هو اليوم يهدد كافة المؤسسات عبر تعطيل آليات عملها، وهو يضع النخب السياسية ضمن مهمة صعبة ربما تقضي إلى العودة للملمة المشهد السياسي عبر الأحزاب وليس عبر قياسات "الطائفية السياسية".
  • الثانية: إن الأحزاب السياسية اللبنانية تقدم نموذجاً لعمليات المحاصصة، فهناك اليوم بنية حزبية متأثرة بهذا الأمر، وهو ما يدفع إلى تعميم هذا النموذج ضمن آلية تعيد تصميم الدولة في بلاد الشام وفق هذا النموذج، وهذا يعني سقوط المشروع السياسي لصالح تفتيت القوى السياسية.
  • الثالثة: إذا كان من الصعب فصل الأحزاب عن التجاذب الإقليمي، لكن هذا التجاذب لا يعكس تحالفات سياسية بل سعياً للحفاظ على البنية الهشة للطائفية السياسية في المنطقة، وهذا يعني أن الأحزاب تحتاج اليوم لرؤية سياسية مختلفة للتوازن الطائفي القائم اليوم في لبنان.

 رغم عراقة بعض الأحزاب اللبنانية هي في النهاية أمام مأزق حقيقي في وجه فراغ دستوري يتكرر بشكل دائم، وهي أمام مهمة ربما تكون الأصعب على مستوى المنطقة، لأنها على ما يبدو ستبقى النموذج الذي تظهر إليه الاستراتيجيات الدولية على أنه مؤشر لمستقبل الدولة الإقليمية في بلاد الشام.

*حقوق النشر محفوظة لمعهد ليفانت للدراسات راجع شروط الاستخدام .

تقارير ذات صلة