معهد ليفانت للدراسات

الضيف الروسي في محطاته اللبنانية : إيران، فلسطين، وطبعاً وأخيراً سورية

الضيف الروسي في محطاته اللبنانية : إيران، فلسطين، وطبعاً وأخيراً سورية
ديسمبر 06
21:40 2014

في نهار لبناني طويل، كانت بيروت أمس على موعد مع كلام روسي في محطات متتالية، حول إيران وفلسطين وسوريا: هذا ما حصل بين طهران والغرب. لهذا بلغت واشنطن المأزق الفلسطيني. وهذا هو موقفنا من التطورات السورية. اللافت أن الضيف الروسي لم يتطرق كثيراً في حديثه أمس إلى الملفات اللبنانية العالقة والشائكة. لكن زيارته لم تنته بعد، وموعد الكلام اللبناني لم يفت بعد

عادت روسيا تتصرف بنيوياً كدولة عظمى. هذا هو أبرز انطباع تركه الموفد الرئاسي الروسي نائب وزير الخارجية الروسية لشؤون الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، لدى كل من التقاه في بيروت أمس. لا كلام على صعوبات موسكو الاقتصادية. لا حديث عن تراجع سعر صرف الروبل، ولا عن أزمة انخفاض أسعار النفط، ولا عن الركود الاقتصادي الناتج منها في القيصرية الجديدة. تلك الدولة المشاكسة، التي لا يزال بعض الغرب يعيّرها بأنها لم تتخطّ خلال عقد ونيف من «عهود» القيصر بوتين، صفة «محطة وقود»، لتتحول إلى دولة تقود… لكن رغم ذلك كله، كان تصرف بوغدانوف وكلامه أمس في العاصمة اللبنانية، كناظر فعلي كامل لسياسة بلاده حيال قضايا المنطقة التي يختص بمتابعتها.

ثلاثة محاور حرص الضيف الروسي على الإحاطة بها في مختلف محطاته اللبنانية: إيران، فلسطين، وطبعاً وأخيراً سوريا.
في الملف الإيراني أكد بوغدانوف لمضيفيه اللبنانيين أن العقدة الوحيدة التي لا تزال عالقة، والتي أخّرت إعلان الاتفاق بين طهران ومجموعة الخمس زائداً واحداً، هي مسألة الجدول التزامني بين توقيع الاتفاق ورفع العقوبات. الإيرانيون يريدون التخلص من العقوبات فوراً. الأميركيون في شكل خاص، من الطرف الآخر، يريدون فترة زمنية بين التوقيع والتطبيع. فتوقفت ماكينة الحلحلة والتوافق عند هذه النقطة. الباقي كله متفق عليه، يقول بوغدانوف، من دون أن يفصح عمّا إذا كان الباقي المقصود في الاتفاق بين الطرفين، محصوراً في الشق النووي التقني، من نسب تخصيب وكميات يورانيوم وأعداد أجهزة طرد مركزي وسوى ذلك من تفاصيل، أو إذا كان الباقي المتفق عليه كذلك، يشمل الملفات السياسية والنفوذية ومناطق الصراع والتنافس بين طهران والغرب، التي تشكل موسكو موقعاً مفصلياً في معظمها. غير أن المسؤول الروسي لم يتردد في الإعراب عن اعتقاد إدارته بأن العقدة الفعلية كانت في العمق، نتيجة تحوّل الفريقين المفاوضين، أسرى السياسات الداخلية للبلدين. فهم الروسي بسرعة، أن فريق أوباما – كيري لا يمكنه العودة إلى واشنطن، في لحظة تنافس أميركي انتخابي داخلي شديد، ليقول لرأيه العام إنه رفع العقوبات عن إيران، لأن خطوة كهذه تطيح آخر ما بقي من تأييد شعبي لإدارة تستعد بعد أسابيع لخوض امتحان صعب، عنوانه الحكم في ظل كونغرس معارض بمجلسيه.
في المقابل، لم يكن موقف فريق روحاني – ظريف أفضل. ذلك أن عودة مفاوضيه إلى طهران بورقة من نوع «وقّعنا اتفاقاً مع الأميركيين ولم تزل العقوبات الغربية مفروضة علينا»، كانت ستؤدي إلى تغيير حكومي فوري في تركيبة السلطة الإيرانية، رغم كل الدعم العلني الذي قدمه المرشد علي خامنئي للمفاوضين، وهو ما تمثل في ظهوره العلني ثلاث مرات في خلال أيام، لمواكبة المفاوضات. هكذا بدا أن الطرفين أسيرا مواقف المتشددين في كل من بلديهما. لكن هذه الصورة ساعدت الفريقين في الوقت نفسه على التوصل إلى اتفاق. إذ كأنهما أدركا معاً أنهما يشكلان معسكري الاعتدال في عاصمتيهما، رغم كل الفوارق المعروفة.

