معهد ليفانت للدراسات

الدستور اللبناني.. الدولة المرنة

الدستور اللبناني.. الدولة المرنة
مارس 06
09:22 2015

ظهر الدستور اللبناني عام 1926 في فترة الانتداب الفرنسي، وشكل مقدمة أساسية لصياغة الجمهورية اللبنانية القائمة على توازن القوى الطائفية بالدرجة الأولى، لكن معالم الحياة "الدستورية" ظهرت بشكل واضح مع اتفاق القوى "السياسية – الطائفية" على ميثاق عام 1943، وهو توافق لم يكن ممكناً دون رعاية فرنسية وجدت مجموعة مصالح جديدة؛ فالازدواجية بين القائد السياسي والزعيم الطائفي مثلت "شرعية" خاصة للبنان، لم تكوّن فقط النص الدستوري بل قدمت تصوراً لـ"ديمقراطية الواقع".

الشرعية والتمثيل

في نص الدستور اللبناني ومبادئه الأساسية تأكيداً على المساواة بين اللبنانيين، ولا يوجد ضمن بنوده ما يبرر طبيعة الاقتسام الطائفي للسلطات الثلاث بين الطوائف، لكن مسألة الطائفية وردت في المادة 95 لدستور عام صِيغ عام 1926، وعدلت لاحقاً دون أن يظهر أي تغيير جوهري، فهي نصّت أنه و "بصورة مؤقتة، وعملاً بالمادة الأولى من صك الانتداب، والتماساً للعدل والوفاق، تُمثّل الطوائف، بصورة عادلة، في الوظائف العامة، وفي التشكيل الوزاري، دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة". وبعد التعديل حذفت عبارة: "وعملاً بالمادة الأولى من صك الانتداب".

لكن الدستور ظهر أساساً على خلفية لتأسيس الحياة السياسية وفق واقع طائفي، فهناك جملة من الأحداث سبقت ظهور مرجعية الدستور، ففي 12 تموز 1920 أصدر المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو القرار 299 الذي ضمت بموجبه الأقضية الأربعة إلى لبنان. وفي 31 آب من نفس العام أصدار القرار رقم 318 لإنشاء "دولة لبنان الكبير" بحدودها الحالية. وظهرت قرارات لاحقة قسّمت لبنان إلى أربعة ألوية ومدينتين (بيروت وطرابلس). وكان التحول الأخطر في الثامن من آذار 1922، عندما أصدر وكيل المفوض السامي الفرنسي روبير دوكيه قراراً نص على إنشاء هيئة منتخبة سميت "المجلس التمثيلي للبنان الكبير"، وذلك بالتزامن مع أول قانون متكامل للانتخابات النيابية في لبنان، ووزعت المقاعد النيابية على الطوائف والمذاهب على الشكل التالي : 10 موارنة – 6 لكل من السنة والشيعة – 4 روم ارثوذكس – 2 دروز – ونائب لكل من الروم الكاثوليك والأقليات (المجموع 30 عضواً)، وكان هذا أساس المجلس النيابي الذي أقره الدستور، فالحياة السياسية بنيت منذ البداية على توازن طائفي.

وتبدو الصفة المؤقتة للتمثيل الطائفي كما نص عليها الدستور كتأسيس لحالة ستستمر، حيث عززت بميثاق عام 1943 من خلال اقتسام السلطات، فالشرعية الحقيقية لم تكن للدستور بقدر كونها للمؤسسات الطائفية التي تم مزاوجتها مع السياسة، فأنتجت طبقة سياسية بمرجعية طائفية تجدد نفسها عند كل تحول على المستوى الإقليمي، فالشرعية الدستورية في لبنان هي من أكثر الأمور قابلية للاستخدام لتتوافق مع التوازنات الإقليمية، لأنها شرعية محكومة بمجموعة توافقات بدأت عام 1943، وكان آخر مراحلها "اتفاق الدوحة" عام 2008.

سلطات الانتداب وضمن المادة 95 من دستور عام 1926، فتحت عبر الحالة المؤقتة للطائفية السياسية باب التجاوز الدستوري، فهذه "الحالة المؤقتة" تتقارب مع "حالة الطوارئ" التي تعطل بنود الدستور، فمراعاة التوزع الطائفي أنتجت ثلاث مظاهر أساسية:

– الأولى ديمقراطية الواقع التي تستند إلى سكونية الحالة الطائفية، فتداول السلطة في لبنان هو توافق طائفي وليس تنافساً سياسياً، وهو ما يفسر عدم قدرة الأحزاب السياسية على خلق أي اختراق لأنها مرهونة بـ"التوازن" في توزيع المناصب الحكومية، فهي ديمقراطية لتمثيل الطوائف خدمة لاستمرار التوافق الداخلي.

– الثاني أسبقية "التوافق" على النص الدستوري، فمرجعية الطائف أو اتفاق الدوحة أو حتى الأعراف السياسية تتجاوز أي نص دستوري، فاتفاق الطائف أتى ليكرس أعرافاً طائفية على حساب الدستور، وأصبح أقوى من الدستور لأن صيغته هي التي أوقفت الحرب اللبنانية، بينما يعتبر اتفاق الدوحة فك ارتباط ما بين القوى السياسية المتنازعة على الأخص أنها حاول العودة مجدداً للسلاح ولو بشكل ضيق.

– الثالث استناد الشرعية إلى "المرجعية الإقليمية"، ففي لبنان تستمر الدولة لعام أو أكثر دون رئيس طالما أن هناك معادلات إقليمية تضمن هذا الأمر، وبغض النظر عن التفاصيل الدستورية في هذا الخصوص إلا أن ما يحدث هو إسناد الدولة على على الواقع الإقليمي بدلاً من النص الدستوري.

تتفاعل الظواهر الثلاث السابقة لتقدم نموذجاً غير مسبوق لدولة تم وضعها أول دستور لها عام 1926، ولكن واقعها يوضح أن شرعية مؤسساتها قائمة على نص غير مكتوب، وعلى معادلة متغيرة دولياً وإقليمياً، فإذا كان الدستور الأردني يسمح للعشائر بالاحتكام إلى أعرافهم، فإن لبنان تحمل "دستورا" من الأعراف السياسية تقوم الدولة عليه وتستمر ضمن توازن هش، يضمن على الأقل تحكماً بعلاقات لبنان الإقليمية والدولية.

 

جميع الحقوق محفوظة – معهد ليفانت للدراسات

 

 

 

تقارير ذات صلة