معهد ليفانت للدراسات

الضربة الإسرائيلية لسورية: الصدمة والدلالات!

الضربة الإسرائيلية لسورية: الصدمة والدلالات!
أبريل 22
13:09 2017

غارات إسرائيلية على سورية .. دمشق تنقلب على سياسة ضبط النفس وترد للمرة الأولى منذ عام 2006 .. إسرائيل -على غير عادة- تُحمّل نفسها المسؤولية وتعترف بالرد وتقلق.. قواعد اللعبة تغيرت.
 

قامت أربع مقاتلات إسرائيلية، الشهر الماضي، بتنفيذ ثلاث غارات شمال سورية، استهدفت شحنات أسلحة كانت تُعد لنقلها لحزب الله، التسريبات تقول بأنها صواريخ «سكود دي» بعيدة المدى (700 كلم)، فيما كان يحلّق سربٌ ثانٍ فوق ملتقى الحدود السورية والأردنية والإسرائيلية. اكتشفت منظومة الرادار السورية الطائرات، فأطلقت ثلاثة صواريخ «سام 5» تجاه الطائرات التي كانت قد غادرت الأجواء السورية، توجه أحدها اتجاه الأراضي الإسرائيلية، وتم اعتراضه بواسطة منظومة «السهم 2» الإسرائيلية فوق منطقة الأغوار، فيما سقطت شظايا الصاروخين الآخرين في منطقة إربد شمال عمان، وتم بعدها إطلاق صفارات الإنذار في المستوطنات الإسرائيلية، كما أغلقت إسرائيل مجالها الجوي لعدة ساعات أمام الطيران المدني في المنطقة الشمالية.
 

منذ اندلاع الحرب الدائرة في سورية قبل ست سنوات، واصل سلاح الجو الإسرائيلي استهداف سورية، وقوافل الأسلحة المتجهة لحزب الله بضربات عسكرية، هذا ليس جديداً، الجديد في هذه المرة، هو الرد السوري، وإعلان إسرائيل مسؤوليتها المباشرة عن ذلك.

جاء الرد السوري صادماً، وعلى أثر الصدمة، تباينت الآراء لدى الإسرائيليين في تحليله بعد أن كان غير متوقعاً بنظرهم، لكنهم أجمعوا على أنه مؤشر تغيّر في السياسة، فمنهم من اعتبر أنه «رد مدروس»، وجاء بالرهان على أن إسرائيل لن تنفلت في ردها بسبب الوجود الروسي في الأراضي السورية، فيما اعتبره البعض تطوراً خطيراً لأنه قد يذهب بالجانبين إلى مواجهة واسعة، وأن هناك احتمال أن الرئيس الأسد يخفي بردّه نيته بجرِّ إسرائيل لحرب طاحنة.
 

المدير السابق لوزارة الشؤون الاستراتيجية الجنرال يوسي كوبرفاسرلم يفاجئه الرد، وأكد أن القدرات العسكرية السورية واضحة وخصوصاً بعد الدعم الذي تلقته من روسيا، ولكن هذا لا يعني التسليم لأمر إرسال الدعم وشاحنات الأسلحة لحزب الله، بالنسبة إليه. واعتبر أن الدرس الأهم من هذه الحادثة هو أن إسرائيل أوضحت للولايات المتحدة أنها ستواصل إحباط إرسال قوافل الأسلحة، حتى لا تقوم قاعدة عسكرية ضد إسرائيل في شمال الجولان، وهي ملزمة بذلك دوماً حسب قوله.
 

سياسياً، من المعروف أن الإدارة الأمريكية تنوي عقد مؤتمر إقليمي لدول «الاعتدال العربي» بحضور إسرائيل تحت عنوان محاربة الإرهاب وفق ما تدّعيه، ولهذا فالتنسيق مع إسرائيل اليوم على أشدّه. عملياً، تمارس أمريكا مع إسرائيل ضغوطات باتجاه سحب قوات حزب الله من سورية. ولي العهد السعودي زار أمريكا، وأعلن عن أن إيران تدعم الإرهاب الذي حزب الله جزء منه بنظره.. نتنياهو زار موسكو وحدث الرئيس الروسي بوتين حول وجود مقاتلي حزب الله في سورية،

