معهد ليفانت للدراسات

الديموغرافيا السورية .. كوارث الحرب المخيفة

الديموغرافيا السورية .. كوارث الحرب المخيفة
نوفمبر 27
18:44 2015

تناول الكثيرون مختلف جوانب الأزمة السورية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن الجانب الديموغرافي لم يلق ما يستحق من اهتمام على الرغم من أهميته الكبرى عند وضع خطط إعادة الإعمار التي يجب أن تعتمد على بيانات إحصائية موثوقة حول الموارد المتاحة ومن ضمنها الموارد البشرية على المستوى الوطنيِ.

علم الديموغرافيا وثيق الصلة بعلوم أخرى، مثل علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم التاريخ، الأمر الذي يجعل من المنطقي ربطه بعلم السياسة، حيث أن أي تقييم استراتيجي يجب أن يستند إلى معطيات ديموغرافية لأن المتغيرات الديموغرافية تلعب دوراً مزدوجاً بوصفهما سبباً ونتيجةً في آن واحد، وتعطي دلالات على تحولات جيوسياسية قادمة.

أبرز التداعيات الأزمة السورية على الوضع السكاني، يتمثل في النزيف البشري الناتج عن العمليات العسكرية المباشرة، ويتمثل في الوفيات، وفي حالات إعاقة دائمة أو مؤقتة، والنزوح داخل البلد والهجرة، واختلال التوازن بين الريف والمدن، وتراجع معدل الولادات، وتدهور الوضع البيئي.

وأدت موجات الهجرة الداخلية إلى مناطق الأمان في ظل الدولة، والهجرة الخارجية إلى البلدان المجاورة وأوروبا، إلى تقليص كبير في عدد العاملين في القطاع الزراعي الذي لم يتجاوز النموذج التقليدي المعتمد على اليد العاملة، وصحيح أن المكننة دخلت ميدان المحاصيل الزراعية الاستراتيجية (القطن – القمح- الحبوب) لكن زراعة الخضار والفواكه تعتمد بشكل رئيسي على قوة الإنسان، وبالتالي سيكون للنزيف الديموغرافي تأثير بالغ الضرر على الأمن الغذائي.

وثمة مجموعة من العوامل التي تتحكم بالنمو الديموغرافي في بلد ما، هي معدلات الزواج والولادات والوفيات والانتقال الجغرافي، لا تتوفر لدى الباحثين إحصائيات ومسوحات محدثة حول عوامل النمو الديموغرافي، لكن يمكن للمراقب طرح تصورات حول العوامل المحددة للنمو الديموغرافي في سورية في ظل استمرار الأزمة.

معدل الزواج : أدت الأزمة إلى تهديم مئات آلاف المساكن، وإلى نزوح ملايين المواطنين نحو المناطق التي تنعم بسلطة الدولة، الأمر الذي خلق أزمة فيما يتعلق بالسكن، وصار العثور على سكن صحي لائق بالكرامة البشرية بمثابة حلم بالنسبة لفئة الشباب التي تعاني بالأصل من مشاكل في الحصول على عمل يوفر مصدر دخل ثابت يكفي لضرورات الحياة اليومية، ويضمن الاستقلال الاقتصادي الذي يعتبر من شروط نجاح الحياة الزوجية، وبالتالي صار العزوف عن الزواج ظاهرة منتشرة بين أفراد الجنسين، وهو أمر لا بد من أن يترك أثراً واضحاً على معدلات الولادات، فيما يرتبط مؤشر معدل الولادات بالكثير من العوامل من أهمها استمرار الحياة الزوجية والاستقرار الاقتصادي وبرامج الصحة الإنجابية.

