معهد ليفانت للدراسات

الطريق من الأردن إلى سورية والخيارات الصعبة

فبراير 10
18:04 2015

في العام 2004 تحدث الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، للواشنطن بوست عن هلال شيعي، بينما وصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير المشهد بـ"القوس السني"، وبين هذه الإشارات كانت العلاقات الإقليمية تتبلور بشكل مختلف على إيقاع الحرب في العراق، وفي ضوء ابتكار مصطلحات جديدة لتحولات الشرق الأوسط تبلورت صراعات مختلفة جذرياً، فالموضوع الفلسطيني لم يعد "عملية سلام"، وبنية الحروب التي شهدتها بلاد الشام انتهت منذ عام 2006، مع احتدام الخلافات بشأن الحرب في لبنان.

(من المعروف أن ايران تدعم الشيعة فيما يتنازع الدعم للسنة كل من السعودية وتركيا ويتم التنافس بين السنة الوهابيين والعثمانيين الأتراك )

سيناريوهات ما بعد مقتل الكساسبة

لا يبتعد المشهد السابق عن قضية الطيار الأردني معاذ الكساسبة، فعملية قتله من قبل تنظيم داعش خرجت عن إطار الحالة القانونية والإنسانية، ودخلت في إطار التغيير الذي اجتاح شرقي المتوسط منذ بدأ تقدير المواقف استناداً لمعيار العلاقة مع إيران، فمسألة الهلال الشيعي التي أطلقها الملك الأردني كانت في إطار مخاوفه من حكومة عراقية موالية لطهران.
ووفقاً لدراسة قام بها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" فإن ايران استخدمت الأزمة السورية لتوسيع نفوذها على المجتمعات الشيعية في الشرق الأوسط الكبير وتحقيق أهدافها الاستراتيجية والايديولوجية " (1)

واليوم وضمن غطاء إعلامي تبدو مواقف الأردن أمام خيارات قاسية في تحديد علاقاتها مع سورية بالدرجة الأولى، فقرار "الانتقام من داعش" لا يمثل موقفاً سياسياً، فعمان انضمت لهذه الحرب قبل مقتل طيارها، وفي المقابل يبدو موقفها من الجنوب السوري أمام اختبار حقيقي، ففي النهاية هناك احتمالين اساسيين:

  • الأول هو الصدام المباشر مع سورية وذلك ضمن القرار في دعمها للجبهة الجنوبية، فتطورات المعركة ربطت الجولان بمنطقة حوران، وهو ما يؤشر إلى صراع مشترك تلعب فيه "إسرائيل" و "الأردن" دور القاعدة الخلفية للمتمردين.

وهذا الصدام أصبح أكثر حضوراً بعد مقتل الكساسبة على يد داعش، فالأردن لا يحتاج فقط إلى ممرات جوية باتجاه الشمال السورية، بل أيضاً لتجميع التشكيلات الإسلامية في هذه الحرب، ولهذا التجميع ما يبرره على الساحة الداخلية، لأن مثل هذه التعبئة ستوفر دعماً من قبل الجبهة السلفية في الأردن التي ستقاتل فئة منافسة هي تنظيم داعش، وهي ضمان أيضاً لعدم انجرار التيار السلفي بشكل تدريجي نحو مبايعة البغدادي، فالسيناريو الذي ظهر اليوم هو إعادة رسم "القوس السني" الذي طرحه توني بلير، وضمن مهمة مزدوجة تضمن توجيه التيار السلفي نحو الجنوب السوري، واعتماد الأردن قاعدة لمحاربة داعش عوضاً عن تركيا.

  • الثاني الدخول في حرب إقليمية "مصغرة" من خلال الصراع ما بين جبهة الجولان ومنطقة حوران، وعملياً فإن ما يحدث اليوم في هذا القطاع لا يخرج عن إطار الاشتباك الإقليمي المباشر، حيث دفعت "إسرائيل" هذا الأمر إلى واجهة بعد عمليتها في منطقة القنيطرة السورية.

ولا يخرج إظهار شريط إعدام الطيار الأردني عن هذا السياق، فرغم أنه قتل قبل شهر تقريباً، لكن الإعلان عن "إعدامه" حدث بعد عملية حزب الله وتريث "إسرائيل" في الرد، وظهرت بعدها حملة "علاقات عامة" وضعت الأردن في مواجهة تنظيم داعش، علماً أن أي عمليات عسكرية يمكن أن يخوضها الجيش الأردني لن تخرج عن إطار التحالف الأمريكي، فالكتلة الصلبة لمواجهة داعش هي الولايات المتحدة وليس الأردن، ويبدو أن تجميع الجبهة الجنوبية جزء من هذا السياق، فالصراع فيها أصبح إقليمياً، وهو بعيد تماماً عن "المشهد الإعلامي" لكنه يشكل عمق إعادة تشكيل الجبهة الأمريكية ضد "الإرهاب".

الحسابات الأردنية

يمكن وصف أي تدخل أردني لاحق في الأزمة السورية بأن "سلس"، فالمطلوب وفق أي سيناريو قادم أن تكون القوات الأردنية جزءاً من عملية أوسع ربما لا تشمل تدخلاً باستخدام القوة، بل كجزء من "قوات الفصل" التي اختبرها الأردن في مناطق أخرى من العالم، فإذا كانت الولايات المتحدة لا ترى وجوب وجود مناطق عازلة في الشمال، فليس بالضرورة أن لا تقبل مثل هذه المناطق في الجنوب، وهناك ثلاث نقاط أساسية في هذا السيناريو:

  • كافة التقارير التي تحدثت سابقاً عن تورط الأردن في الصراع في سورية بقيت مهملة حتى مقتل "الكساسبة"، فهناك اليوم مبرر شرعي وفق وجهة النظر الأردنية للتدخل، والتعامل مع الجنوب السوري سيأخذ مناحٍ متعددة منها عدم تسلل داعش إلى تلك الجبهة.

  • لا توجد مؤشرات على الرغبة الأردنية في التورط العسكري المباشر في جبهة الجنوب السوري، فهي تكتفي بغاراتها من الشمال وبغطاء التحالف، لكنها تمسك أكثر بعمليات التنسيق جنوباً وبتوجيه تعبئة التيار سلفي نحو هذه الجبهة.

  • إن التماس الحدودي سيجعل من الجيش الأردني في الواجهة ضمن أي سيناريو في الجنوب السوري، فاتجاهات المعارك هي لعزل مدينة درعا مما يجعل الجيش الأردني القوة الأساسية لضبط النظام في هذا الصراع.

ربما علينا فصل المشهد الإعلامي عن عمق الحدث الأردني بعد مقتل "الكساسبة"، فالمسألة أعقد من التوقف فقط عند حدود العمليات العسكرية، فالأردن اليوم يقوم ببناء ولاءات في مناطق تسيطر عليها المجموعات المسلحة، وهو بذلك يتجاوز قواعد العلاقات الإقليمية السابقة، ويقفز أيضا باتجاه تغير قواعد الحلول السياسية التي وضعت ضمن عملية السلام، فالجبهة من الجولان إلى حوران أصبحت خط صراع واحد، وبات من الصعب النظر إلى "إسرائيل" ضمن اتفاقيات "تسوية" لأنها باتت جزء من الحسابات الداخلية للعديد من دول المنطقة.
 

1 اقرأ المزيد  http://uk.businessinsider.com/the-most-important-thing-in-the-middle-east-that-no-one-is-talking-about-2015-2#ixzz3RFS4JuMP

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات – راجع شروط الاستخدام    

تقارير ذات صلة