معهد ليفانت للدراسات

الصناعة في سورية ..مؤشرات الحرب تحديات المستقبل

الصناعة في سورية ..مؤشرات الحرب تحديات المستقبل
نوفمبر 10
22:44 2015

تستمر الأزمة السورية للعام الخامس على التوالي دون التمكن من من الوصول إلى حل سياسي أو حسم عسكري، وأدى استمرار الصراع المسلح وازدياد حدته واتساع رقعته إلى إلحاق المزيد من الأضرار بالبنى التحتية والمنشآت الاقتصادية والخدمية والسكنية وانعكاسه على أوضاع السوريين من جميع النواحي.

ويمكن ملاحظة آثار الأزمة ونتائجها على الصناعة السورية من خلال خروج أعداد كبيرة من المنشآت الصناعية العامة والخاصة عن الإنتاج بسبب تدمير وحرق الأبنية والآلات والمواد الأولية وسرقتها، وصعوبة الوصول إلى المعامل، وصعوبة توفير ونقل الإنتاج ومستلزماته سواء المحلية أو المستوردة، وصعوبة توفير حوامل الطاقة اللازمة بالكميات والأسعار المناسبة نتيجة تدمير العديد من المرافق التحتية والخدمية العامة.

بلغ عدد المنشآت الخاصة المتضررة التي تم إحصاؤها فقط في دمشق وريفها وحلب وحماة وحمص 1524 منشأة، بقيمة إجمالية حوالي 250 مليار ليرة سورية، وحسب أمين عام محافظة ريف دمشق بلغ عدد طلبات الأضرار المقدمة من الصناعيين لمحافظة ريف دمشق، حتى نهاية شهر أيار 2015  حوالي 800 طلب. وفي حلب صرح رئيس اتحاد غرف الصناعة بأن هناك أربعة آلاف منشأة صناعية وحرفية تعمل في حلب من أصل ما يزيد عن أربعين ألف منشأة كانت موجودة قبل الأزمة.

أما بالنسبة للقطاع العام الصناعي فقد أدت الأزمة إلى خروج 49 شركة ومعمل ومحلج من الإنتاج، حيث بلغ إجمالي الخسائر نحو 365.5 مليار ليرة سورية، ليصبح إجمالي خسائر القطاع الصناعي حوالي 615 مليار ليرة سورية.

يضاف إلى ذلك نزوح عدد كبير من الصناعيين والعمال والفنيين إلى الخارج (مصر، الأردن، لبنان، تركيا، السعودية ..) بسبب تردي الأوضاع الأمنية وانتشار الخطف والاعتقال، أو بسبب الخوف من عدم القدرة على الالتزام بعقود التصدير الموقعة مع الجهات المستوردة، ويشير تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة إلى أن هروب رؤوس الأموال كان أحد أسوأ الانعكاسات الاقتصادية للأزمة، مقدراً ما خرج بنحو 22 مليار دولار وخروج ما يزيد عن 60% من رجال المال والأعمال السوريين للخارج، وعدّ التقرير كلاً من تركيا والعراق وألمانيا ومصر من أوائل الدول التي جذبت رؤوس الأموال السورية وقدّمت التسهيلات الكافية لإنشاء مشاريع استثمارية على أراضيها.

كما تراجع إنتاج وتسويق المحاصيل الزراعية التي تشكل مدخلات للصناعات النسيجية والغذائية، حيث انخفضت كمية القطن المستلم رسمياً من قبل المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان من 628 ألف طن عام 2010 إلى 11 ألف طن في النصف الأول من عام 2015، وقد لجأت الحكومة إلى التعاقد مع شركات خاصة لنقل القطن والقمح من المناطق التي يسيطر عليها المسلحون إلى المناطق التي تسيطر عليها، من أجل تأمين ما يمكن من هذه المنتجات إلى المحالج ومعامل الغزل والزيوت والمطاحن.

