معهد ليفانت للدراسات

الضربة العسكريّة لسوريا.. ما هي الآثار الاقتصاديّة؟

أكتوبر 09
22:47 2013

كأنه لم يكن يكفي الاقتصاد اللبناني تأزماً بفعل غياب الإصلاحات الضروريّة ومقوّمات الدولة الفاعلة وتأثراً مباشراً بفعل الأزمة السوريّة، وكأنه لم يكن يكفي الاقتصاد العالمي تعثراً بفعل الآثار العميقة لأزمة 2008، فجاءت إرهاصات الربيع العربي لكي تزيد على المخاطر مخاطر وعلى التحديات الاقتصاديّة والماليّة تحديات سياسيّة. وها هي أزمة سوريا تضيف على المشهد القاتم ضبابيّة، فتدفع بأسواق النفط إلى مستويات لم تشهدها منذ فترة طويلة سيكون لها تداعياتها حتماً على فرص النمو إذا ما استمرّت الأمور بالمرواحة ولم تحسم الخيارات باتجاه معيّن أو بآخر. فليس أشدّ ضرراً على الاقتصاد سوى الفترات الرماديّة التي تدفع باتجاه التضخّم والركود.

للضربة العسكريّة المتوقّعة على سوريا آثارها البالغة على الاقتصادَين العالمي والعربي سواء حصلت أو لم تحصل، وبالطبع، يتفاوت وقعها ما بين الحالتَين. وفي ما يتعلّق بالخيار العسكري، فإنه ما زال قائماً على الرغم من استبعاد شبحه في المدى المنظور نتيجة ترحيل الملف برمّته إلى أروقة الأمم المتحدة التي تسعى جاهدة إلى استصدار قرار يوفّق ما بين الأضداد ويجتاز امتحان الفيتوات ويضع السلاح الكيماوي تحت رقابة دوليّة. فكلّ ما دار وما قيل، وكلّ ما عُرض على شاشات التلفزة حول احتمال قيام العمل العسكري مع ما رافق ذلك من توقّعات وتوقّعات مضادة، رفع ولو لحين مستويات المخاطر المرافقة على منطقة الشرق الأوسط صاحبة المخزون الاستراتجي الأوّل للنفط في العالم. وهنا بيت القصيد.
لن تتأثّر الأسواق العالميّة بفعل تعثّر أو توقّف إنتاج الخام السوري الذي لا يتجاوز 0.4% من الإنتاج العالمي، إنما بفعل انعكاسات الأزمة السوريّة على صعيد المنطقة وتأثيرها على دول أساسيّة في الصراع وإمكانيّة انخراط هذه الأخيرة بشكل كامل في الصراع وعلى رأسها إيران. ونحن كرّرنا مراراً في السابق: الصراع هو بالدرجة الأولى مع إيران، وتداعيات الأزمة تتوقّف على الردّ الإيراني عسكرياً كما اقتصادياً. فاحتمال أن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز يدفع دوماً باتجاه ارتفاع أسعار النفط كلما اشتدّت الأزمات في الشرق الأوسط وسارت الأمور باتجاه المواجهة العسكريّة. والواقع اليوم أن أساسيات السوق تزيد الظروف قساوة وتدفع باتجاه ارتفاع أسعار الخام وتعيق بنتيجة ذلك دورة النموّ على المستوى العالمي. فسوق العرض في أزمة. الإنتاج النفطي العراقي لم يبلغ المستويات المتوقّعة -10 ملايين برميل– أما ليبيا فقد تدنّى مستوى إنتاجها بشكل دراماتيكي، وذلك نتيجة الأزمة السياسيّة الحادة التي تهدّد استقرار البلاد ووحدتها. حتى نيجيريا تمرّ بأزمة نفطيّة حادة، إذ يتعرّض إنتاجها إلى السرقة بشكل ممنهج. أما الاضطرابات في مصر بما تشكّل من تهديد لحركة المرور والإمدادات عبر قناة السويس، فهي ليست سوى عامل  ضاغط إضافي على الأسعار بما فيها عقود التأمين.
ولا بدّ من الإشارة على هذا الصعيد إلى أنه كان بالإمكان امتصاص مفاعيل هذه العوامل الضاغطة باتجاه ارتفاع أسعار النفط، لو كان بالإمكان الركون إلى فائض المملكة العربيّة السعوديّة وقدرتها الإنتاجيّة لإغراق الأسواق ودفع الأسعار إلى مستويات متدنّية بحسب ما جرت العادة في الماضي وقد تمّ احتواء المفاعيل الاقتصاديّة للأزمة لا سيّما تلك التي ارتبطت بالصراع مع إيران. لكن المملكة اليوم أمام تحديات من نوع آخر مرتبطة بالثورات العربيّة. فهي، وتحذو حذوها سائر دول مجلس التعاون، بحاجة إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة وذلك من أجل تمويل -بالجهد الجهيد- المواجهة مع إيران التي اتّخذت طابع الصراع السنّي-الشيعي وقد عمّت سائر بلاد المشرق والخليج. لكن أيضاً، وبدرجة لا تقلّ لا بل تفوق ذلك أهميّة من أجل تمويل الإنفاق الاجتماعي لا سيّما لمصلحة الطبقات العاملة والمتوسّطة بغية إرضائها، فلا تتأثّر بمشاهد الشارع الثائر في كافة الأقطار العربيّة.
إن ارتفاع أسعار النفط هو آخر ما يحتاجه الاقتصاد العالمي. فالاقتصادات الناشئة والتي تشكّل قاطرة للنموّ الاقتصادي في عالمنا اليوم وعلى رأسها مجموعة دول "البريكس"، وفي آخر قمّة لدول مجموعة العشرين التي عقدت في الأسبوع الأوّل من شهر أيلول/سبتمبر الجاري، حذّرت الصين من آثار ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد نتيجة تنامي الأزمة في سوريا. فأي ارتفاع في الأسعار قد يؤثّر على كلفة ومستوى الإنتاج ويعيق التبادل التجاري القائم ما بين الدول، وقد يشكّل كذلك كابحاً للنمو. أما الهند، فقد أعلنت على لسان وزير النفط في حكومتها عن قرارها القاضي بتخفيض استيراد النفط. وقد تسير على خطاها دول أخرى لا سيّما تلك التي ما زالت تدعم أسعار الخام، في إطار سياسات داعمة للتصدير، وذلك بغية حماية عملتها من التدهور واحتواء التضخّم. أما الاقتصاد اللبناني الذي يعاني أصلاً من مشاكل هيكليّة ليس أقلّها كلفة الإنتاج العالية وعجز الميزان التجاري بالإضافة إلى سائر المعوّقات الأخرى مثل تنامي الدين العام وعجز الميزانيّة واستشراء الفساد وانسداد أفق الحلّ السياسي، فهو كان بغنى عن مفاعيل ضربة عسكريّة محتملة من هذا النوع قد يكون أسوأ ما فيها طابعها: "المحتملة". فهي ليست بحاصلة.. وهي ليست بغير حاصلة.. هي أسيرة صراع وتردّد.. وكل واحد من الاثنين آفة تصيب الاقتص

تقارير ذات صلة

لاتوجد تعليقات

لاتوجد تعليقات!

لاتوجد تعليقات، هل ترغب بإضافة تعليقك؟

اكتب تعليق

Only registered users can comment.