مؤشر معدل الوفيات : يتعلق هذ المؤشر بمجموعة من العوامل، لكن عدد ضحايا الصراع الدامي ساهم برفع معدل الوفيات بشكل مرعب، وزاد من سوء الوضع تراجع مستوى أداء برامج الصحة العامة نتيجة للأوضاع الأمنية، كما ساهم التلوث، الذي نتج عن استخدام المجموعات المسلحة لأساليب بدائية في استخراج وتكرير المشتقات النفطية، في تدهور الوضع البيئي، الأمر الذي لا يمكن إلا أن يلعب دوراً في رفع معدلات الوفيات.

عند الرجوع إلى موقعي وزارة الصحة والمكتب المركزي للإحصاء، وهو الجهة الوحيدة التي تم اعتماد بياناتها لوضع الخطط الرسمية، تبين أن البيانات تفتقر للتحديث، وتعود أحدث الأرقام إلى العام 2011، بالمقابل، واظبت منظمة الأمم المتحدة على تحديث بياناتها، والتي يستفاد منها أن معدل نمو السكان في سورية بلغ 2.08 بين عامي 2000-2005، وقفز إلى 3.4 بين عامي 2005-،2010، لكي تتتالى بعد ذلك أرقام مرعبة تشير إلى مخاطر حقيقية حيث قدرت نسبة نمو السكان بين 2010-2015 بمعدل 0.67 .

وتشير تقديرات نمو السكان بين 2020-2025 إلى معدل منخفض يصل إلى 1.43، وتستمر النسبة في الانخفاض حيث يقدر ألا يتجاوز معدل نمو السكان في سورية 2025-2030، وفق تقديرات الأمم المتحدة 1.43، إلى أن يبلغ مستوى 0.80 في الفترة 2045-2050. ويمكن تصور مدى فداحة المخاطر التي تهدد المجتمع السوري إذا ما عرفنا أن نسبة النمو التي تضمن تجدد المجتمع هي 2.1، وهو أمر يتطلب التعامل معه بجدية مطلقة.

كما صار موضوع هجرة السوريين إلى الخارج بمثابة حدث الساعة، حيث غصت وكالات الأنباء بأخبار هذا الحراك البشري غير المسبوق، والذي أدى وفق أدنى التقديرات إلى هجرة ونزوح  قرابة الأربعة ملايين إنسان موزعين في دول الجوار وفي أوروبا، الأمر الذي يشير إلى تراجع عدد سكان البلاد بمعدلات يصعب تعويضها.
كان انخفاض معدل نمو السكان من أهم المواضيع التي شغلت مراكز الدراسات في الكثير من البلدان المتطورة، مع التأكيد على التباين الكبير بين أسباب تراجع معدلات نمو تلك المجتمعات وأسباب تراجع معدلات النمو الديموغرافي في سورية.

ومن خلال متابعة وسائل الإعلام، يلاحظ أن تلك الدول تحاول فعل المستحيل للتعامل مع نسب نمو سكاني تعتبرها بمثابة إشارة إنذار، حيث وصلت نسبة نمو السكان في ألمانيا إلى 1.8، الأمر الذي دفع الكثير من المخططين الاستراتيجيين الألمان لحث الحكومة لوضع خطط لجذب المهاجرين بهدف تعويض النقص في القوى العاملة، وألمانيا اليوم تعمل على جذب اليد العاملة السورية من خلال التسهيلات التي تقدمها للاجئين.

يطرح التحدي الديموغرافي في سورية مجموعة من التحديات لا يمكن إغفالها، ولا يجوز تأجيل التعامل معها، وذلك من خلال خطط مرحلية تتضمن إجراءات فورية وأخرى متوسطة وبعيدة المدى تبدأ بعملية تقويم الوضع الراهن، من خلال جمع البيانات وتحديثها وإخضاعها للتحليل، بهدف تحديد الفرص والتحديات ونقاط القوة والضعف، وصولاً إلى وضع خطط موضوعية ومرنة تتناسب مع الموارد البشرية والمالية المتاحة، لأن استمرار النزيف الديموغرافي يمثل خطراً على مستقبل البلاد وعلى قدرة المجتمع السوري على تجديد نفسه.

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة