معهد ليفانت للدراسات

الشرق الأوسط: رئاسة لبنان والتوازن الإقليمي

الشرق الأوسط: رئاسة لبنان والتوازن الإقليمي
يونيو 20
11:41 2014

الاستحقاق الرئاسي في لبنان ومنذ الحرب الأهلية (1975) أصبح اختبارا للعلاقات الإقليمية، فالرئيس اللبناني يعبر دائما عن توازن يتجاوز لبنان، وغالبا ما يؤدي ظهور رئيس من خارج هذا التوازن إلى اضطرابات مختلفة، فـ"بشير الجميل" تم اغتياله، وخليفته أمين الجميل اضطر إلى التوجد فوق مساحة جغرافية ضيقة لصالح تمدد الميليشيات، والرئيس أميل لحود في ولايته الثانية أدى لانقسام حاد وربما كان من نتائج فقدان هذا التوازن سلسلة الاغتيالات التي بدأت برئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ولكن هذه الأزمة بشأن الرئاسة اللبنانية لم تكن أسيرة الحرب الأهلية فقط، لأن صورة الجمهورية اللبنانية "التوافقية" كانت قابلة للاختراق عند أي صراع إقليمي، وهذا ما حدث عام 1958 في نهاية عهد الرئيس كميل شمعون (1952- 1958)، فالرئاسة اللبنانية تقدم بانوراما لشرقي المتوسط بكل ما يحمله من أزمات أو تناقضات. التوافق والشروط الصعبة نظام لبنان السياسي "جمهوري ديمقراطي توافقي طائفي"، فالدولة اللبنانية التي تبلورت عام 1943 وضعت سياسة وطنية اعتمادا على مجموعة محدودة من القيادات التقليدية، الإقليمية والطائفية، وميثاق الوطني لعام 1943 هو اتفاق غير مكتوب اعتمدت السلطة فيه على النظام الطائفي وفق تعداد عام 1932، فتم تقسيم المقاعد في البرلمان بنسبة 6 إلى 5 من المسيحيين على المسلمين فالعدد الإجمالي للنواب، يكون قابلاً للقسمة على الرقم 11 (وقد كان عدد مقاعد مجلس النواب، في البداية، 44 مقعداً، ثم 99 مقعداً)، وبقي هذا التقسيم حتى عام 1990 فتغيرت النسبة ليصبح البرلمان مناصفة بين الطائفتين، ويتم تخصيص المناصب الحكومية بنفس الطريقة. فتوزيع السلطة السياسية بني على شكل طائفي بحيث يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، ورئيس الوزراء مسلماً سُنياً، ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً. كما أن الأحزاب اللبنانية الرئيسية، اتسمت، في الفترة التي تلت الاستقلال، بأنها تجمعات طائفية. لم يكن النظام اللبناني منذ ظهوره نظاماً نيابياً، ولا نظاماً رئاسياً، وإنما هو خليط من النظامَين، وإنْ غلب عليه، من الناحية الواقعية، سمات النظام الرئاسي، إذ يُعَدّ رئيس الجمهورية، من الناحيتَين، النظرية والعملية، هو الشخص المسيطر في النظام، وينتخب لمدة ست سنوات، غير قابلة للتجديد، بوساطة مجلس النواب، بأغلبية الثلثَين، في أول اقتراع. فإذا لم يحصل أحد المرشحين على هذه النسبة، يكون انتخابه، في الاقتراع الثاني، بالأغلبية المطلقة. وحصلت تعديلات منذ اتفاق الطائف لعام 1990 التي أنهت الحرب اللبنانية على "رئاسة الجمهورية"، وتبدلت صلاحيات رئيس الوزراء بشكل أو بآخر. عمليا اتسم النظام اللبناني، منذ عام 1864، بملامح رئيسية، باتت متأصلة فيه. وكان لها أثر عميق في مجريات الحرب الأهلية اللبنانية وما تبعها من أحداث لاحقة، فلبنان ليست كونفدرالية لكنها واقعيا، ومن ائتلاف الطوائف داخل نظام واحد، انتجت نظاما طوائفيا، سياسيا، كونفدراليا، تتمتع فيه بنوع من الحُكم الذاتي، وتحكمها جميعاً قيادة، خاضعة، غالباً، لتأثير البيروقراطية المسيحية. احتفظت الطبقة الإقطاعية بسلطتها ونفوذها منذ العهد العثماني، ووفق بروتوكول 1864 الذي عزز ارتباطها المصلحي بالطائفية، بأن وزع مناصب مجلس الإدارة ووظائف الإدارة عامة، على الزعماء الإقطاعيين، وفق نسب طائفية محسوبة، ومتفاوتة. وتم توسيع رقعة النظام الطائفي اللبناني إلى الحدود المعلنة عام 1920 في ظل الاستعمار الفرنسي، ولاحقا رأت الشرائح العليا في المجتمع أن البلاد العربية هي المجال الطبيعي لنشاطها الاقتصادي، مما أدى إلى تخطي بعض الحواجز التقليدية