لكن بوتين لم يستجيب لنتنياهو، وأكد أنه لا يمكن المقايضة على حزب الله، وأن وجوده يكتسب شرعية سورية. إذاً، فشل نتنياهو، وفشلت الضغوط الأمريكية والسعودية، فجاءت الغارة الإسرائيلية لتكون ثمرة التنسيق السعودي الأمريكي الإسرائيلي العسكرية بعد أن فشلوا سياسياً في تحقيق ما يريدون، وخاصة أن إسرائيل أصبحت متخوفة من حقيقة التسريبات الإعلامية حول منح قاعدة بحرية لإيران في سورية.
 

الرد السوري كسر التوقع والصمت الإسرائيلي، فكما نسقت أمريكا وحلفاؤها، جاء الرد ليعبر عن أعلى مستويات التنسيق والصحوة الروسية السورية المتجانسة عسكرياً وسياسياً.سورية تولت الرد العسكري، وروسيا ضغطت سياسياً من خلال استدعاء السفير الإسرائيلي لديها مباشرة، وقيامها بتعليق التنسيق مع واشنطن في السماء السورية، بعد الضربة الأمريكية لقاعدة الشعيرات الجوية في حمص، أي أن واشنطن نفسها؛ الداعم الأكبر لإسرائيل، والضالعة حتى النخاع في الغارات على سورية، أصبحت مهددة من الدفاعات الجوية الروسية.

الإشارات الأولية توضح مباشرةً أن «التفوق الجوي الإسرائيلي» في المنطقة أصبح من الماضي، وذهب أدراج الرياح، وأن تلك الأفعال الإسرائيلية لن تمر مرور الكرام، بعد اليوم، ولن يتم التعامل معها بتساهل.

لم يأت هذا الرد من فراغ، وإنما من إدراك عالي لقوى "الممانعة" للمخطط الذي بات يستهدف سورية، فالرد يحمل رسالة إنذار بتفعيل المحور المقاوم لاستراتيجية الردع ضد إسرائيل، والمتحالفين معها، وأن سورية لم تعد تقف موقف المتفرج على الاعتداءات الإسرائيلية.

 

هذه الرسائل العميقة والمبطنة، جعلت الغضب الإسرائيلي يستشيط  لدرجة أن يصدر تصريح من وزير الدفاع الإسرائيلي بأن «إسرائيل ستدمر كل الدفاعات الجوية السورية إذا اقتضى الأمر». هذا انفعالاً، ليس إلّا، لكن متى كانت السياسة انفعالاً، وغضب!؟، الموازين الدولية تغيرت، والموازين المحلية في سورية أيضاً تغيرت، والأمور لن تجري كما كانت عليه في السابق.

 

اللافت أن من أعلن نوع التصدي، هو الجيش الإسرائيلي ومن أعلن اسم الصاروخ هو الإعلام الإسرائيلي. فالأوساط الإسرائيلية هي التي تحدثت عن صواريخ الدفاع الجوي السوري واعتبرت أن ما حدث يعد تطوراً خطيراً بوجه إسرائيل من عدة نواح. وهذا الإعلان يعني استراتيجياً أن هناك حسابات جديدة عند أي تحرك للطائرات الإسرائيلية  في أجواء سورية.

 

سرعان ما خفت الصوت، وتزحلقت التصريحات على حامية درجها الذي ارتفع أكثر من اللازم في البداية. ويبدو أن الرسالة الروسية – السورية وصلت، والمحصلة أن الرد السوري عبر عن تغير جدي في الاستراتيجية السورية، والدليل أنه بعد هذه الحادثة بأيام جرى إسقاط طائرة إسرائيلية دون طيار في محافظة درعا السورية.

 

هل ستجرؤ إسرائيل على غارات جديدة، وتفتح على نفسها أبواب الصراع على مصراعيه وفق قواعد الاشتباك الجديدة؟ يمكن الرد مبدأياً  بتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي، إفيغدور ليبرمان، الذي قال إن تل أبيب "غير معنية بخلق أي مشكلات مع روسيا" في سورية.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة