معهد ليفانت للدراسات

الدوائر الحكومية السورية .. البيروقراطية القاتلة مستمرّة

الدوائر الحكومية السورية .. البيروقراطية القاتلة مستمرّة
مارس 14
18:32 2016

إن كان النزاع في سورية قد غيّر في كثير من تفاصيل الحياة اليومية للسوريين إلا أنّه لم يغيّر شيئاً على صعيد العلاقة بين الدولة والمواطن , مازالت مسافات واسعة تحتفظ بها الدولة في علاقتها مع السوريين  , بل لقد عقّد العلاقة على صعيد عمل المؤسسات والدوائر الحكومية , حتى أنّ اخراج ورقة يحتاجُ ليوم كامل نتيجة الضغط والازدحام وخاصة في الدوائر في العاصمة دمشق .

 

تعيش المؤسسات الحكومية السورية كما كانت تعيشُ قبل عقود , فرغم وجود الكومبيوترات والأجهزة الحديثة ووسائل الراحة المفترضة إلا أنّ عماد هذه المؤسسات مازال الموظفين , وأهوائهم هي المحرك الرئيسي لعمل المؤسسات والسماسرة على أبواب المؤسسات هم المفاتيح الأسرع القادرة على فتح أي باب و تنفيذ المطلوب .

حاولت الحكومة أن تخطو خطوات جيّدة تجاه الفساد المستشري في مؤسساتها , أنشأت مراكز خدمة المواطن والنافذة الواحدة لبعض الخدمات كما قامت ولعدّة مرات خجولة بفصل بعض الموظفين والمتعاقدين بتهم الفساد لكن بقيت كل أنواع الرقابة التي تمارس عاجزة عن ضبط هذه المؤسسات وتحويلها لمؤسسات صديقة للسوريين كما الهدف الأول لدوائر الحكومة في كل دول العالم .

تحكم البيروقراطيّة والروتين القاسي عمل المؤسسات وقد يؤدي غياب موظف واحد لتعطيل معاملات مئات المواطنين والمشهدُ المعتاد مكاتب تخلو من موظفيها أو موظفين عدّة على توقيع واحد أحياناً  , وتحتّم طبيعة النظام الاشتراكي الذي مازالت تعمل وفقه الدولة – رغم التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي منذ عّدة سنوات – قبول أعداد جديدة سنويّاً من الموظفين من الخريجين ومن مختلف الفئات ولو لم تكن لها حاجة بهم , فتقوم بتوزيعهم على الدوائر والوزارات دون مراعاة للاحتياجات الفعليّة لأماكن فرزهم ودون النظر لمدى ملائمتهم لهذا المكان أو ذلك .

وهذا ما فرض واقعاً في معظم هذه المؤسسات لعمل عدّة موظفين مركزيين وباقي موظفي المكان لاشغل لهم إلا توقيعات لاجدوى منها تستخدم ربما فقط لابطاء سير المعاملة أو الطلب .

على الرغم من الزيادات المستمرة والمنح والعلاوات التي أقرتها مراسيم تشريعية حول رواتب الموظفين تبقى الحدود الدنيا والعليا للرواتب الحكومية عاجزة عن سد الاحتياج المعيشي لعائلات الموظفين , فبات من الطبيعي انتشار مظاهر الفساد والرشوة والاكراميات بين مختلف درجات الموظفين وبمعرفة رؤسائهم في معظم الأحيان ومحاصصتهم ربما .

بالطبع لايعمم ذلك على كل المؤسسات والدوائر الحكوميّة لكن الغالبية العظمى منها تحكمها هذه الظواهر وتكاد لاتخلو مؤسسة أو دائرة حكومية من سماسرة ومفاتيح لأي معاملات مستعصية أو غير قانونية أو حتّى قانونيّة يرغب صاحبها بالاسراع فيها .

وعلى الأخص تنتشر هذه المشاهدات في المؤسسات والمصارف الحكومية في العاصمة والتي تقطن فيها اليوم أعداد كبيرة نتيجة النزوح وانتقال كثير من العائلات نحوها بضغط ظروف النزاع , وقد أغلقت كثير من المؤسسات الحكومية في المحافظات وتركّز الضغط في العاصمة دمشق .

كل التحديثات التي عملت الدولة على ادخالها إلى مفاصل عملها في المؤسسات لم تساهم فعليّاً في الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة , مازالت الورقيات تحكم كلّ شيء وبات من الطبيعي أن يُستهلك يوماً كاملاً لاخراج ورقة حكومية أو ربما لايكفي يوم واحد نتيجة ظروف الكهرباء والازدحام الرهيب وغيرها .

اذا كانت الحرب قد غيّرت من الروتين اليومي لبعض مفاصل الحياة في سورية فإنّها بطّئت عمل المؤسسات وجعلته نموذجاً يدفع نحو التفكير بطبيعة سير المنظومة الاداريّة المترهلة والتي تحتاج لتطوير وربما تشكيل جديد يتلائم وظروف الحياة المتجددة , ومالحديث الذي كثّر في السنوات التي سبقت الأزمة حول حكومة الكترونية وغيرها إلا مقترحات بقيت داخل أدراج صنّاع القرار في سورية , وميزتهم المعروفة الغاء ما كان قبلهم والبدء في العمل من جديد , فما ان يبدأ انتاجهم الفعلي بعد عدّة سنوات حتى تتغيّر التركيبة الحكومية وتعود الأمور لسابقها .

الضغط البشري الهائل الذي يستفيد من عمل المؤسسات في سورية وخاصة في ظروف النزاع القائم يتطلب تحديث البنية وتطويرها بما يتلائم مع الاحتياجات اليومية والمتجددة للسوريين فمن غير المعقول أن تصبح عبارات (نفذ حبر الطابعة – لايوجد لدينا نماذج – انقطعت الكهرباء – عد في الغد) مرافقة وتميمة للمعاملات والأوراق الرسميّة , حتى غدا احضار ورقةٍ أو دفع وصلً في مصرف حكومي يحتاجُ ليوم أو أكثر من الانتظار  .في ظروف سيئة

في انتظار انتهاء الأعمال العسكرية أمام السوريين تحديات ادارية أكثر هولاً ربما وتحتاج لطرق غير تقليدية للتعامل معها , كما أن بناء الاستراتيجيات والخطط الوطنية يجب أن يكون وطنيّاً غير مرتبط بالشخصيات التي تعدّه فإذا تغيّرت تغيّر وعادت الأمور إلى البدايات .

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

تقارير ذات صلة