وجعل الاستقلال السياسي ممكناً، عام 1943، من خلال ما "الميثاق الوطني". وبقراءة سريعة نجد أنه منذ بروتوكول 1864 إلى ميثاق 1943، تم ترسيخ الطائفية سياسيا بموجب قوانين أساسية. التوافق بعد الطائف مع تجربة الحرب اللبنانية اعطت غالبية الاطراف اللبنانية، اشارات صريحة بأن دستور 1926 وميثاق 1943 لم يعودا صالحين لادارة شؤون لبنان، فالعهود الرئاسية ارتكزت في الاساس على المصدرين السابقين، واحد الاسباب وراء اشكالية ممارسة السلطة في لبنان هي عدم التوازن بين الصلاحيات، فرغم ان النظام الدستوري في لبنان مُصنف كنظام برلماني، لكن ممارسة الحكم فيه اقرب الى النظام الرئاسي، او حتى النظام المختلط الذي يدمج بين الاثنين. فصلاحيات رئيس الجمهورية كما نص عليها الدستور واسعة جدا، فهو يدير مفاصل الحكم بدقة ويخضع لسلطته وحتى لمشيئته كل شاردة وواردة في الدولة، فيما لا يخضعه الدستور لأي مسؤولية، عدا خرقه للدستور او الخيانة العظمى، وحتى الامران الاخيران، وان ادين بهما، فإن آليات تنفيذهما غير متوافرة، لعدم وجود القانون الذي يرعى تلك المسائل . وفيما رئيس الوزراء الذي يتحمل مسؤولية ممارسة الحكم بمختلف جوانبها، لم يشر الدستور اليه، الا في مادة وحيدة هي المادة (66) وبشكل عرضي، عند اشارتها الى ان رئيس الوزراء يلقي بيان الحكومة امام المجلس النيابي او يقوم أي وزير آخر بهذه المهمة. فرئيس الوزراء يحكم بموجب العرف الدستوري، لذلك ظلت مظاهر الازمات الدستورية في لبنان عرضة للظهور عند اختلاف رأسي السلطة التنفيذية؛ وخاصة عندما يكون في الرئاسة الاولى اشخاص ميالون بطبعهم الى الهيمنة والتفرّد ، وعندما يشاركهم في الحكم رؤساء وزراء يتم اختيارهم على اسس عدم مراعاة تمثيلهم الشعبي، او كفاءاتهم السياسية العالية التي يفرضها موقع رئيس الوزراء في آلية الحكم. في الجمهورية الثانية التي نتجت عن اتفاق الطائف جاء النظام مرة أخرى برلماني ديمقراطي، وانيطت السلطة التنفيذية في لبنان وفقا لنص المادة (17) من الدستور المعدل، بمجلس الوزراء بعدما كانت مناطة برئيس الجمهورية ويعاونه فيها الوزراء. وبذلك يكون الدستور أنهى من حيث "الشكل" بعضا من صلاحيات رئيس الجمهورية، واعتبر مجلس الوزراء الذي من المفترض ان يمثل مختلف التيارات السياسية والطائفية في المجتمع اللبناني، هو المؤتمن على ادارة البلاد وحماية مصالحها الحيوية. ورغم ان الحدود مرسومة لصلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور، لكنها اعطته مجالا وهامشا واسعين للتحرك في الاتجاه الذي يريد، وبالتالي التأثير بشكل او بآخر في ممارسة مجلس الوزراء لسلطته. من جانب آخر فرئيس مجلس الوزراء هو حكما رئيس الحكومة الذي يمثل مجلس الوزراء ويتكلم باسمه، أي بعبارة اخرى، ان رئيس الحكومة هو المسؤول عن سياسة الحكومة تعبيرا وتنفيذا، وهذا الحق وفق نص المادة (64) هو حصرا به ، وليس في أي شخص اخر سواه. وفي الدستور الجديد أصبحت رئاسة مجلس الوزراء مؤسسة يقودها رئيس الحكومة، بينما كانت سابقا تتبع الرئاسة بمختلف تحركها، والامر اللافت بخصوص مجلس الوزراء هو تحديد صلاحياته بشكل واضح واناطة السلطة التنفيذية به. فرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، رغم تمتعهما بصلاحيات معينة، باتا مقيدين الى حد ما في ممارسة صلاحياتهما بموافقة مجلس الوزراء، الامر الذي يجعل مجلس الوزراء – ولو على الصعيد النظري – الاداة المركزية لهيكلية الدولة، اذا ما استبعدت بعض العوامل المؤثرة في اضعاف دوره بين المواقع الدستورية الاخرى. وفي دستور الجمهورية الثانية ظهرت رغبة عبر المادة (95) المعدلة في إلغاء الطائفية السياسية، إلا أنها ربطت بقضايا أخرى لا تقل تعقيداً عنها، بحيث أصبحت مسألة عامة دون أطر محددة لإلغائها من حيث الزمان على الأقل. فإلغاء الطائفية وفقاً للفقرة الأول من نفس المادة، أعطت حق الالغاء لمجلس النواب "المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين" وعدا عن كون التوزيع الطائفي للمجلس، فان انتخاب أعضاء المجلس قد أسند في الأساس إلى قانون الانتخاب" الذي وزَّع المقاعد النيابية على أساس طائفي "كالتساوي" و"نسبياً بين المناطق" و"نسبياً بين الفئتين" إضافة الى اعتماد "المحافظة كدائرة انتخابية"، فارتبط الغاء الطائفية السياسية بالمجلس النيابي عبر "خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية" دون لحظ الأطر العامة "لاقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية" المناطة بالهيئة التي ستقدمها الى مجلسي النواب والوزراء. إن مراقبة الظروف التي أحاطت بلبنان ومجتمعه في الوصول الى صيغة النظام الحالية، تظهر ان التسوية القائمة حالياً عبر وثيقة الوفاق الوطني والتعديلات الدستورية التي جرت على أساسها، كانت مخرجاً لكل الأطراف التي انخرطت في الحرب الأهلية. وإن كانت لا تلبي طموحات البعض، فهي لم تغضب غالبيتهم، أي بعبارة اخرى، إن النظام القائم حالياً، أعطى الحد الأدنى من السقف الأعلى الذي رفعته بعض الأطراف، كما راعى ظروف ومتطلبات كل فئة من أجل وضعها بموازاة الفئات الأخرى دون هيمنة فئة على فئة. لكن فنظام الحكم في أي دولة لا تحدده قواعده القانونية، ولا أصوله الدستورية وحدها، بل تلعب اعتبارات كثيرة في مجال استمراره واستقراره، وربما كان اتفاق الطائف الذي أنتج الجمهورية الثانية قدم نوعا من الارتباط بتوافق إقليمي أساسه سوري – سعودي، الأمر الذي انسحب على المراحل اللاحقة منتجا ومنذ عام 2001 حالة من عدم الاستقرار في طبيعة السياسة الداخلية، وكانت عقدة انتخاب الرئيس أساسية، إضافة لتسمية رئيس الوزراء، لأن الاثنين لا يتحكمان بالسلطة التنفيذية فقط بل يمثلان حالة التوافق العامة في لبنان. في النهاية فإن رئيس الجمهورية ينتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي، وتدوم رئاسته ست سنوات ولا تجوز إعادة انتخابه إلا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته. وتم خرق هذا الشرط في عهد الرئيس بشارة الخوري والرئيس إلياس الهراوي والرئيس إميل لحود حيث تم التمديد لهم لنصف فترة رئاسية بعد تعديل الدستور، ولا يجوز انتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزًا على الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح. كما إنه لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الأولى وما يعادلها في جميع الإدارات العامة وسائر الأشخاص المعنويين في القانون العام مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعليًا عن وظيفتهم أو تاريخ إحالتهم على التقاعد. وخرقت هذه القاعدة عدة مرات، والمره الأخيرة كانت لانتخاب الرئيس الحالي ميشال سليمان. وكافة التعديلات الدستورية التي ظهرت بعد اتفاق الطائف لم تشكل "حصانة" لبنانية تجاه تقلبات الوضع الإقليمي، ورغم أن لبنان لم يعد يتواجد على أراضية قوات من خارج لبنان، وذلك بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، لكن هذا الأمر عمق تدخل التوازن الإقليمي في لبنان، وبرز هذا الأمر بوضوح مع الفراغ الدستوري بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، وأيضا في تشكيل الحكومات التي شهدت أكثر من مرة فراغا دستوريا بسبب عدم التوافق الإقليمي. إن ميثاق عام 1943 الذي أوجد الجمهورية الأولى كان توافقيا ولكنه استند إلى قدرة دولة الانتداب (فرنسا) على تعامل مع شرقي المتوسط في ظل توازنات نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن منذ عام 1956، ومع الخروج الأخير لفرنسا، وبريطانيا أيضا، من المنطقة وتشابك العلاقات الإقليمية بدأ التوافق اللبناني بالانهيار التدريجي ليخضع بشكل نهائي إلى العلاقات الإقليمية بشكل عام.

تقارير ذات صلة