المهم أن تفاهماً موضوعياً أدى إلى الإخراج الذي أعلن، على قاعدة حاجة الطرفين إلى الوقت. فالوقت وحده يعالج مشكلتي المتشددين في المعسكرين. ذلك أن هناك ثلاثة مستويات من العقوبات: مستوى أول أوروبي، وهو مرتبط بآجال زمنية محددة. وهي آجال ستنقضي قريباً، فلا يُعمد إلى تجديدها، ما يؤدي عملياً إلى سقوط تلك العقوبات، من دون الاضطرار إلى فعل إسقاطها أو رفعها. بعدها يأتي مستوى ثانٍ من العقوبات الأممية تسري عليها القاعدة نفسها، ليبلغ الأمر أخيراً مستوى العقوبات الأميركية. هكذا تمرّ الفترة الانتقالية، ويعود الطرفان إلى طاولة الحوار في تموز المقبل، بحيث يكون الأميركي قادراً على التوقيع، من دون المزايدة عليه داخلياً بعقوبات تنازل عنها. ويكون الإيراني قادراً على الأمر نفسه، من دون حشره داخلياً بمطالب وطنية لم تتحقق بعد… ليختم بوغدانوف أن بلاده ستكون حاضرة ومتابعة للملف، وحريصة على وصوله إلى خواتيمه الإيجابية.
المحور الثاني فلسطين. هنا يتحدث الروسي بواقعية كاملة: مستوى التدهور في علاقة أوباما – نتنياهو أطاح كل شيء. الإسرائيلي قرر ألّا يسهل مهمة الأميركي، لا بل أن يحبط كل مساعيه. الباقي يصير تلقائياً في قضية مزمنة وشديدة التعقيد. يعترف المسؤول الروسي بأنّ ثنائي أوباما ــــ كيري كان جدياً في محاولة تحقيق تقدم ما على هذا الصعيد. غير أن منطلقاته الأساسية لم تكن لتساعده. مشروع حل الدولتين انهار فعلياً تحت وطأة السياسات الصهيونية، ولم يعد قابلاً للحياة. ولم يكن ينقص لدفنه غير مسألة إعلان يهودية الكيان الإسرائيلي وإحراج واشنطن بها، وسط مساعيها لإقناع محاورها الفلسطيني بأي مقترحات ممكنة. الإسرائيليون قدّموا للأميركيين صيغة بسيطة مبسطة، مفادها أن يهودية الدولة جزء من مقررات الشرعية الأممية تجاه القضية الفلسطينية. وهي بحسب الصهاينة، مندرجة ضمن منطوق قرار تقسيم فلسطين الصادر عن مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 181. لكن ما لم يقدر الأميركيون على مواجهة الاسرائيليين به، هو أن قرار التقسيم الأممي هذا كان يفرض حدوداً على الأرض مختلفة كلياً عمّا آلت إليه الأمور. وبالتالي يجب الاختيار بين أمر من اثنين: إما يهودية الكيان الإسرائيلي بحسب الشرعية الأممية، ضمن حدود تاريخ صدور القرار 181، وفي مقابل دولة فلسطينية كاملة السيادة ومكتملة الحدود، وإما في حال عدم الاعتراف بضرورة تصحيح الحدود، العودة إلى خيار حل الدولة الواحدة. طبعاً، لا تقدر واشنطن على إلزام تل أبيب بهذه المعادلة. فكانت النتيجة الوصول إلى المأزق فلسطينياً.
في المحور السوري تتحول اللغة الروسية أكثر سوفياتية. هنا الكلام لا يعود تحليلياً، بل أقرب إلى الموقف والتموضع والحسم: نحن ننسق مع واشنطن حيال دمشق، لكن وفق قراءتنا للممكن وغير الممكن في سوريا. هدفنا المعلن هو جمع طرفي الحكم السوري والمعارضة السلمية في سوريا، حول طاولة حوار. هنا برزت مشكلتان: من يمثل الحكم؟ ومن يمثل المعارضة؟ لجهة أطياف المعارضة كان رأينا واضحاً وحاسماً: مطلوب معارضة سلمية، وطنية، ممثلة وفاعلة. هكذا استقبلنا مراراً وتكراراً معارضين سوريين في موسكو. بعض الأطراف الإقليميين حاول فرض جهات معارضة أخرى. بعضهم دعم جهات متطرفة وإرهابية. لكننا رفضنا كل هذه. لقد وضعنا لأنفسنا هدفاً هو مساعدة السوريين على إصلاح نظامهم. الآخرون كانت أهدافهم مغايرة. يريدون إسقاط الأشخاص واستبدالهم بآخرين موالين لهم. حتى ولو كانت السلطة المنبثقة من هذه التغيييرت أسوأ من النظام الحالي. السعوديون جاؤوا إلينا مطالبين بإسقاط الرئيس بشار الأسد لا غير. قالوا لنا بوضوح وصراحة، إنه لا مشكلة لديهم حتى إذا تم استبداله برئيس علوي آخر. المهم أن يرحل الأسد. قالوا لنا إنهم كانوا يتعايشون مع الرئيس حافظ الأسد كعلوي. ولا مشكلة لديهم في ذلك. يسقط النظام، تتسلم السلطة جماعتهم، وليكن علوي آخر على رأس الدولة. رفضنا هذا المنطق. في المقابل، البعض في الغرب يقول لنا إن الطرف المحاور من قبل النظام يجب ألا يتضمن الأسد. لكننا قلنا لهم إن الأسد هو الحاكم الفعلي لسوريا. ثم إنه رئيس سوريا الدستوري حتى اللحظة. وهو منتخب من قبل شعب سوريا. صحيح أن قسماً من السوريين لم يشاركوا في انتخابه. لكن ذلك حصل لأسباب أمنية. تماماً كما حصل في أوكرانيا. هناك أيضاً حصلت انتخابات رئاسية، وبرعاية وإشراف غربيين، وجاءت ببيتر بوروشنكو رئيساً. رغم أن كل شعب المناطق الشرقية من أوكرانيا لم يشارك في انتخابه. وها هو كل الغرب يعترف به رئيساً دستورياً وشرعياً. لذلك نقول إن الأسد رئيس دستوري وشرعي لسوريا، بقدر ما بوروشنكو رئيس لأوكرانيا. وفي الحالتين لا بد من حلول عبر الحوار لا غير.
لم يتحدث الضيف الروسي يوم أمس عن لبنان. غير أن زيارته لبيروت لم تنته بعد. وفسحات الكلام لا تزال متاحة وكثيرة.


