معهد ليفانت للدراسات

أبناء الساحل السوري كضحايا للحرب أيضاً

أبناء الساحل السوري كضحايا للحرب أيضاً
مايو 05
09:15 2017

كان الشاب السوري نضال جنود، من سكان محافظة طرطوس السورية، ذات الأغلبية العلوية، من أوائل ضحايا الحرب التي بدأت ربيع 2011 في سورية بحراك شارع متمرد على حكومة الرئيس بشار الأسد، لم يطل جنوحه نحو العنف ضد السلطة والموالين لها، وكانت النبرة الطائفية واضحة في كثير من مفاصل الاحتجاج والعنف المسلّح، التي حاول إعلام المعارضة إخفاءها بداية، كي لا يُنظر إلى الحراك نظرة سلبية، فيما غض الإعلام الموالي النظر عن الصبغة الطائفية، لأن ذلك وفق الحكومة سيقود إلى مجهول لاتحمد عقباه، ولكن كل ذلك لم ينفع، وكل محاولات الطرفين بداية لإخفاء الطابع الطائفي باءت بالفشل مع تمدد وتوسّع النزاع، والذي ظهر بوضوح أكثر في مدينة حمص بين الأحياء السنية والعلوية.
 

ست سنوات ونيّف، مرت على الأحداث السورية، قضى خلالها الآلاف من سكان الساحل السوري -طرطوس واللاذقية – حتفهم، إما على جبهات القتال في صفوف الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني، أو هوجمت بلداتهم في ريف اللاذقية خاصة، حيث تعرّضوا لحملات عسكرية من قبل فصائل المعارضة المسلحة، يمكن وصفها بحملات إبادة جماعية، عدا عن التهجير من أماكن إقامتهم بدافع العمل في باقي المحافظات، وبرغم عدم وجود إحصائيات رسمية عن عدد القتلى من المدنيين والعسكريين، لكن الحديث عن ضحايا بالآلاف هو حديث غير مبالغ فيه , خاصة وأنهم يشكلون الأعداد الكبيرة لقوات الجيش والقوات المسلحة السورية .
 

حاجة سكان الساحل للتغيير بدرجات متفاوتة، والحصول على مساحة أكبر من الحرية على كافة الصعد، توازي حاجة باقي المناطق في سورية، لكن العنف الذي رافق الأحداث السورية منذ بدايتها، واستهدفهم بشكل مباشر، جعلهم يحسمون قرارهم بالوقوف إلى جانب الحكومة، سواء يرونها مخطئة أم صائبة، بدافع الحماية من أكثرية سنيّة، أظهر الكثير من أقطابها الواقفون في صف المعارضة حنقاً وعداوة للطائفة العلوية.
 

تاريخياً، تعرّض العلويون لحملات قتل وتهجير من قبل معظم الحكام والإمبراطوريات والجماعات التي حكمت المنطقة العربية، خاصة بلاد الشام، وكانت فتاوى ابن تيمية من أولى الفتاوى التي حرضت على قتلهم، وبقوا لعقود مشردين، هاربين بين الجبال من البطش، الذي انتهى بأفول الإمبراطورية العثمانية، ولم يروا النور إلا مع مجيء الانتداب الفرنسي إلى سورية، حيث دخلوا معترك الحياة المدنية وتطوعوا في الجيش، ثم جاء عهد الاستقلال وكانوا قد أصبحوا مندمجين في المجتمع السوري بشكل كبير، إلى أن جاء حكم الرئيس حافظ الأسد، ابن محافظة اللاذقية، وقدّم لهم الأمان الأكيد، وفتح لهم الأبواب للاندماج أكثر في المجتمع السوري بأغلبيته السنية، ومع ذلك جاءت أحداث الثمانينات التي قاد فيها الإخوان المسلمون تمرّداً ضد حكومة الأسد، لتنعش ذاكرة العلويين بأنهم سيبقون في خطر داهم، وأن سقوط حكومة الأسد الأب وبعده الأسد الابن بيد التنظيمات الإسلامية المتشددة ستعني وقوعهم مجدداً في شرك القتل والتهجير والنبذ.
 

اليوم، وخلال سنوات الأزمة السورية لجأ الكثير من سكان المناطق الملتهبة، خاصة في حلب وإدلب، إلى منطقة الساحل بعد أن أصبحت مساكنهم جبهات عسكرية، وساحات معارك بين الحكومة والمعارضة، لكن وباستثناء بعض الأحداث الفردية، لم يتعرّض اللاجئون السنّة في الساحل لأية عمليات عنف أو تهجير، حتى أن البعض يرى في محافظتي طرطوس واللاذقية صورة مصغرة عن سورية اليوم بتنوع سكانها المقيمين والوافدين، والاندماج والتعامل الطبيعي فيما بينهم، ماجعل الكثير يرون أن الصبغة الطائفية في الحرب هي حالة طارئة أفرزها الاستقطاب والانقسام الحاد في الموقف من السلطة السورية، وستنتهي آثارها بنهاية الحرب.
 

لم يعد سكان الساحل اليوم يخفون أوجاعهم جراء الأزمة، كما كان يحدث في السابق، للحفاظ على تماسكهم في مواجهة جبهة المعارضة، لكن استمرار الأزمة لأكثر من ست سنوات، وعدم وجود أمل بانتهائها قريباً، جعلهم يشتكون ويعلنون تضررهم من آثار الحرب على أي ساحة إعلامية أو اجتماعية، حالهم في ذلك حال الكثير من الشارع المعارض الذي تعب أيضاً من الحرب، ولعل في تخلّف الكثير من أبناء الساحل عن الخدمة العسكرية، بعد الاندفاع الذي رافق بداية الأزمة، يعطي الكثير من الدلالات على الإرهاق الذي يعانيه هؤلاء جراء استمرار الصراع.
 

أبناء الساحل، ومعهم الكثير من أبناء المناطق السورية الأخرى، باتوا يتطلعون إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، ويريدون إنهاء هذه الحرب، التي كلفتهم كثيراً، لكن الأزمة المعقدّة والمتداخل فيها المناطقي بالإقليمي والدولي جعل الأمر خارجاً عن إرادة السوريين، وأصبح محكوماً بالتوافقات الدولية ومصالح الدول التي شاركت في هذه الحرب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.     

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

تقارير ذات صلة