معهد ليفانت للدراسات

العلاقات الأردنية الإيرانية .. تناقضات ودبلوماسية حذرة

العلاقات الأردنية الإيرانية .. تناقضات ودبلوماسية حذرة
يناير 14
14:48 2017

لم تكن العلاقات بين المملكة الهاشمية الأردنية وإيران، منذ سقوط حكم الشاه في إيران، عام 1979، ووصول قادة ثورة آية الله الخميني إلى الحكم، جيدة أو ودية بالمعنى الفعلي، وكانت آخر المواقف الأردنية المسجلة تجاه إيران، اتهام الملك عبد الله الثاني، قبل شهرين، طهران بتأجيج الصراع الطائفي في المنطقة، ودعم منظمات وصفها بالإرهابية.

 

تراوحت العلاقات الأردنية – الإيرانية بين القطيعة والديبلوماسية الحذرة، وشهدت العديد من التناقضات والتذبذبات في قوتها، وقد ساعد على ذلك السياسات الإقليمية والحروب المجاورة لكلا البلدين في المنطقة، وتباينت المواقف سياسياً واستراتيجياً، إذ يعتبر الأُردن ضمن محور الاعتدال، بسبب معاهدة السلام مع إسرائيل، واعترافه بالسلطة الفلسطينية ومنظَّمة التحرير ممثّلاً شرعياً للفلسطينيين، بالإضافة إلى التحالف مع الولايات الـمتحدة التي تتصادم إيران معها ومع الغرب بشكل عام، وعلى النقيض تعترف إيران بحركة حماس ممثلاً شرعياً لفلسطين.
 

كانت العلاقات، قبل الثورة الإيرانية، في أفضل أوضاعها، ورغم اعتراف الشاه رضا بهلوي بإسرائيل عام 1960، إلا أن هذا كله لم يؤثر سلباً على علاقة إيران بالأردن بشكل كبير، وفي عام 1965 أطلق الملك فيصل ملك السعودية مشروع ما سُمّي "الحلف الإسلامي" الذي دعمه شاه إيران لوقف ثورة جمال عبد الناصر في ذلك الوقت، وأيّد الأُردُن فكرة الحلف خوفاً على الاستقرار والأمن الأُردني بسبب تخلخل الأوضاع السياسيّة في الدول المجاورة، وللوقوف في وجه التيار الثوري بقيادة عبد الناصر، إلا أن المشروع بقي متوقفاً، ولم يوضع حيز التنفيذ بسبب حرب حزيران 1967، التي وقفت فيها إيران إلى جانب الأُردن، وصرّح شاه إيران على أثر خسارة أراضيها في الضفة الغربية، بأحقية الأُردن في استعادة أراضيه في الضفة، وضرورة الانسحاب الإسرائيلي منها لإحلال السلام.
 

بقيَت العلاقات جيّدة إلى أن بدأت في عام 1978 الثورة الإسلامية لإسقاط الشاه في إيران، مما دعا الملك الحسين إلى زيارة الشاه وإعلان دعمه ومؤازرته له في تشرين الثاني من العام نفسه، ومع نجاح الثورة الإيرانية 1979 أبدى الأُردن في بداية الأمر هدوءاً وصمتاً، إلا أن الملك الحسين أرسل برقية تهنئة للنظام الجديد في الذكرى الأولى للثورة، معترفاً فيها بالنظام الإسلامي والجمهورية الإسلامية الجديدة.
 

بدأ التوتر بين الطرفين عام 1980 حيث ساندت المملكة الهاشمية العراق في حربه مع إيران، ووصلت حدّ القطيعة الديبلوماسية،و كانت أهمّ دوافع دعم الأُردن للعراق في حربه ضدّ إيران، أن المملكة الهاشمية رأت في تلك الحرب حائلاً دون تصدير الثورة الإيرانية إلى المنطقة، وبالذات لحلّ الصراع العربي – الإسرائيلي، إذ دعمت إيران فصائل المقاومة مثل حزب الله في جنوب لبنان، وحركة حماس في فلسطين، الأمر الذي يلغي دور الأُردن سياسياً في هذه القضية، كما أن موقف سورية المؤيّد لإيران في حربها على العراق زاد من تخوّف الأُردن من فرض نفوذ وسيطرة إيران على المنطقة كلها، لا على العراق فحسب، إن نجحت في حربها على العراق.
 

وبعد وفاة زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني عام 1989، ومن ثم وقوع الحرب العراقية على الكويت، عادت العلاقات الدبلوماسية بين عمّان وطهران في 1991، وبادر الأردن بإغلاق مكاتب حركة مجاهدي خلق المعارضة لإيران في عمّان، وأنهى أي امتيازات وتسهيلات أُعطِيَت لهم.
 

في العام ذاته عادت العلاقات إلى التوتّر بسبب اكتشاف الأُردن تنظيماً يسمّى "جيش محمد"، ألقت القوات الأُردنية القبض على عديد من أعضائه وسجنتهم بتهم متعلقة بإخلال الأمن في المملكة، وقد اعترف عديد منهم بأن التنظيم يتلقى دعماً من إيران، إلا أن حسن روحاني زار الأُردن لينفي دور طهران في دعم هذه الجماعة، وليؤكّد دعم إيران للأُردن وحرصها على الأمن الداخلي فيه وعدم التدخُّل في شؤونه الداخلية، لكن في العام 1992 عاد التوتُّر من جديد على أثر اكتشاف مخازن للأسلحة في الأُردن، في ما وصفته الأُردن بـ"محاولة انقلاب على الحكم"، ووصفته حركة حماس بأنه "محاولة لنقل أسلحة إلى الضفة الغربية والمقاومة"، وقد كانت هذه الأسلحة من دعم إيراني لحركة حماس".
 

عام 1994 شهد تراجعاً وتدهوراً حاداً في العلاقات بين الطرفين، بسبب توقيع معاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، التي انتقدت إيران المملكة الهاشمية على أثرها انتقادات واسعة، إذ نظر كل من الأُردن وإيران إلى إسرائيل بشكل مختلف، في ذلك الوقت طرد الأُردن السفير الإيراني أحمد داستمالجان، ومعه 21 دبلوماسياً إيرانياً، بتهمة إنشاء "خلية إرهابية لمقاتلي حزب الله وحماس في الأُردن"، وجاء رد إيران في عام 1996 باتهام الأُردن بإيواء أفراد من المعارضين لها من "مجاهدي خلق"، وطالبت بطردهم من أجل الإبقاء على العلاقات بين الدولتين، ثم تحسنت العلاقات عام 1997، حين تولّى محمد خاتمي الحكم في إيران.
 

لاحقاً تعثرت هذه العلاقات مرات عدة، لعوامل من بينها تأييد الأردن لأبو ظبي في أزمة الجزر الإماراتية الثلاث المتنازع عليها بين الإمارات وإيران، ثم تعقدت أكثر إثر غزو العراق 2003، واندلاع أحداث "الربيع العربي" 2011.
 

مثّل الغزو الأمريكي للعراق نقطة خلاف بين الدولتين من منظورهما للحرب، فالأُردن وجد فيه مأساة وضغطاً كبيراً نتيجة للمهاجرين إليها، ومن ناحية أخرى زاد توسّع وجود "القاعدة" في الأُردن، الأمر الذي أثبته تفجير عدة فنادق في الأُردن في 2005، وتبنته "القاعدة"، أما إيران فوجدت في الغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بصدّام حسين نصراً استراتيجياً وخارطة سياسية جديدة لإيران، ومع زيادة النّفوذ الإيراني في العراق هاجم الملك عبد الله الثاني طهران، واتهمها بنيّتها تكوين جمهورية إسلامية في العراق، وأنها تسعى لتكوين هلال فارسي شيعي، يضمّ العراق وسورية ولبنان، فيما قاطعت إيران مؤتمر جيران العراق الذي عُقد في الأُردن 2005، وقالت إن الأُردن يوفر مأوىً للبعثيين ويخطط لاستعادة الحكم الهاشمي في العراق.
 

منذ بدء العلاقات لم يحظَ النفوذ الإيراني بأي فرصة للتعاظم في الأُردن، نتيجة القلق منه على أمن الأُردن والسلام الداخلي له، وبعد أحداث "الربيع العربي" التي بدأت في 2011، أخذ الأُردن يبدي قلقاً كبيراً تجاه دور إيران في دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، فيما ترى طهران أن المملكة الهاشمية مستباحة من الأمريكيين، ومنها ينطلق الكثير من المؤامرات المحاكة للمنطقة، ورغم الافتراق الكبير في المصالح بين الدولتين، إلا أن العلاقات بقيت متراوحة بين التوتر والصداقة، ومحاولات الطرفين للإبقاء على أي توتر بينهما قيد السيطرة، لكن إلى متى سيبقى ذلك ؟

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة