معهد ليفانت للدراسات

الرواية الأخرى لـ صفقة الكيميائي : كيف نجت سوريا من الضربات الأميركية ؟

سبتمبر 24
19:06 2014

وزراء أوروبيون كانوا في قلب النقاش، لا يشككون فحسب، بل يقدّمون رواية مناقضة. يقولون إنه من الخطأ ذكر روسيا، كما صار دارجاً، على أنها الكنية لصفقة الكيميائي السوري. صحيح أنها كانت مع واشنطن عرابة التوقيع والتنفيذ، لكن رواية الأوروبيين تؤكد أنهما كانتا في مأزق حقيقي، غارقتين وعاجزتين عن اجتراح حل. النجدة أتت من حيث لم ينتظر أحد، وفق رواية تقدمها «السفير» بناء على حديث وزراء خارجية ومسؤولين أوروبيين.

من المفيد طرح هذه الرواية، لتسليط الضوء على آليات التأثير في الصراع السوري، خصوصاً أن هذه الأيام تصادف الذكرى السنوية الأولى للاتفاق الكيميائي.

كان يوماً مشمساً، في السادس من أيلول، يغمر العاصمة الليتوانية فلنيوس، التي كانت تترقّب حدثاً مهماً. الكثير من مراسلي وسائل الإعلام الأوروبية والعالمية توجّهوا إلى هناك لتغطية اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية الأوروبيين، في مستهلّ الرئاسة الليتوانية الدورية للاتحاد الأوروبي.

الأهمية جاءت خصوصاً لأن وزير الخارجية الأميركي جون كيري كان قادماً للتشاور مع الأوروبيين. كانت تلك محطته الأولى في جولة أوروبية ستنقله إلى باريس، ثم لندن التي انطلق منها دخان الصفقة الكيميائية قبل أن يتم إعلانها من موسكو.

كان العالم حينها يضجّ بأخبار تأهب الولايات المتحدة لتوجيه ضربات عسكرية لدمشق. صور مئات الضحايا الذين قضوا في جريمة الأسلحة الكيميائية كانت تُعاد على شاشات التلفزة العالمية. واشنطن وعواصم غربية عدّة أعلنت أن النظام السوري هو «الفاعل»، وصار البيت الأبيض يقدّم عقاب القصف الجوي بوصفه مسألة محسومة.

وسط كل ذلك، ظهر أن لجولة كيري الأوروبية عنواناً واحداً: حشد الدعم السياسي لتحالف من عشر دول، تعهد مشاركة واشنطن، كما أعلنت، تنفيذ العمليات الجوية. لكن داخل الغرف المغلقة كانت العناوين غير ذلك.

مسؤول أوروبي رفيع المستوى، تحدث إلى «السفير» بشرط عدم كشف هويته، قال إن «الأميركيين كانوا في ورطة كبيرة. كيري كان يبحث عن طريقة تجنبهم الذهاب إلى ضربات جوية». ويؤكد هذا التقدير وزير أوروبي اجتمع مع كيري، ويقول «كان واضحاً أنهم في مشكلة كبيرة. كانوا يبحثون عن طريق للتقدم، ولم يكونوا متيقنين ما الذي عليهم فعله».

على الجانب الآخر، وفق المسؤول الأوروبي، كانت روسيا بدورها «في ورطة كبيرة أيضاً، فلم يكونوا يريدون أن يتم قصف الأسد، لكنهم كانوا عاجزين عن فعل شيء لتخليصه».

مبادرة لإنزال الأميركيين عن الشجرة

هذا التقييم كان قد رست عليه مجموعة من الوزراء الأوروبيين، حتى قبل استقبال نظيرهم الأميركي. لذلك قرروا تقديم مبادرة صقلوها بعناية شديدة. يقول المسؤول الأوروبي بلهجة لا تخلو من الزهو: «لقد حللنا المشكلة وأخرجنا الجميع من ورطتهم».

حينها كانت الإدارة الأميركية صعدت إلى أعلى شجرة تهديداتها، لكنها مع ذلك تتعرض لضغوط كبيرة. الحليفة بريطانيا أعلنت أنها لن تشارك في التحالف لضرب دمشق، بعدما صوّت مجلس العموم ضد السماح بذلك. الرئيس الأميركي باراك اوباما كان يعرف الصعوبات التي تنتظره في الكونغرس، وكان واضحاً أنه لن يحصل بأي شكل على غالبية داعمة.

في صالة الاجتماعات الفسيحة في فلنيوس، كان كيري يواجه صعوبات كبيرة في إقناع الأوروبيين بدعم الضربات. خلال دخوله الاجتماع، مازح وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت وهو يصافحه. غمز إلى لباسه المتخفف من الرسمية، مداعباً أعلى قميصه المفتوح من دون ربطة عنق. لكن هذا الإحساس بالاسترخاء تبخر خلال النقاشات الحساسة.

يتذكر الوزير السويدي تلك الأجواء، خلال حديث إلى «السفير». يقول إنه «كان لدينا نقاش طويل نسبياً مع كيري، ركز على موضوع الساعة: القصف أم عدم القصف. كان يجادل للحصول على دعمنا للضربات، ولم نكن متحمّسين لأننا لم نكن نرى ما الذي سينتجه ذلك. لم نرَ أن ذلك سيحل المشكلة التي لدينا مع الأسلحة الكيميائية».

كان كيري يحاول جاهداً تبديد مخاوف مجالسيه، معيداً توضيب واحدة من ربطات عنقه المفضلة، تلك الوردية المزركشة بالأبيض. لكنها محاولات لم تفلح، كما يروي الوزير السويدي: «أتذكر أن كيري قال لنا إن الأمر (القصف) سينتهي قبل أن تدرك أنه بدأ. شدّد لنا على أنها ستكون عملية محدودة ليس أكثر». لكن ذلك كان حجة على كيري كما يوضح بيلدت «هذا كان اعتراضنا عليه. يعني أن القصف سيسبب مشاكل كثيرة، ولكنه لن يحلّ أي مشكلة. لن يحل مشكلة الأسلحة الكيميائية، لن يكون له تأثير كبير على الأرض، وربما يصبّ في مصلحة نظام الأسد».

لكن الوزراء المعارضين لم يأتوا خالي الوفاض. يقول مسؤول أوروبي بارز، اجتمع مع كيري، إنهم قدموا له «المقترح الذي شكل الاساس للصفقة» الكيميائية. يرى أن الإنصاف كان يستوجب أن تسمّى الصفقة الكيميائية: «خطة بروك ـ سيكورسكي».

هذا الثائي هما وزير خارجية بولندا راديسلاف سيكورسكي، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي إلمار بروك. الأول كان صاحب الفكرة، والثاني عمل على صقلها في مقترح جذاب ومحكم سياسياً.

كيف لم تكن صفقة الكيميائي مفاجأة ؟

وفق الرواية الأوروبية بدأت الحكاية مع الوزير البولندي. كان سيكورسكي يطلق شراراتها الأولى، حتى قبل أحد عشر يوماً من تفاجؤ العالم بإعلان الصفقة الكيميائية. أشار إلى جوهر الحل البديل بشكل عرضي في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، نشرت في 29 آب. شرح حينها أن الترسانة الكيميائية السورية سوفياتية المنشأ، وأن روسيا لذلك تتحمل قسطاً من المسؤولية. قال في خلاصته «إذا وافقت روسيا، التي تعارض تدخلاً عسكرياً في سوريا، على تحمل مسؤوليتها لضمان المواد (الكيميائية)، فهذا ربما يغير الوضع».

في اليوم نفسه اتصل سيكورسكي بنظيره الأميركي ليقدّم له الفكرة، كما فعل الشيء ذاته مع مسؤول روسي لم يتم الإفصاح عن هويته.

في اليوم التالي كانت الفكرة تكتسب زخماً، وأشاعت أوساط قريبة من صاحبها بأنها لقيت اهتماماً أميركياً.

تجرّأ سيكورسكي أكثر، وأعاد صياغة مقترحه بشكل أكثر مباشرة. غرد في اليوم التالي، على حسابه في موقع «تويتر»، قائلاً: «أعتقد أن روسيا يمكنها ربما منع الحرب بأن تعلن أنها ستتولى تأمين الترسانة الكيميائية السورية».

بدلاً من السؤال لماذا سيكورسكي، ومَن هو ليقدم حلولاً كهذه، ربما الأفضل السؤال لماذا بولندا؟

لو كان هنالك من يراقب المناخ الدولي حول الضربات الجوية، من خلال شاشة «مونيتور»، كان ينبغي أن تضيء بالأحمر تلك الدولة في الشرق الأوروبي. بولندا واحدة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة. لم ترسل جنودها فقط إلى أفغانستان، بل انضمت إلى واشنطن بعد ذلك في تحالف غزو العراق. ذهبت إلى هناك متجاهلة كل المعارضة للاجتياح، بما في ذلك من نظرائها الأوروبيين.

مع التحالف المزمع حول سوريا، خرجت وارسو لمرة نادرة من سرب الحلف مع واشنطن. قبل أيام من إطلاق فكرة وزير خارجيته، أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده لن تشارك في عملية عسكرية ضد دمشق. قال معارضاً التحرك «أنا غير مقتنع أن هجوماً مسلحاً سوف يوقف الجرائم».

بعد طرحه فكرة البديل، واصل سيكورسكي بناء المنطق المعارض للضربات. تحدّث في مؤتمر حواري، يوم 8 أيلول، متسائلاً أمام جمهور من المستمعين «هل نريد قيام عراق آخر؟»، قبل أن يحذر من أنه «يجب التفكير بالعواقب قبل الغرق».

لكن الفكرة التي طرحها سيكورسكي ما كانت لتعمل بتلك الصيغة. هذا ما يؤكده سياسي أوروبي رفيع المستوى، كان في اجتماع فلنيوس مع كيري. يشرح بأن الطلب من روسيا «تحمّل مسؤولية» تأمين السلاح الكيميائي «لم يكن صائب سياسياً». كانت موسكو تكرر أن المعارضة المسلحة هي من ارتكبت جريمة الكيميائي بهدف «استفزاز» رد دولي. لذا يقول السياسي البارز إن قبولها بمسؤولية تأمين الكيميائي، كما طالب سيكورسكي، سيعتبر «كما لو أنها تناقض نفسها أولاً، ثم تقر بارتكاب النظام للجريمة وأنها تتحمل المسؤولية عن ذلك».

عنب الكيميائي ومغازلة الناطور الروسي

لذلك كانت الخطوة التالية إعادة صياغة وتوجيه المقترح، على طريقة: إذا كنا نريد العنب، ويمكن للناطور جلبه لنا، فلماذا لا نشجعه على ذلك. هذا النقاش جرى خلال اجتماع جانبي، يوم 7 أيلول في فلنيوس، لوزراء خارجية تكتل «حزب الشعب الأوروبي» (المسيحيين الديموقراطيين)، الممسك بالسلطة في نصف دول الاتحاد الأوروبي تقريباً.

النقاش شارك فيه الوزير السويدي، لكونه من المجموعة. يؤكد أنهم ركزوا على تطوير فكرة نظيرهم البولندي، ويوضح «كنت مع سيكورسكي وبروك ووزراء آخرين، عقدنا اجتماع وزراء حزب الشعب الأوروبي. ناقشنا هذا المقترح المحدد. ثم قمنا بتدوينه (كمبادرة) في بيان، وقلنا إن هذا طريق بنّاء ممكن للمضي قدماً».

هنا جاء دور رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي إلمار بروك، الذي ترأس اجتماع وزراء التكتل الحزبي. انصب جهد بروك على جعل فكرة سيكورسكي «مبادرة قابلة للحياة»، مع التركيز على جعلها مقبولة من موسكو. كان يعرف أن غير ذلك سيكون مصيرها الفشل.

الوزراء المشاركون وقعوا على بيان يقدم المبادرة المعدلة، بعدما راعت بالفعل التحفظات الروسية إلى أقصى حد. أعلن الوزراء المشاركون، في ذلك البيان، أنه «إذا تأكد أن استخدام أسلحة للدمار الشامل كهذه من قبل نظام الأسد، فيجب أن تصدر مهلة فورية للنظام لوضع مخزونه من المواد الكيميائية تحت السيطرة الدولية، الأمر الذي يمكن أن يتم بمشاركة روسيا، خلال 30 يوماً». لم يحمّلوا نظام دمشق مباشرة مسؤولية جريمة الكيميائي في 21 آب 2013. أدانوا استخدام هذه الأسلحة معتبرين أن ذلك تم «على الأرجح عبر عناصر من نظام الأسد»، ليخلصوا إلى أن الرد يكون عبر «منع النظام من استخدامها مجدداً».

يقول مسؤول أوروبي إن بروك وسيكورسكي قدما هذه المبادرة إلى كيري مباشرة، وأن نقاشاً مستفيضاً جرى حولها. من جهته، يؤكد وزير أوروبي أن الوزير البولندي قام بعرض المبادرة، مرة أخرى، أمام جميع الوزراء الأوروبيين المجتمعين مع كيري.

مبادرة الأوروبيين تعطيهم دوراً في مسرحية لندن

كان المشاركون في ذلك الاجتماع الموسّع محرومين من الاضاءة الطبيعية التي صممت الصالة لتوفيرها، فالستائر السوداء أسدلت على الجدار الزجاجي لصد أشعة الشمس، في مقابله لم يكن الجميع مرتاحاً لإطلاق محاولة نزع فتيل الضربات الجوية. الوزير الفرنسي لوران فابيوس كان ينصت كاتماً غيظه، فبلاده كانت من بين أكثر المتحمّسين لمعاقبة دمشق. مع ذلك كان يتصرف، ويصرح، على أساس حتمية فشل ذلك المسعى.

وزراء مجموعة «حزب الشعب الأوروبي» قرّروا التكتم على مبادرتهم. كان ذلك ضرورياً لإعطائها الفرصة كي تنجح. لم ينشروا بيانهم الذي وقعوه يوم السبت. أصدروه فقط يوم الاثنين، بعد وقوع «زلة لسان» كيري ثم إعلان الروس عن الصفقة الكيميائية.

يقول مسؤول أوروبي إن ذلك التأجيل «كان ضرورياً جداً». يشرح ما حدث: «لم يكن يهمنا الحصول على شرف أننا من بادر للصفقة، بل كنا نريد منع القصف. كيري قدّم المقترح للروس، وهم قفزوا عليه لأنهم أرادوا الحصول على شرف بأن يُنسب لهم، ثم حصلوا على موافقة دمشق حينما كان كيري في باريس ولندن».

يوافق ديبلوماسي أوروبي بارز على هذا التوصيف، لكنه يقول إن جوهر المسألة كان نجاح المبادرة «لذلك كان من المهم جداً أن تخرج المبادرة من روسيا، فهذا يريحها مع حليفها الأسد ليقولوا: لقد اخترنا تقديم هذا الحل بأنفسنا ولم يفرض أحد علينا شيئاً».

بعد تقديم المبادرة الأوروبية، جال كيري في باريس ولندن. ركزت تصريحاته على أن حتمية الضربات الجوية آتية، مواصلاً حملة الحشد لها. لكن هنالك مؤشرات بأن محاولة إنجاز الصفقة كانت جارية، حتى قبل مسرحية «زلة اللسان»، التي أعلن كيري عبرها إمكانية إيقاف الضربات الجوية بشرط تسليم الكيميائي.

قبل ذلك بيوم، أطلّ كيري مداعباً ربطة عنقه الوردية، في مؤتمر صحافي في باريس، ليقول إن الأسد «لديه واحد من أكبر المخزونات (الكيميائية)، وفي هذه اللحظة ليس لديه أيّ رغبة للتفاوض حقاً (حولها)». كان تعليقاً نافراً، بلا سياق، لأن أحداً لم يطرح علناً أي تفاوض.

على كل حال مشت هذه المسرحية كما خطط لها. أوحت موسكو بأنها تلقفت كلام كيري، ليعلن وزير خارجيتها سيرغي لافروف أنه «إذا كان إنشاء رقابة دولية على الأسلحة الكيميائية في هذا البلد سيسمح بتجنب الضربات، فسنبدأ على الفور (العمل على ذلك) مع دمشق». التتمة معروفة: موافقة النظام السوري جاءت بسرعة البرق، وأكمل كيري ولافروف صياغة اتفاق كيميائي شامل في جنيف بعد أيام.

حجج المشكّكين وردود الأوروبيين عليها

الوزير البولندي لم يتعفف عن تقديم دوره كإنجاز، بخلاف بقية من شارك في هندسة المبادرة الأوروبية.

يوم إعلان الصفقة، قال في «تغريدة» إنه «مسرور من أن روسيا أخذت باقتراح بولندا (حول) دورها في تفكيك ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية». بعدها بيوم، تحدّث بإسهاب أكبر في مقابلة مع التلفزة البولندية. قال إن روسيا «لم تقدّر» مقترحه في البداية، قبل أن يضيف «لكنهم الآن غيروا رأيهم، وهذا جيد لأنه في سوريا لا توجد حلول جيدة (…) أنا مسرور لأن لدينا الآن مساراً آخر يمكن أن يساعدنا على حل مشكلة ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا بدون استخدام القوة».

من شاركوا في طرح المبادرة يعرفون الطروحات المشككة في أنهم أصحابها، ولديهم ردود وافية حول نسبها إلى موسكو. يقدمون أولاً السياق العام الذي كان سائداً. قادة في المعارضة السورية كانوا يهللون، في كل مكان، لحتمية الضربات، واعدين بمفاجآت. دمشق بدورها كانت تستعدّ على الأرض لتلقي الضربات.

في الغرف المغلقة الأوضاع لم تكن مختلفة. يؤكد الوزير السويدي أن كيري لم يصدر، طوال اجتماعهم معه، أي شيء يوحي بأن هناك مخرجاً تقترحه روسيا. يقول بيلدت «لم تكن هناك أي إشارة. كان واضحاً أن الروس يريدون منع الأميركيين من القصف، لكننا لم نلاحظ نشاطاً كبيراً من جهتهم لهذه الغاية، فهم وقتها كانوا يعلنون أن المعارضة هي التي نفذت الهجوم الكيميائي. حتى ذلك الوقت لم يكونوا يلعبون دوراً بناءً، ولكن انقلب الوضع بعد بضعة أيام».

ديبلوماسي أوروبي رفيع المستوى يفضل أن يحاجج بأدلة. يتساءل: «لو كنت في مكان روسيا ولدي بالفعل هذا المقترح، فلن يكون حكيماً أبداً أن أطلق عليه النار قبل أيام حينما أسمعه من غيري. كنت تجاهلته لكن لم أكن لأهاجمه بشدة».

ما يتحدّث عنه الديبلوماسي البارز هو ما حدث قبل إعلان الصفقة بأسبوع. كان الوزير البولندي قدم فكرته الأولى، مقترحاً على روسيا ضمان سلامة الأسلحة الكيميائية لمنع الحرب. انتظرت وزارة الخارجية الروسية بضعة أيام، قبل أن تنشر تعليقاً اعتبرت فيه أن مقترح سيكورسكي «لا يمكن أن يثير إلا الكثير من الدهشة. المسؤولية عن سلامة هذه الأسلحة الكيميائية هي بيد حكومة سورية سيادية، وليست بيد أي أحد آخر. يجب ألا تحاول أي قوى خارجية أو داخلية منع (دمشق) القيام بهذه المهمة أو أن تتدخل بهذه العملية».

سألت «السفير» ديبلوماسياً روسياً رفيع المستوى، فاعترض على فكرة أن تكون المبادرة الكيميائية جاءت من وزراء أوروبيين. علق على ذلك بالقول «لم أكن حاضراً اجتماع فلنيوس، ولا أعرف ما حصل فيه، لكن ما أعرفه أن المبادرة هي فكرة شخصية محضة للوزير لافروف». طبعاً هذا الكلام يناقض، من جهة أخرى، الروايات التي قالت إن الصفقة الكيميائية ولدت خلال لقاءين جمعا بوتين مع أوباما. الأول على هامش قمة العشرين في المكسيك، في حزيران العام 2012، والثاني في قمة العشرين في سانت بطرسبورغ، في بداية أيلول العام 2013.

تهمة «إنقاذ النظام السوري» تلاحق الحزب الأوروبي النافذ

لا يفاجئ الأوروبيون الذين قدموا المبادرة بسماع التهمة التي تلاحقهم: أحزاب «المسيحيين الديموقراطيين»، الوازنة في القرار الأوروبي، هي التي أنقذت النظام السوري. يقول أحد المسؤولين الأوروبيين إن من كانوا متحمّسين للقصف «على الأرجح سيقولون ذلك»، نافياً أن يكون ذلك هدف مساعيهم.

كارل بيلدت لا يستغرب هذه «التهمة» بدوره، لكنه يرد بأن «المسألة الأساسية كانت التخلص من الأسلحة الكيميائية، لأنه بدون ذلك كنا متأكدين أنها ستستخدم أكثر وأكثر مع عواقب أكثر تدميراً».

تجنب التدخل العسكري في سوريا لا يزال عنواناً أساسياً لهذا التيار السياسي النافذ. لا يتوقفون عن تكرار ذلك في كل مناسبة، داخل الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي.

الوزير سيكورسكي يغادر الآن منصبه، إلى آخر أرفع في بولندا، حيث سيكون رئيساً للبرلمان. كارل بيلدت سيغادر منصبه أيضاً، لكن لم يعرف إلى أين. إلمار بروك انتخب مجدداً رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي، لخمس سنوات جديدة.

كتب بيلدت معلقاً على مغادرة سيكورسكي قبل أيام «حزين لأنه سيترك وزارة الخارجية. كان نجماً في مشهد السياسة الخارجية الأوروبية». ردّ عليه الوزير البولندي الثناء بمثله، وقال «نقاش السياسة الخارجية الأوروبية لن يكون نفسه من دون صوتك المتحضر».

إطلاق مبادرة «الصفقة الكيميائية» السورية، ستبقى واحدة من الذكريات المهمة التي يتداولها هؤلاء الساسة حول أيام عملهم معاً. بغض النظر عن الانتقادات والتشكيك. بالنسبة لهم، ساهم مسعاهم بشكل أكيد في «نزع فتيل حرب لم يكن أحد يعرف إلى ماذا ستتفرع وكيف ستنتهي»، كما علق أحدهم.

جريدة السفيروسيم ابراهيم  – 23-9-2014

 

تقارير ذات صلة