بوغدانوف و «سرّ» رئاسة الجمهورية

أكّد موفد الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف أن «روسيا على اتصال مع الحكومة السورية والمعارضة في الداخل والخارج، ومهمتنا أن نرتب الاتصالات التمهيدية لمفاوضات جدية من دون شروط مسبقة». وأشار بوغدانوف الذي استهل زيارته التي بدأت أول من أمس للبنان بلقاء الرئيس نبيه برّي، إلى أن «روسيا مستمرة في تقديم الدعم للبنان على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري بغية تعزيز قدرات الجيش اللبناني والشرطة والأمن لمكافحة الإرهاب».
والتقى بوغدانوف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، الذي أكد بعد اللقاء أن «روسيا تبذل جهوداً كبيرة من أجل تسوية الأزمات بالطرق السلمية». ولفت إلى أن «هناك صعوبات كبرى تواجه مسار الحلول» وأن «لا نيات لدى الجانب الوازن في المعادلة بالمنطقة لإيجاد حلول سياسية، بل مراهنات على تبديل موازين القوى».
والتقى بوغدانوف قائد الجيش العماد جان قهوجي في اليرزة، ثم وزير الخارجية جبران باسيل في قصر بسترس، حيث قال ردّ اًعلى سؤال عمّا إذا كان يقوم بمهمة معينة في شأن رئاسة الجمهورية: "هذا سر".

جريدة الأخبار – جان عزيز

العدد ٢٤٦٣ السبت ٦ كانون الأول ٢٠١٤

 

تقارير ذات صلة