ارتفاع تكاليف الإنتاج يعد أيضاً من أهم آثار الأزمة على الصناعة السورية، بسبب الحصار والمقاطعة، سواء فيما يتعلق بفتح الاعتمادات أو في نقل مستلزمات الإنتاج والإنتاج الجاهز من وإلى البلاد وضمنها، الأمر الذي أضاف أعباء إضافية على كلفة المنتج وبالتالي سعره وخاصة في ضوء التراجع المستمر في قيمة الليرة السورية، كما أدى ذلك إلى خسارة قسم هام من الأسواق الخارجية وإلغاء عقود تصديرمن قبل عدد من الشركات الأجنبية بسبب المقاطعة أو بسبب الخوف من عدم وفاء الشركات الوطنية بالتزاماتها.

كما خسرت الصناعة حصة هامة من السوق المحلية لصالح الاستيراد والتهريب بسبب توقف أو نقص الإنتاج المحلي وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين وانخفاض قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار وانتشار تزوير المنتجات والتلاعب بقيمة المنتجات الصناعية المستوردة نظامياً وحالات الفساد المعروفة فيما يتعلق بتصنيف وتخليص المستوردات أو قيمتها الفعلية إضافة إلى ازدياد التهريب عبر الحدود والحواجز بين مختلف المناطق.

كذلك تراجع أو توقف العمل في المنشآت الصناعية العامة والعديد من المنشآت الخاصة التي كانت قيد الإنشاء والتجهيز، وتراجع الانفاق الاستثماري في شركات القطاع العام الصناعي بشكل كبير، وتوقف العمل بمشاريع التعاون مع المنظمات والجهات المانحة الدولية. وعدم عودة الخبراء الأجانب الذين كانوا يتولون تنفيذ وتركيب خطوط الانتاج في عدد من المنشآت الصناعية العامة والخاصة المتعاقد عليها أو القدوم للقيام بتطويرها وأو تطويرها (الزجاج، الحديد، الإطارات).

وفي الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات الرسمية عن إعادة تشغيل 26 منشأة صناعية عامة حتى الآن، تشير نتائج أعمال القطاع العام الصناعي إلى تراجع واضح في كافة المؤشرات الاستثمارية والانتاجية والتجارية والعمالية منذ بداية الأزمة ولغاية النصف الأول من عام 2015، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي لهذا القطاع على الرغم من رفع أسعار منتجاته حيث بلغ خلال النصف الأول من عام 2015 نحو 13 مليار ليرة سورية وكان قد بلغ في عام 2014 نحو 48 مليار ليرة، متراجعاً من حوالي 61 مليار ليرة سورية في عام 2010 إلى 59 مليار في عام 2011، وحوالي 49 مليار في عام 2012، و56 مليار في عام 2013.

كما تراجعت مبيعاته خلال النصف الأول من عام 2015 على الرغم من رفع أسعار منتجاته أيضاً الى نحو 38.6 مليار ليرة سورية وكانت في نهاية عام 2014 نحو 83.6 مليار ليرة سورية متراجعة من حوالي 127 مليار في عام 2011الى 110 مليار في عام 2013.

كذلك استمرت صادرات القطاع العام الصناعي بالتراجع خلال النصف الأول من عام 2015، حيث بلغت قرابة 6 مليون دولار فقط، في حين كانت في عام 2011 بحدود 163.7 مليون دولار.

كما تراجع عدد المشتغلين في القطاع العام الصناعي من 72358 عاملاً في عام 2010 إلى 54715 لغاية النصف الأول من عام 2015، ويعود سبب هذا التراجع إلى نقل حوالي 15000 عامل من الشركات المتوقفة إلى جهات عامة أخرى وعدم تعويض التسرب الناجم عن الاستقالة أو ترك العمل لأسباب مختلفة.

إن الصناعة السورية تحتاج عند انتهاء الأزمة إلى إعادة تأهيل وتنمية، ما يتطلب جهوداً كبيرة من الجهات المعنية العامة والخاصة بما فيها الجهات الاستشارية سواء من حيث الإدارة والتنظيم والتنفيذ أو من حيث توفير الموارد المالية لهذه العملية، لأن المطلوب ليس إعادة الصناعة السورية لما كانت عليه قبل الأزمة فقط، بل الوصول إلى ما كان يمكن أن تكون عليه لولا حدوث هذه الأزمة، بمعنى تعويض ما فاتها من فرص وإمكانيات في أقرب وقت وأقل كلفة وأنجع السبل.

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة