معهد ليفانت للدراسات

الشباب في سورية ..أجيال الحرب والهجرة

الشباب في سورية ..أجيال الحرب والهجرة
أكتوبر 08
18:13 2015

تقترب الحرب في سورية من اتمام عامها الخامس .. نصف عقدٍ من الزمن كان كافي ليغيّر الديموغرافيا السورية ويبدّل مفاصل الحياة في كل أنحاء سورية .

لم تعد الحرب سورية- سورية كما لم تكن كذلك منذ البداية , سورية اليوم ساحة صراع للقوى المختلفة الاقليمية والدولية ,بلغ عدد الضحايا بحسب تقديرات الأمم المتحدة حتى يناير 2015 أكثر من 220 ألف مع حوالي 130،000 أسير و مفقود اضافة لما يزيد عن 5 مليون لاجئ ونازح , وبالطبع تزايدت هذه الارقام بشكل مطرد .

لقد تغيّر شكل الحياة تماماً في سورية والتي تعد من المجتمعات الفتيّة و تشكل شريحة الشباب فيه ما يقارب الثلثين , اليوم هناك قرى وبلدات فرغت تماماً من شبابها الذين سلك أبناؤها طريق الحرب مولاةً أومعارضة أو تطرّفاً وهناك مدن أخرى أخذ شبابها دروب الهجرة ورحلوا ..

بالطبع كان جيل الشباب الأكثر تاثراً بالمعطيات اليومية للحرب وبلا أدنى شك كان أكبر الفاعلين فيها

سابقاً قبل 2011 لم يمتنع عن الالتحاق بخدمة العلم إلا أعداد قليلة من الشباب السوريين ومن في حكمهم الذي توفرت لهم ظروف العمل في الخارج , وكانت الخدمة الالزامية قد تم تقليصها تباعاً حتى بلغت عاماً ونصف قبل الحرب , لم يكن يشعر الشباب السوري خلالها بالانخراط في مواجهة حقيقية تهدد وجوده كما اليوم وكان أبناء العائلات المرتاحة مادياً مرتاحون في الخدمة بالطبع .

منذ بدء الحرب أصدرت قيادة الجيش قرارات الاحتفاظ بالدورات العسكرية وعدم تسريحها ما أثار سخط واستياء المكلفين وعائلاتهم وكان سبباً أساسياً في الامتناع عن ارسال أبناءهم للخدمة أو محاولة تهريب أبنائهم وابعادهم خارج التورط في حرب مجهولة النهاية كما رأى البعض وعبثية كما رأى آخرون .

بعض الجنود في الخدمة الالزامية اليوم مرّ على خدمتهم خمس سنوات ذهبت أعداد كبيرة منهم ضحية للحرب الدموية التي دارت رحاها كل المدن السورية, يعيش ويقاتل الجنود في ظروف سيئة على مختلف الصعد وتعاني كثير من القطعات العسكرية من نقص الذخيرة والامداد والاعداد الهائلة للتنظيمات المتطرّفة من حولهم .

مدن وقرى الساحل السوري دفعت الضريبة الأكبر في الحرب الدائرة فغالبية المنتمين طوعيّاً للقوات المسلحة من أبناء هذه البلدات والقرى تبعاً لظروف اقتصادية واجتماعية . فيما تفضل العائلات في المدن الكبيرة أن يعمل أبناءها في التجارة والمهن المختلفة بعيداً عن الجيش او القوات المسلحة او السلك الأمني وهذا لاينفي بطبيعة الحال وجود أعداد كبيرة منهم في مختلف الأفرع الأمنية والقوات المسلحة وفرق الجيش .

بدأ شبح الخدمة الالزامية يشكل هاجساً لدى الشباب السوري بعد أن أخذت الحرب مداها الممتد هذا , لم يدرك السوريين مقدماً أن الحرب ستطول لهذه السنوات أو قد تستمر عدّة سنوات أخرى , اختلف تعامل الشباب مع ذلك تبعاً لانتماءاتهم السياسية وربما الدينية والاجتماعية فالتحقت أعداد هائلة من الساحل السوري بالقوات المسلحة النظامية أو بالتشكيلات العسكرية الجديدة كالدفاع الوطني والملاحظ اليوم أن هذه الفئة هي الكتلة الأكبر التي تقاتل في مختلف المناطق السورية وتسقط كضحايا دفاعاً عنها بمواجهة فصائل المعارضة .

ابناء المدن الكبرى التحقت أعداد خجولة منهم بالخدمة وبات غير الوحيد لوالديه منهم يفكر بأي طريقة للسفر والهجرة أو اللجوء , منهم من انتظر حتى أنهى فصوله الدراسية ومنهم من غادر باكراً نحو أوروبا وغيرها .

شبكات التهريب لم تتأخر عن استغلال ذلك فبدأت بتسعير الرحلات نحو أوروبا.. هناك رحلات برية وأخرى بحرية ومن كان لديه مال وفير فالطائرات مسخرة أيضاً لتساعده في ذلك وتبدأ تكاليف الرحلة من ألفي دولار ولاتقف عند حدود 8 آلاف دولار تبعاً لمستويات الامان وطريقة السفر .

انتشرت هذه الشبكات في سورية ولبنان وتركيا ورغم الرحلات غير الآمنة التي راح ضحيتها المئات إلا أن ذلك في زيادة مستمرة , وكان للمميزات والحوافز التي تمنحها دول اللجوء للاجئين دوراً كبيراً جداً في استقدام الآلاف من الشباب السوري على اختلاف مهنهم ودراساتهم وطبقاتهم الاجتماعية .

والملاحظ أيضاً تسرب الكثير والاعداد الهائلة من الكفاءات نحو دول اللجوء , هناك أرقام حكومية تتحدث عن أكثر من عشرة آلاف طبيب غادروا سورية .
 بالطبع تعمل حكومات بلدان اللجوء وغيرها على توفير الحواضن العلمية والاكاديمية لهؤلاء مع فرص العمل وهو ما افتقدوه خلال سنوات الحرب وماقبلها في سورية .

لقد انخرط جيل الشباب في سورية بأحد الخيارات الضيقة , القتال إلى جانب القوات الحكومية أو إلى جانب قوات المعارضة  أو التنظيمات الاسلامية المتشددة أو السفر واللجوء والهجرة مع أعداد قليلة من الشباب تتابع دراستها وحياة اجتماعية لم تمكّنها من السفر .

يبحث الشباب السوري اليوم عن حياة أفضل تبعد شبح الحرب عن أحلامه وطموحاته التي قلّصتها الحرب وأتت عليها فلا الطالب آمن في جامعته من قذائف الهاون والتفجيرات ولا المهاجر يأمن زوارق الموت في البحر المتوسط .

لم تمنح الحرب لأحد من السوريين خياراً بل فرض ذلك طبيعة الانتماء والظروف الاقتصادية التي يعيشها السوريون على اختلاف طبقاتهم ووجهاتهم السياسية فيدفع السوريين في سبيل الهجرة أموالاً طائلة منهم من اضطر لبيع بيته وأملاكه في سورية بعد انهيار سعر صرف الليرة السورية نحو 7 أضعاف !

يدرك غالبية السوريين أنه لا انتصار عسكري سينهي الحرب ولن يتمكن أحد من رفع راية النصر أخيراً فالكل خاسر حتى يتفق المجتمع الدولي  وتلتقي الارادات الدولية .

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة