معهد ليفانت للدراسات

العودة إلى دير الزور

العودة إلى دير الزور
فبراير 01
11:15 2018

مر العديد من الأشهر التي تلت تحرير محافظة دير الزور من تنظيم «داعش» الإرهابي على يد الجيش العربي السوري، وداعميه، إلاّ أنه لم يجرِ حل الكثير من الأمور التي تتعلق بمعاناة المواطنين والتي تتوفر إمكانات حلها حسب متابعون للشأن المحلي في المحافظة.

لعل أهم ما تمّ إنجازه هو توفر المواد الغذائية والخبز، وبأسعارٍ معقولة مقاربة لأسعارها في بقية المحافظات، لكن الجوع المترسخ، منذ سنوات الحصار الثلاث، وتبعات الحرب المستمرة منذ سبع سنواتٍ ونيّف، أنهكت السوريين كلهم، وغالبيتهم فقدوا مصادر دخلهم ومعيشتهم، وخاصةً أبناء الريف الذين كانوا يعتمدون على الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، ناهيكم أن الكثيرين منهم فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وحتى أبناءهم صحةً وتعليماً وحياةً، ومن بقي له دخلٍ من المواطنين فقد التهمه غلاء الأسعار. تعتبر محافظة دير الزور اليوم محافظة منكوبة، لكن رغم ذلك كله، تشير الأوضاع الآنية إلى أن جهود الحكومة السورية تتراوح مكانها فيما يخص عودة الحياة كما كانت، بل وتوفرت الفرصة أكثر لتوسع النهب والفساد، ووحشية تجار الأزمة.

ما زالت دوائر الدولة الخدمية تحافظ على وجودها، ولكن تشير أحوال المحافظة أنها موجودة شكلياً فقط.. والفوضى والفساد يعصف بها، وغالبية مدراء الدوائر حسب المتابعون يقيمون في المحافظات الأخرى، ويطلّون عليها بالمناسبات وحسب رغباتهم الشخصية، وعلى سبيل المثال: مديرية التربية مضى أكثر من سنتين ونصف على العدد من المعلمين المتقاعدين لم تنجز معاملاتهم، أمّا الحصول على وثائق ثبوتية من السجل المدني أو إنجاز المعاملات في الدوائر المختلفة، أو الحصول على الرواتب المستحقة خلال الأزمة فهي ضائعة بين المديريات والمحافظة والوزارات، وتكلف مبالغ كبيرة في رشوةٍ علنية، وأضف إلى ذلك أيضاً ضعف الخدمات الصحية وندرة الأطباء، وقلة الأدوية..

أما الماء فحتى الآن لم تحل مسألة توفيره، فهو يُضخُ مرةً كل يومين، ولمدة ثلاث ساعات، فالكميات ليست كافية، ودرجة الضخ منخفضة فلا يصل إلاّ إلى البيوت المنخفضة..

في نهاية يوم الخميس 11/1/2017 وبداية العطلة الانتصافية للمدارس، صدرت تعاميم من الوزارات، بفكّ العاملين فيها من أبناء دير الزور، وتوقيف رواتبهم، وعليهم الالتحاق مباشرة بدوائرهم في محافظة دير الزور، دون استثناء.

يقدر عدد العاملين في الدوائر الرسمية للدولة في محافظة دير الزور بحوالي 140 ألفاً، حوالي نصفهم في مديريتي التربية والزراعة، كونهما منتشرتين في كل مدينة وقرية، وباعتبار أن نصفهم موجود في المحافظات المختلفة سيعودون مع أسرهم، بموجب قرار رئاسة مجلس الوزراء، وبحسب متوسط الأسرة السورية البالغ خمسة أفراد، فهذا يعني أنه سيعود حوالي 350 ألف من أبناء المحافظة على الأقل، وباعتبار أن نسبة الدمار الكلي والجزئي في المحافظة تتراوح بين 80 و90% فهذا سيخلق أزمات ومشاكل كبيرة تحتاج إلى حلولٍ إسعافية ومدة زمنية ليست قليلة، وخاصةً أنه لا يوجد سوى حيي «الجورة» و«القصور» المؤهلين للسكن..

بحسب مشاهدات أبناء المحافظة، فإن من عادوا تتراوح نسبتهم بين 5 و12% فقط خلال الأسبوعين المنصرمين، ورغم ذلك فقد تفاقمت الأزمات بسرعة، حيث ارتفعت أسعار آجارات السكن ضعفين وثلاثة، ووصلت بعضها إلى 50 و60 ألف ليرة، وامتلأت المساجد والساحات بالمواطنين الذين لا مأوى لهم، ولا يستطيعون استئجار منزلٍ، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية، ومنها: ربطة الخبز، من 50 إلى مئة ليرة، ولا يوجد في الحيين سوى ثلاثة أفران وهي ليست كافية لمن كان موجوداً فيها سابقاً.

كما ارتفعت أجور النقل داخل الحيين، المتلاصقين، فأجرة التكسي 500 ليرة، وأجرتها من الحيين إلى مشفى الأسد فتبلغ 1000 ليرة. أما الكهرباء فهي مازالت منسية، إلا من رحم ربي من أصحاب «الأمبيرات».

كما ارتفع عدد الطلاب والتلاميذ في كل صف وتجاوز 100، ناهيكم عن مستلزمات المدرسة والدراسة من مقاعد وغيرها غير متوفرة وحتى لو توفرت لا توجد أماكن تتسع لها لوضعها فيها، حيث لا توجد سوى 11 مدرسة للمراحل المختلفة!

وتحدث الكثير من العائدين، أنهم سيذهبون، ويقدمون استقالتهم فوراً لعدم قدرتهم على تحمل الظروف القاسية، التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة، وبهذا ستخسر الدولة أعداداً لا بأس بها من الخبرات والكادرات، غير التي خسرتها، ممن هاجروا خارج سورية. كما اشتكى العديد من مدراء الدوائر، من عدم وجود أماكن في الدوائر الشكلية لاستيعاب العاملين العائدين، وهؤلاء سيكونون عبئاً، لأنه لا مجال لعملهم حالياً.

نضيف إلى ذلك مجموعة المشاكل الاجتماعية في المحافظة التي نجمت عن هيمنة «داعش»، من سبيٍ وزواجٍ بالإكراه، وزواج القاصرات، ويُتم بأحد الوالدين أو كليهما، وطلاق، وترمل النساء، أو تركهن، حيث وصل الأمر، أن يترك ما يسمى (المجاهد) زوجته لزميله وهو يهرب.. وأضف إلى ذلك خطف الأطفال وتحويلهم إلى ما يسمى (مجاهدين) وتحويلهم إلى وقودٍ. هذه المشاكل الاجتماعية كلها كانت ظاهرة واضحة وبأعدادٍ كبيرة، وبات بحثها وتخفيف معاناة الأهالي وخاصةً النساء والأطفال، ضرورة ملحة اليوم قبل الغد.

بالفعل، وكما يوصف العديد حال المحافظة فهي محافظة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى، فهل ستحل جملة المشاكل هذه في المستقبل لقريب؟ أم أنها مرهونة بالعملية السياسية النهائية التي ستعلن نهاية الأزمة السورية وبداية التغيير الحقيقي الذي سيطلق العنان لإعادة الإعمار الحقيقية؟!

 


جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة